وثمة هنا احتمالان أساسيان :

أولا – توافق روسي أمريكي على تقاسم النفوذ في الشمال السوري بما يعنيه الأمر من وضع حدود للاعبين الإقليميين لا سيما تركيا ..

ثانيا – الورقة الكردية في الشمال السوري لم تعد محسوبة على واشنطن فحسب، والاجتماعات في القاعدة الجوية الروسية في مطار حميميم العسكري بدأت تأتي أكلها ..

اللافت أن الإعلان عن التوافق جاء من قبل مجلس منبج العسكري الذي أصدر بيانا أشار فيه إلى أن قواته وافقت على تسليم القرى الواقعة على خط التماس مع قوات درع الفرات المدعومة تركياً وذلك لـ "حماية المدنيين وتجنيبهم ويلات الحرب والدماء وما تحمله من مآس، وحفاظا على أمن وسلامة مدينة منبج وريفها .." وكذلك لمنع القوات التركية من فرض سيطرتها على المزيد من الأراضي السورية .. أما التأكيد فجاء على لسان رئيس المديرية العامة للعمليات في هيئة الأركان الروسية سيرغي رودسكوي، الذي شدد على أن وحدات الجيش السوري وصلت إلى المنطقة الواقعة جنوب غرب مدينة منبج "وفقا للاتفاقات التي تم التوصل إليها بمساعدة من قيادة القوات الروسية في سوريا، وسيتم إدخال وحدات من القوات المسلحة التابعة للجمهورية العربية السورية بدءاً من يوم 3 مارس آذار إلى الأراضي التي تسيطر عليها وحدات الدفاع الكردية .." وهنا رسائل للقريب والبعيد لا سيما للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي عول على المناطق الآمنة التي تحدث عنها نظيره الأمريكي دونالد ترامب وانطلاقا من ذلك تمدد في الشمال السوري أكثر مما كان متفقا عليه ..  

أيا كان الأمر فإن المشهد الميداني السوري على أبواب متغيرات نوعية، وذلك بالتزامن مع  تعثر محادثات جنيف في تحقيق أي تقدم يذكر والتأكيد على أهمية العودة للعاصمة الكازاخستانية أستانا .. يأتي ذلك في وقت نفى فيه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو وجود اتفاق مع موسكو حول تسليم قرى خاضعة لسيطرة قوات درع الفرات للجيش السوري بعد أن تسربت معلومات خلال مفاوضات أستانا الأخيرة عن أن البحث يجري حول تسليم مدينة الباب للقوات الحكومية بعد تحريرها من سيطرة داعش الإرهابي .. هذا ما كان يتداول في الأروقة ليأتي التغيير في تكتيك وربما استراتيجية أنقرة ودخول وحداتها الخاصة إلى مدينة الباب التي يراد لها أن تكون قاعدة لتثبيت نفوذها في الشمال السوري ومواجهة التواجد الكردي ..

مرحلة حرجة هي تلك التي تعيشها اليوم المناطق الشمالية السورية. فالترتيبات والتوافقات قابلة للتأويل والتغيير .. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد أكد أن فصائل درع الفرات تتحرك باتجاه بلدة منبج وفق خطة متفق عليها مسبقا، نافيا تخطيط بلاده للبقاء في سوريا، في وقت كان فيه الجيش السوري يوسع مناطق سيطرته جنوب مدينة الباب وذلك في إطار مساعيه لوقف تقدم القوات المدعومة من أنقرة في المنطقة وذلك بعد أن تمكنت القوات الجوية الفضائية الروسية من تدمير نحو 300 موقع تابع لداعش في محيط المدينة .. أما وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو فشدد على اتفاق أنقرة مع موسكو على أن القوات السورية وقوات المعارضة يجب ألا تتحارب في منطقة الباب حيث أن الهدف المشترك يتمثل في محاربة داعش. ووجه رسائل تحذر من أنها ستقصف القوات الكردية في حال بقائها في منبج، مطالبة بخروجها من هذه المدينة السورية بأسرع ما يمكن ..

وعليه يمكننا النظر إلى الورقة الكردية في ملف التوازنات شمال سوريا على أنها ورقة رابحة، على الأقل حتى الآن .. لذا، أن يأتي التوافق بين موسكو ودمشق من جهة مع الوحدات الكردية المدعومة أمريكيا من جهة أخرى .. يعني أن المنطقة مقبلة على متغيرات جديدة وتوزيع للأدوار جديد قد لا تكون رياحه كما تشتهي سفن البعض، وأن مكافحة الإرهاب ستكون عنوان المرحلة المقبلة وليس الانتقال السياسي ..