لقد شاءت الظروف أن أكون ممثلا لروسيا في المؤتمر مع الإعلامية المرموقة يلينا سوبونينا Souponina، وأن أقدم مداخلة مكتوبة بعنوان "الجيوبوليتيك الروسي ومستقبل الأقلية المسيحية في الشرق الأوسط" ومداخلة شفهية بعنوان " روسيا في سياستها القومية والدينية بين المثال والتحديات".

 

 ما لفت نظري حضور العقل الراجح في معظم أوراق المشاركين، باستثناء بعض الأوراق القليلة المشحونة بالطاقة الانفعالية المشبعة بمخلفات البقايا السلبية للذاكرة التاريخية لهذه المجموعة أو تلك. على العموم جاء سقف الاجتهاد الأكاديمي فيها عاليا لدى معظم أعضاء الوفود التي حضرت من البلدان العربية والأوروبية. وبدا لي من خلال تقارير وتوصيات ومداخلات رؤساء الجلسات ومقرريها أن العالم العربي ما زال يخزن في ثنايا فكره بصيصا واقعيا من الأمل قد يسهم في رسم إستراتيجية واضحة لمستقبل عربي يعتمد على القيم الناجعة للمجتمع المدني، حيث تسود دولة القانون والمواطنة، وتنتعش الديمقراطية وقيم العدالة الاجتماعية ثقافة ومؤسسات وتنمية اقتصادية وثقافية مستدامة.

 

 

ما يهمني في هذه العجالة من التقييم لهذا الحدث العلمي الهام أن أتوقف عند أبرز الأفكار والرؤى المستشرفة لمستقبل حل الصراعات في العالم العربي والتي أتت بها المحاور الثلاثة للمؤتمر.

في المحور الأول الذي حمل عنوان "تناقضات الصراع والتحول في العالم العربي" والذي ترأسه رئيس الجامعة اللبنانية السابق الدكتور عدنان السيد حسين تم التركيز على أعطاء الأولوية للمعرفة في زمن لا قيمة فيه لأي دولة أو مجتمع بدون أن تكون له أولوية لمجتمع واقتصاد وثقافة المعرفة، وذلك استنادا إلى مقرري هذا المحور بأن الضرورة الإستراتيجية تقتضي : "معرفة المتغيّرات الدولية والعالمية بما في ذلك مصالح القوى الدولية الكبرى في العالم العربي والشرق الأوسط، تمهيداً لصوغ علاقات ترعى المصالح المتبادلة دون الوقوع في دائرة التبّعية المطلقة التي تهدّد الدول والمجتمعات العربية".

و في البند الثاني لهذا المحور المتعلق بتحديات المحور الإقليمي، وبعد أن تناول بإسهاب مساوئ وواقعية اتفاقيات ساكس بيكو، فأنه ركز على "العمل من أجل إنشاء نظام إقليمي شرق أوسطي-عربي، أي مع دول الجوار الإقليمي (تركيا، إيران، أثيوبيا). نظام يحترم القانون الدولي، ووحدة الدول المعنيّة، ويحقق التعاون والتكامل الوظيفي-الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي- بمعزل عن النزاعات السياسية بين الحكومات. مثل هذا النظام لا يتعارض مع التعاون العربي-المتوسطي، ولا يجب أن يتعارضا مع العمل العربي المشترك على الرغم من الملاحظات السلبية الراهنة".

والنقطة الحساسة التي تناولها هذا المحور كانت حول الملف الأمني العربي ككل حيث خرج المؤتمر بتوصية وسطية غير صداميه حيال أي محور إقليمي فيه توقف عند ضرورة " العمل على إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة بعيداً من سياسة المحاور بهدف التدخل لوقف النزاعات الداخلية وصون الأمن العربي الشامل"... "مع التنبّه الى ضرورة اعتماد المفهوم الشامل للأمن: اقتصادياً بالحفاظ على الموارد والثروات العربية في إطار التنمية الذاتية، وثقافياً وإعلامياً من خلال التركيز على فكرة المواطنة دفاعاً عن الوحدة الوطنية ورفض الفرز بين مواطني الدولة على اي أساسٍ كان، والسعي الحثيث مع وسائل الإعلام العربية لبلورة ثقافة مدنية بعيداً من التحريض الفئوي في إطار إستراتيجية إعلامية عربية، وبما يحقق صمود البنية المجتمعية والعمل لإقامة الدولة العربية الحديثة في إطار الانفتاح على العالم والتمسّك بالقيم الوطنية والعربية".

المحور الثاني كان بعنوان" مستقبل الأقليات في العالم العربي في ظل الصراعات الدولية والإقليمية الجيوستراتيجية والاقتصادية" وترأسه القاضي المعروف شكري صادر. فيه أجمع المشاركون على ضرورة نبذ مفهوم "الأقلية" و"الأكثرية" من القاموس السياسي وعدم استعماله والتركيز على بناء دولة القانون والمواطنة حيث لا تمييز بين مواطن وآخر أيا كان لونه وعرقه وانتمائه الديني أو المذهبي. ولعل هذا المحور كان في توصياته أكثر المحاور تنظيما ودقة في صياغته، الأمر الذي دفعني لأن استند حرفيا الى معظم نقاطه العشرة التي جاء على ذكرها وهي:

1.              تفعيل الحوار على مستوى النخب العربية والعمل على الارتقاء بالخطاب الديني إلى مستوى المسؤولية الوطنية؛

2.              الاتفاق على جيوستراتيجية مشتركة للعالم العربي توفق بين مستويين:

- تذليل الخلافات بين كل دولة والحفاظ على حقوق الأقليات؛

- تطوير مفهوم جيوستراتيجي مشترك قائم على مصالح وعوامل إستراتيجية مشتركة؛

3.              الانتقال من تعامل الأقليات كمجوعات منعزلة الى تنوع ثقافي ومعاملة الفرد كمواطن، بما يعزز الاندماج الاجتماعي؛

4.              الالتزام بالمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحقوق الإنسان والمواطن وفصل الدين عن الدولة؛

5.              ضمان صياغة تشريعات وطنية تحدّ من التمييز وتؤكد على المساواة بين جميع المواطنين؛

6.              إعادة النظر بالمناهج التربوية بهدف ترسيخ مفهوم المواطنة وثقافة الاختلاف؛

7.              إشاعة الخطاب التنويري الذي يسمح بتجاوز التعصب وعدم إثارة النعرات الطائفية او المذهبية أو السياسية وحل النزاعات بالطرق السلمية؛

8.              ترسيخ مبدأ سيادة القانون والحكم الرشيد ودولة المؤسسات وترسيخ الانتماء الوطني؛

9.              تعزيز التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وتفعيل دور المجتمع المدني؛

10.          نشر وتعميق ثقافة الحوار والسلام بين الحضارات والأديان والمعارف المختلفة.

اما المحور الثالث الذي ترأسه الدبلوماسي العربي المعروف ناصيف حتي وقام بعرضه إمام المؤتمرين الدكتور نيقولا بدوي، فتناول تداعيات الحروب في المشرق العربي. ولعله من أكثر المحاور سخونة، لسخونة وثقل الحروب المتتالية التي شهدها العالم العربي طوال السبعين عاما. وقد ركزت توصياته على بعض المسائل المصيرية بالنسبة لمستقبل الأمن والسلام في المنطقة. وهنا أتوقف عند البعض منها:

- معارضة أي تغيير لحدود الدول العربية والحفاظ على الوحدة الترابية.

- تشجيع ثقافة نقد الذات والحوار البنّاء بغية معالجة كافة القضايا الخلافية والعمل على تعزيز ثقافة الحوار والديمقراطية والمشاركة السياسية لكافة القّوى المعنية بهدف تعزيز الوحدة الوطنية وصيانتها وتعزيز مفهوم المواطنة واحترام التنوّع والتعدّدية في إطار الوطن الواحد.

-إعطاء مضمون فعلي للهوية العربية الجامعة من خلال تعزيز التضامن العربي والمصالح العربية المشتركة والدفع نحو بلورة إستراتيجيات عربية مشتركة في كافة المجالات التي تهمّ المواطن العربي والبيت العربي.

- أهمية تعزيز الأمن الاجتماعي الذي هو ركن أساسي في حماية النسيج الوطني وذلك من خلال بلورة سياسة تنموية إنسانية شاملة على صعيد دولنا العربية وتعزيز التكامل العربي في كافة المجالات ولمصلحة جميع دولنا مما يعزّز ويقوّي من قدرتنا العربية على مواجهة التحدّيات العربية والإقليمية والدولية التي تواجهنا.

- العمل على بلورة إستراتيجية عربيّة موحّدة تقوم على بلورة الأولويات العربية وتعزّز من إمكانية إجراء حوارات ناجحة وضرورية مع كل من تركيا وإيران..

- التأكيد على مركزيّة القضية الفلسطينية وضرورة التحرّك العربي الجماعي في الأمم المتحدة وفي كافة المنتديات والمحافل الدولية مع القوى الدولية الفاعلة بغية إفشال السياسات التوسّعية والعنصرية الإسرائيلية بغية الدفع نحو تنفيذ كامل لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والعمل على تحقيق هدفنا جميعاً في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة.

- نبذ الإرهاب والتطرّف والتأكيد على أولويّة اعتماد سياسة شاملة لمحاربة الإرهاب واجتثاث جسور التطرّف.

- ايلاء أهميّة خاصة لقضية الشباب العربي من خلال العمل على محاربة البطالة وتعزيز التعليم النوعي وتخصيص منح دراسية عربية توفّر فرص التعليم والنجاح للعديد من أبنائنا غير القادرين.

- تعزيز دور مراكز البحوث والدراسات التي تعمل في إطار عربي بغية تعزيز التطوّر العلمي وهو الشرط الضروري لإحداث تنمية عربية شاملة.

-رفض كل أنواع التفتيت والتقّسيم تحت أي عنوان أتت والتي تهدّد الدول العربية التي تعيش حروباً ونزاعات خطيرة حالياً، والتأكيد على دعم وحدة هذه الدول وصيانة سيادتها واستقلالها.

منظم المؤتمر

على العموم جاءت أعمال وتوصيات المؤتمر لتقدم وقفة عقلانية جادة تخاطب الضمير العربي كي يسلك مناهج العصر في تسيير الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية والدينية والثقافية. ولعل في هذا المؤتمر الدوري السابع الذي يقوم به مشكورا ومن العاصمة اللبنانية بيروت "مركز البحوث والدراسات في الجيش اللبناني" إضافة نوعية جادة ومبشرة لجمع الطاقات الفعالة العربية والصديقة الأجنبية حول مثل وخطط قد تسهم في الخروج من هذا النفق العربي والشرق أوسطي الحالك الظلام. مثل هكذا ندوات وأفكار لا يمكننا إلا أن نقوم بتشجيعها والسعي لتعميمها لتشكل ظاهرة فكرية تنير العقول والنفوس العربية.