ذكر الغنوشي، في مقابلة مع صحيفة «الخبر» الجزائرية، نشرت أمس، أنه «يتمنى ألا تصاب تونس بما أصيبت به الجزائر، التي وصلت إلى هذه المرحلة (السلم مع المتطرفين) بعد بحر من الدماء، وبعد أن وصلت إلى قناعة مفادها بأنه لا بد من التضحيات، حتى وإن كانت ثقيلة لأجل عودة السلم والوئام المدني، وقبلت بعودة أناس كانوا يقاتلون الجيش والأمن إلى أحضان المجتمع، وقبلت منهم الحوار».

وأوضح الغنوشي، مبديا إعجابا بالسياسة التي انتهجتها الجزائر مع الجماعات المسلحة نهاية تسعينيات القرن الماضي، أن سلطات البلد حاورتهم في معاقلهم بالجبال «وفتحت لهم طريق العودة إلى السلم، وعودتهم إلى بيوتهم والحياة المدنية، ولم يكن ذلك يسيرا، لأن الجزائر دفعت ثمنا كبيرا، ولا أعتبر أن تونس تحتاج إلى أن تدفع ثمنا مشابها حتى تصل إلى هذه القناعة... قناعة أن تفتح باب السلم والعودة إلى الرشد أمام من يريد ذلك، وأن نشجع من يريد العودة إلى الرشد وعزل الفئة الباغية والأكثر تشددا، التي ترفض رفضا مطلقا التعايش مع الآخرين».

ورأى الغنوشي أن لغة الحوار مع المتطرفين لا يمكن أن تجد طريقا إلى التطبيق في تونس حاليا، «لأن الدماء التونسية ما زالت خضراء من سياحنا وحرسنا وجنودنا وشبابنا، والكرامة التونسية ما زالت جريحة في بلد لم يتعود على العنف، وهؤلاء (المتطرفون) يمثلون تحديا للشعور والكرامة الوطنية والحس العام»، مضيفا أن هؤلاء وبعد أن «ييأسوا من مغالبة الدولة وتنكسر شوكتهم، فقد يفتح مجال التوبة أمام من عنده إرادة، لكن الآن الرأي العام غير مهيأ لهذه المرحلة التي وصلتها الجزائر بعد تضحيات كبيرة، واحتاجت إلى شجاعة من نوع شجاعة الرئيس بوتفليقة، الذي يعرف ماذا يعني القتال والاقتتال الداخلي».

وأطلقت الجزائر سياسة «الوئام المدني» عام 1999، وأفضت إلى تخلي ستة آلاف عضو من «الجيش الإسلامي للإنقاذ» عن السلاح. وفي 2005 طبقت «المصالحة الوطنية» التي اقترحت على ما بقي من المتطرفين إبطال أحكام السجن ضدهم، في مقابل «العودة إلى الرشد»، ولكن لا يعرف لـ«المصالحة» حصيلة رسمية.

وعقدت الجزائر وتونس عدة لقاءات أمنية عالية المستوى، خلال العامين الماضيين، للحد من خطر المتطرفين بالحدود المشتركة بين البلدين. وطلبت تونس من الجزائر الاستفادة من تجربتها الطويلة في مجال محاربة الإرهاب.

وبخصوص المراجعات السياسية التي جرت في تونس، والفصل بين الدعوي والسياسي في حركة النهضة، قال الغنوشي إن النخبة السياسية التونسية «شهدت تطورا... صحيح أننا نسجل سلبيات، لكننا ننظر أيضا إلى الجزء الملآن من الكأس، إذ يحسب للنخبة التونسية أنها صنعت الاستثناء التونسي في الربيع العربي، الذي غرق في بحر من الفتن وتحول إلى برك من الدماء... بينما تونس تنعم بالحرية بفضل الله وبفضل نجاح النخبة التونسية في إدارة الحوار بينهم، وحل المشكلات حول طاولة».

وفي مقارنة للوضع التونسي والليبي، أضاف الغنوشي موضحا: «لك أن تذهب إلى بعض الفنادق التونسية والمصحات الخاصة، وسترى مظاهر مقضة للمضاجع وموجعة، سترى عشرات الشباب الليبي المعطوب الذي جاء للعلاج كضحايا حرب، هؤلاء ضحية النخبة الليبية التي فشلت في إدارة الحوار بينها، والذي دفع الثمن الشباب والشعب الليبي، لكن النخبة التونسية لم تدفع الشباب التونسي إلى الهجرة السرية، وقد نجحت تونس وحلت مشكلاتها بالحوار وتنازل البعض للبعض، و(النهضة) تعتز بأن تكون أكبر من تنازل، حتى سمانا بعض الإخوة بدل النهضة حركة التنازلات... تنازلنا لتونس ولأبناء وطننا ولأحزاب تونسية، المهم أن تونس ربحت، وقد خسرنا السلطة لفترة لكن ربحنا الوطن».

إلى ذلك، أعلن الجيش الجزائري، في بيان، أنه عثر على جثتي متطرفين بعين الدفلى (130 كيلومترا غرب العاصمة)، وتيزي وزو (100 كيلومتر شرق العاصمة)، أمس وأول من أمس. وقال إن الأمر يتعلق بالمكنى «أبو حذيفة»، و«ح.جعفر» المكنى «القعقاع». وأمام الجثتين تم العثور على بندقية نصف آلية من نوع «سيمونوف» وقنبلة تقليدية الصنع وكمية من الذخيرة، بحسب البيان.

نقلا عن الشرق الأوسط: ٢٩-١-٢٠١٧