وإذ وجدنا أن نظهِّر مسعانا بعبارة "المعايشة الرحمانية"، فلغاية استجلاء ما حظيت به منزلة الإنسان في المعارف الإلهية والحكم الربَّانية من اعتناء خاص. كان لنا من أجل ذلك، أن نقارب وجهاً مبيناً مما تختزنه رسالة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الى المولى الجليل مالك الأشتر لمَّا عيَّنه والياً على مصر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنمُ أكلهم، فإنهم صنفان: اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق.. فأعطهم من عفوكَ وصفحِك، مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه"..

لقد ابتنينا بحثنا في هذه المقاربة، على تأصيل "النظير" بوصفه مفهوماً محورياً يسهم في تنمية وتسديد الاشتغال الفكري على أطروحة "المعايشة الرحمانية". وما رمينا من هذا التأصيل إلا ابتغاء التعرّف الى ماهية وهوية ومنزلة النظير عند الإمام، ليكون للناس مثالاً وقدوة في اجتماعهم وتدافعهم. وكذلك لتهتدي به الإنسانية الى سوَّيتها وسعادتها وحضارتها الفاضلة...

محور هذا البحث وغايته، بيان الابعاد الإلهية لتلك الرسالة، واستظهار قيمها الممتدة في حركة الزمن. لذا فإن مسعى كهذا، يندرج في سياق الإجابة على سؤال الغيرية كإشكالٍ مركزي في مشاغل الفكر الإنساني المعاصر. من أجل ذلك رأينا الى مفهوم النظير كمنفسح معرفي يتغيَّا بلورة "فلسفة اجتماع كونية" تنعقد فيها الصلة بين الأنا والآخرعلى نصاب الاحتكام لأمر الحق الأعلى في عالم الخلق.

أما الذي يضاعف من راهنية مفهوم النظير كما بيّنته الخطبة العلوية، فهو اللاَّيقين الذي يعكسه الجدل المتمادي منذ خمسة قرون من عمر الحداثة الغربية حول هذه القضية.

في أدبيات الحداثة الغربية سوف نقع على مختزن وفير من المطارحات حول الأنا والآخر.. إلا أن ما تناهى لنا هو أن السجال حول هذه المطارحات، ما كاد ليقترب من المحل الآمن، حتى يعود ليستأنف سيرته الاولى وهو محمولٌ على قلق مقيم.

قد يكون الفيلسوف الفرنسي بول ريكور من أبرز متأخري الغرب، الذين سعوا الى إنجاز هندسة معرفية تنتظم الوصل الحميم بين الذات والغير.

لقد بذل جهده الأقصى في كتابه الأخير "الذات عينها كآخر (Soi - MêmeComme un Autre(لكي يتجاوز المعضلة التي واجهت أسلافه ومجايليه في هذا الحقل الفلسفي الشاق. أما أطروحته فتؤكد على المجهود المستمر الذي تقوم به الذات لفهم ذاتها عبر اكتشاف معنى تجربتها. ذلك لأنها – برأيه- غير قادرة على الاستناد الى يقينية مطلقة.

إذا كانت القضية بالنسبة لفلاسفة ما بعد الحداثة انهم ينطلقون من فضاء الفلسفة ليخرجوا الأنا من كهفها المغلق، فإنها في "النظير العلوي الرحماني" تسمو فوق الأنانية والغيرية في نفس الآن. وما ذاك إلا لأن "الغير" الذي انتجته الأنا حتى وهي ذروة لطفها وعقلانيتها، هو "غيرٌ" مفطور على النقص وعدم اليقين. انه "غيرٌ" محتاج على الدوام لمن يمنحه الاعتراف بماهيته والاقرار بحقه. ذلك يعني أن لا نظير في هذا المحل من الفهم بين الأنا والغير، بل ثمة تفاوت وانسلاب وخصومة دائمة. فالذات التي منحها فلاسفة الأخلاق، سعة أفق بقصد أن تغمر الآخر بالمودة والإيثار، ما أفلحت هي الأخرى في تجاوز شرائط العلمنة وماديتها الصارمة. فإنها لأجل ذلك لم ترقَ الى الرحمانية التي يترجمها مقام النظير في الأطروحة العلوية.

كيف لنا إذاً أن نفهم النظير في رسالة الإمام، ثم كيف نتدبر أمره ليغدو أساساً لمشروع كوني يشمل الآدمية كلها؟

مقام النظير الذي نحن بصدد جلاء معناه ومقاصده له حقيقته المفارقة. هو مقام ينبني على حاضرية الله وعدله في عالم الاختلاف والكثرة. وحاضرية الله في هذا العالم تجعل النظير مخلوقاً مفارقاً للمعيار البشري؛ إنه خلاف ذلك الكائن المسكون بالأنانية، النافي للآخَرية. ذلك بأن حاضرية الله في النظير العلوي، إنما هي قيومية تدبير ولطف، لا منَّه فيها لأحد من الناس على أحد. انها عين الرحمانية التي يستوي فيها النوع الآدمي بالعدل على نشأة النفس الواحدة.

وإذاً، فالنظير في رسالة الإمام، هو الكائن الآدمي المستخلف في الأرض والموصول بعروة وثقى بالغيب. هو المعادل للأنا والأخ في الدين، والمتحرك تحت إشراف الحق الاول وعنايته. وحاصل الأمر أن حق الغير هو حقّ متأتٍ من فيض الله لا من كهف النفس البشرية وأنانيتها.

لو أحلنا كلام الإمام بشقيه العلمي والعملي لَنَسَبْناه الى عالم الحكمة البالغة، أو الى عالم العرفان الكامل. ففي مراتب هذا العالم الصاعد يتدرج السائر نحو الحق الأول، عبر جدلية لا نهاية لها من المحو والإثبات، والترك، والاتباع، وكذلك عبر محاكاة لوازم الشريعة واحكامها، وصولاَ الى تدبر حقائقها الباطنة ومثالاتها.الحكمة الأخلاقية البالغة التي يراد من خلالها التحقق بمقام النظير، لا تدرك غايتها إلا برحلة تعرُّفٍ مضنية في طلب الالتحاق بالربوبية.

إنّ فهم النظير على مثل هذا النصاب المتعالي، هو فهمٌ لا يتحقق على التمام إلا اذا عاينّاه بعين الحق لا بعين ذاتنا. فلا تستقيم الرؤية التوحيدية مع رؤيتنا المكتظة بالفقر، والأنانية، ونكران الجميل. فقاعدة التناظر في الكثرة الخَلْقية هي قاعدة أصيلة ثابتة ينفرد بها الخالق وحده. والخلق المأمورون بتمثُّلها لا ينالونها بغير المجاهدة. ولهذه المجاهدة شرائط معرفية وسلوكية، هي من مقتضيات السفر المعرفي العميق في المباحث الالهية المقرونة بحسن السير والسلوك.