حيث يؤالف بين اثنين من أصل واحد. وهو ما نجده في زوجية المثنى حيث لا انفصال للأصل، وإنما ضرب من تمييزٍ بين كل من طرفي الزوجية في الصفة والهوية. فكل متقابلين على نحو التناظر، هما نظيران متعادلان في اصل تقابلهما وجها لوجه. وبذلك يؤول التناظر الى مبدأ الإيجاد. فالكون مثلاً يدار بسلسلة من الانظمة والقوانين الذاتية الثابتة التي لا تتغير. وهذه القوانين والأنظمة هي نظائر متعادلة في اصل ظهورها في الوجود رغم الاختلافات والتفاوتات بين شخوصها وأفرادها.. ويقوم العدل في نظام النشأة الكونية على وجود مراتب مختلفة ودرجات متفاوتة للوجود. وهذا هو منشأ ظهور الاختلاف والنقص والعدم. ولأن التفاوت والاختلاف والنقص في المخلوقات أمور لا تتعلق بأصل الخلق،بل هي من لوازم ومقتضيات تلك المخلوقات، فمن الخطأ الظن بأن الخالق فد رجح بعض مخلوقاته على بعض. اما الترجيح فهو الذي يؤدي الى نقض العدالة والحكمة فإنه من فعل الفاعل البشري. اي من المخلوق. أما الذات الآلهية المقدسة، فلما كانت وجوداً صرفاً وكمالاً محضاً، وفعلية خالصة، فهي اذن، منزّهة عن تلك الوسائل والافكار والوسائط، وبالتالي عن كيفيات الترجيح التي هي من لوازم الاجتماع البشري. ولذا فالعدل ـ بمعنى التناسب والتوازن ـ من لوازم كون الله حكيماً وعليماً. فهو سبحانه بمقتضى علمه الشامل، وحكمته العامة،يعلم ان لبناء اي شيء مقادير معينة من العناصر. ولذا فهو من يركب تلك العناصر، لتشييد ذلك البناء. وضمن دائرة ارتباط العدل بالحكمة بوصفهما صفتين من صفات الحق تعالى، يتجلّى العدل الإلهي من خلال فيضه على كل مخلوق بقدر مايستحق. وعلى قول الفيلسوف نصير الدين الطوسي: لا يوجد حكم لائق غير حكم الحق.. ولن يأتي حكم يفضُلُ الحكمَ الحق، وكل شيء موجود قد أُوجد كما كان ينبغي، ولم يوجد شيء لا ينبغي وجوده".. ولأن لازم الحكمة والعناية الالهية هو ان يكون للكون والوجود معنى وغاية، فأي شيء يوجد، إما ان يكون خيراً بنفسه، واما أن يكون وسيلة للوصول الى الخير... فالحكمة من لوازم كونه عليماً ومريداً،هي توضيح اصل العلة الغائية للكون. اما العدالة فليس لها علاقة بصفتي العلم والإرادة، ولكنها بالمعنى الذي مرّ تكون من شؤون فاعلية الله. اي أنها من صفات الفعل وليست من صفات الذات[1].

ولئن كان النظير هو في حيثية ما حاصل لقاء الأنا والغير، فذلك يعني أنّ حاضريته في الإجتماع الإنساني نتيجة فعلية لاستبدال مفهوم التناقض الوضعي بمفهوم التدافع الإلهي. ولذا فهو لا يقوم على قانون نفي النفي كما تقرّر الماديةالديالكتيكية.ولا على قانون التناقض كما وجدت الهيغلية، وإنما على ما نسميه  بـ"زوجية التكامل في عالم المثّنى"... ففي هذا العالم بالذات  يولد النظير من دون أن تشوب ولادته شائبة.

فلو أوّلنا المثنّى في توليده للنظير لظهر لنا ما نعتبره مجازاً " الديالكتيك الخلّاق"، بحيث لا يعود النظير مقابلاً للآخر وإنّما هو حاصل الإمتداد الخلّاق من الأنا إلى الآخر وبالعكس. وهو ما لا يقدر عليه إلاّ العارف المقيم في رحاب الألوهة لحظة تلقّيه الرحمانيّة وامتلائه بها..

وعليه، لا يعمل مثل هذا النظير خارج المثنّى.. بمعنى أنّه ثالث يولد من  لقاء الأنانية والآخرية ثم ليظهر على الملأ كبديل لهما. ولأنه متّصل بالرحمانية، لا يرتضي لنفسه أن يكون انشقاق الواحد عن الإثنين، بحيث لو تآلف هذين الإثنين من بعد المكابدة في مشقة التناقض، أن يظهر كثالث يروح يستعيد استبداد الأنا بالغير ليصبح أولا ًمن جديد.

لو فعل النظير هذا ما كان ليبلغ السموّ، ولا تسنّى له أن يكون له حظ المفارقة. ذلك أنه محفوظ في محراب المثنى، فلا يغادره بأي حال. فالأنا باقية تحتفظ بفرديتها واستقلالها، وكذلك الآخر باق ٍ على فرديته واستقلاله، لكنهما إذ يجريان مجرى القربى سوف يُفتح لهما باب الكمال لينالا مقام الحرية المؤسسة على العدل.

في هذا المقام بالذات سوف يُرى النظير في ضمير الأنا والغير اللذين اكتملا بالمثنّى، ثم توثّقت صلته بالحق الأعلى. سوى أنّه لا يفارق الجيرة الحميمة ليستقّل بذاته، فهو ممتد معها على أرض الأخوَّة الفاضلة. وتبعاً  لمبدأ الإمتداد يصير النظير آخرَ في الأنا، والأنا تغدو نظيراً في الآخر، فيما تتولّى الرحمانيّة بعنايتها تثبيت المثنّى وتسديده. ولذا يدخل كلٌّ من الأنا والغير في سنَّة التدافع الخلاّق، بما هي سنّة عمرانية تمنع الفساد في الأرض، وتؤسّس لإعمار دنيا الإنسان وتيسِّر سبيله إلى السعادة القصوى.

بهذه الصيرورة لا يُشتقُّ النظير من ضدّين: الأنا والآخر. بل هو مما يُشتقُّ منه، لا من سواه،  نظراً لأصالته، وكذلك بما هومفارق للأضداد. يستطيع الأنا أن يتمثّل حال سواه ويكونه، بشرط  أن يعقد النيّة على الخروج من كهف الثنائيّة واحترابها. ففي هذا الكهف تحتدم الأنا مع كل من يغايرها هويتها. وي هذه الحال يستحيل كلا منهما نقيضين متنافرينلا يلتقيان على كلمة سواء. بل قد يسعى كل منهما الى تدمير نظيره، أو–في أحسن حال-  ليقيم معه توازن هلع لا يلبث بعد هنيهة أن ينفجر لتصيب شظاياه الإثنين معاً. وإذن لا يولد النظير الكامل إلاّ في مكان ٍنظيف خارج الكثرة المشحونة بالتحاسد وسوء الظن. وسيكون له ذلك حين تبلغ أحوال العالم درجة الإختناق. فعند هذه الدرجة لا يعود ثمة انبثاق للحقيقة السامية إلاّ  حين يفارق النوع الانساني جاهليته ليصبح معادلاً للصفاء الكوني.ولنا هنا على سبيل المناسبة أن نذكر شاهداً من مختبرات الحداثة الغربية:

كان نيتشه- وهو ينقد ثنائية الخير والشر في عقل الغرب- يتساءل عن الكيفية التي يمكن لشيء ما أن يولد عن ضده: الحقيقة عن الضلال، إرادة الحقيقة عن إرادة الخداع . الفعل الغيري عن المصلحة الذاتية. ونظر الحكيم النيّر الخالص عن الشهوة...

كان يقول: إنّ تولُّداً من هذا النوع ممتنع..إذ يجب أن يكون للأشياء ذات القيمة الأسمى منبع آخر وخاص. وهذه القيمة لا يمكن أن تُشتّق من هذه الدنيا الفانية الغاوية المخادعة الوضيعة، أومن هذا الهرج والمرج من الأوهام والأهواء.إن منبع هذه القيمة الأسمى يجب أن يكون هنالك في حضن الكون، في اللاّفاني في الإله المخفي، في الشيء في ذاته، هناك، وليس في محل آخر"[2].

ولكن من أين للعالم بنظير ينقله من جحيم النفي والإقصاء إلى سموّ الفضيلة والإستقبال والرحمانيّة؟

قد يكون نيتشه أكثر فلاسفة الحداثة، الذين أسّسوا لفكرة نظير يقوم بهذه المهمة عن طريق إقامة الحدّ على فكرة الكون المولود من احتدام الأضداد. لقد رأى أن إيمان الميتافيزيقيين الأصلي وفي كل الأزمنة، هو الإيمان بأضداد القيم.ثمليبيّن"أنّ علينا أن نترقّب جنساً جديداً من الفلاسفة، من الذين لهم ذوق ما، وميلٌ ما، مغاير ومعاكس لأسلافهم.. ولنقل بكل جد - كما يقول- : إنّي أرى بزوغ مثل هؤلاء الفلاسفة الجدد[3]".

أما هذا الميل المعاكس الذي يريده نيتشه من نبوءته التي مرّت معنا. هي بالضبط ما يقصده بـ "الإنسان الخلّاق " أو الإنسان المتفوّق الذي وجده في حكمة زرادشت. فسنرى مثلاً،أن الواجب الأول فيتأويليتهيعنيالإنتصار على الذات. لذا كان يردّد على الدوام أن الإنسانية التي يطمح كل إنسان إلى تجاوزها هي إنسانيته بالذات. ولقد كانت الخشية العظمى التي تسكنه هي الإضرار بالغير. وأما العدالة بهذا الإعتبار، فهي ليست مجرّد مكافأةتمّن بها الأنا على سواها، بل هي عطاء مجانيّ تتجاوز ذاتها في سخاء بلا حدود  طبقاً لما ورد في كتابه الأثير "هكذا تكلّم زرادشت": "أحب ذلك الشخص الذي يعطي دائما ً ولا يريد حفظ نفسه".

إذا كان نيتشه وجد نظيره في زرادشت، فقد ظل ّ هذا النظير محكوماً بإرادتين سالبتين معرَّضتينعلى الدوام للإهتزاز.أمّا نظير "المواطنة الرحمانية" فهو على خلاف ذلك.. إنه كائن مطمئن الى ما ينظر ويعمل ممتلئ بالرحمانيّة، فهو يجود ولا يسأل عمّا جاد به، ذلك بأّنه نظير ظاهرٌ بالحق، ومظهرٌ له في عالم الناس، ومؤيدٌ بعنايته في الآن عينه. وبهذه الصفات الجامعة فإن نظير المتصوف كائن فعَّال في مسعاه من أجل أن ينهض بنفسه وبغيره في نفس الآن ومن دون تفاوت.

وعلى هذا النحو تصير نفس النظير في مقام الفاعلية المدركة مُظهِرَةً للآخر، وكل منهما يصبح مظهراً لغيره. لأن الفاعل المدرك في مقام التألّه يُظهرُخيريته طوعاً وطاعة ً للخير الأول. وهو في نفس الوقت يدرك أنّه مؤيد بالحقانية الآلهية ومحفوظ ٌ بها من كل خلل وزيغٍ.



[1]- مرتضى مطهري- العدل الإلهي – ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني – الدار الإسلامية – بيروت – 1997- ص 82.

[2]- فريديريك نيتشه - ما وراء الخير والشر - ترجمة جيزيللافالور حجار، إشراف : موسى وهبه -  إصدار دار الجديد -بيروت 1995 - ( ص 18).

 

[3] -المصدر نفسه - ص (20).