من بين هؤلاء آلان باديو، الذي قام في عام 1993 بنشر كتابه “الأخلاق: مقالة حول مفهوم الشر”. تحليل ونقد وإعادة صياغة خطاب الشر في الفكر المعاصر، وفيه رفض باديو كل التفسيرات اللاهوتية والعلمية على حد سواء (النفسية والاجتماعية، الخ) حول مفهوم الشر، وجعل مفهوم “الخير والشر” في صميم هيكل ذاتية الإنسان، وفعله، وكذلك حريته.

قام كلٌ من كريستوفر كوكس ومولي والن بمحاورة الفيلسوف باديو عبر البريد الالكتروني، في يوليو – أغسطس 2001. فيما طلب باديو إضافة الفقرات الأخيرة من إلى الحوار بعد أحداث 11 سبتمبر.

أنت تزعم بأن الشر في خطابنا الفلسفي والسياسي اليوم، أمر بديهي، وأن هذه البداهة وهذا المفهوم للشر إشكاليان. فما هو”تمثيلنا التوافقي للشر”؟ وما الخطأ فيه؟

بديهية فكرة الشر ليست قديمة جدا في مجتمعنا، حيث يرجع تاريخها، من وجهة نظري، إلى نهاية الستينيات. حين وصلت الحركة السياسية الكبرى للعقد إلى نهايتها. بعدها دخلنا في فترة رجعية، أو ما أسميها بفترة الاستعادة. ففي فرنسا، تشير “الاستعادة” إلى فترة عودة الملك في عام 1815، بعد الثورة و”نابليون”. ونحن في فترة كهذه. فاليوم، نحن نرى في الرأسمالية الليبرالية، ونظامها السياسي، والبرلمانية ،الحلول الطبيعية والمقبولة. وتعتبر كل فكرة ثورية طوباوية في وفي نهاية المطاف إجرامية. يتم الدفع بنا للاعتقاد في أن الانتشار العالمي للرأسمالية وما يسمى بـ”الديمقراطية” هو حلم الإنسانية جمعاء. وأيضا أن العالم أجمع يرغب في هيمنة الإمبراطورية الأمريكية، وشرطتها العسكرية، الناتو.

في الحقيقة، فإن قادتنا وناشري الدعاية على علم تام بأن الرأسمالية الليبرالية، هو نظام غير منصف، وظالم، وغير مقبول للغالبية العظمى من البشرية. كما يعلمون أيضا أن ديمقراطيتنا هي مجرد وهم: أين قوة الشعب؟ أين هي السلطة السياسية لفلاحي العالم الثالث، ولللطبقة العاملة الأوروبية، وللفقراء في كل مكان؟ نحن نعيش في تناقض: واقع وحشي، لا مساواتي بشكل كبير-حيث يتم تقييم كل الوجود على أساس المال فقط، وتقديم ذلك كله على أنه المثال. ولتبرير محافظتهم، فإن أنصار النظام القائم لا يمكنهم اعتبار هذه الحالة مثالية أو شيئا رائعا. لذا بدلا من ذلك، فقد قرروا أن يقولوا إن كل الباقي مروع. بالتأكيد، على حد قولهم، قد لا نكون نعيش في ظل حالة من الخير المطلق، ولكننا محظوظون أننا لا نعيش حالة من الشر.

ديمقراطيتنا غير كاملة. لكنها أفضل بكثير من الديكتاتوريات الدموية. الرأسمالية غير عادلة، لكنها ليست إجرامية مثل الستالينية. لقد تركنا ملايين الأفارقة يموتون من الإيدز، لكننا لم نرفع شعارات العنصرية القومية مثل موسوليني. قتلنا العراقيين بطائراتنا لكننا لم نقطع أعناقهم كما يفعلون في رواندا، إلخ.

لهذا فإن فكرة الشر أصبحت قضية محورية وضرورية، وليس هناك مثقف واحد سيدافع عن النفوذ الطاغي للمال، وما يصاحبه من تهميش سياسي للمحرومين من حقوقهم، أو العمال البسطاء، لكن الكثيرين يتفقون على أن الشر الحقيقي يكمن في مكان آخر. من سيدافع اليوم عن الإرهاب الستاليني والإبادة الجماعية الأفريقية والذين يقومون بالتعذيب في أمريكا اللاتينية؟ لا أحد. هنا يكون التوافق المتعلق بالشر حاسما. فبدعوى عدم قبول الشر، ننتهي إلى الاعتقاد في أننا، وإن لم نكن في أفضل الأحوال خيرا، فنحن في أفضل حال ممكنة، حتى لو كانت ليست عظيمة. إن الإحجام عن “حقوق الإنسان” ليس إلا الرأسمالية الليبرالية الحديثة: لن نذبحك، لن نعذبك في غياهب الكهوف، لذا الزم الهدوء واعبد عجل الذهب. أما هؤلاء الذين لا يريدون أن يعبدوه، أو الذين لا يؤمنون بتفوقنا، فهناك دوما الجيش الأمريكي وتوابعه الأوروبية لإسكاتهم.

ومن الملفت أنه حتى تشرشل قال إن الديمقراطية (أو بكلمة أخرى نظام الرأسمالية الليبرالية) لم تكن إطلاقا أفضل الأنظمة السياسية، ولكنها الأقل سوءا. لقد كانت الفلسفة دوما ناقدة للآراء الشائعة أو التي تبدو بديهية. تقبل ما لديك لأن الباقي شر هي فكرة بديهية، يجب على الفور التدقيق فيها ونقدها.

موقفي الشخصي هو ما يلي: ينبغي الدراسة والتدقيق -بطريقة مفصلة- في النظرية المعاصرة لمفهوم الشر، أيديولوجية حقوق الإنسان، مفهوم الديمقراطية. كما ينبغي التأكيد على أنه لا يوجد شيء فيها يؤدي إلى التحرر الحقيقي للبشرية. ومن الضروري إعادة تشكيل الحقوق في الحياة اليومية، وفي السياسة، وإعادة تشكيل مفاهيم الحقيقة والخير. إن قدرتنا على أن يكون لدينا أفكار حقيقية ومشاريع حقيقية تعتمد على ذلك.

أنت تقول إنه بالنسبة للرأسمالية الليبرالية، الشر دوما بمكان آخر، الآخر المخيف، وهو شيء تؤمن الرأسمالية الليبرالية أنها أبعدته مشكورة ووضعته عند حدوده. لكن ألا توجد أيضا في المخيلة المعاصرة فكرة قوية (نفسية، اجتماعية، ومحلية) عن الشر الداخلي؟ فعلى مدى عقود، كانت الأفلام والروايات الشعبية مهووسة بفكرة الشر الكامنة في (العقل، البيت، في الجوار). ويبدو أن قضية “تيموثي مكفاي” في الولايات المتحدة قد جددت المخاوف السياسية حول ” الشر الكامن”، (الكامن داخل كل واحد منا، الكامن في قلب الولايات المتحدة). ومنذ ما يزيد على الشهر، قامت أندريا ييتس، وهي أم من ولاية تكساس، بإغراق أطفالها الخمس واحدا تلو الآخر، مما أثار نقاشا وطنيا حول ما إذا كنا مسؤولين أو غير قادرين على القيام بمثل هذا الشر. فلسفيا، فإن الاهتمام الذي تجدد بمفهوم كانط “للشر الراديكالي” (وإعادة تفسيره من قبل لاكان) يتماشى مع هذه الفكرة للشر الداخلي (أكثر من الخارجي، والسياسي). وعلى امتداد أغلب تاريخ الغرب، يبدو أنه نظر إلى الشر على أنه شيء داخلي، كشيء يسكن كل واحد منا. لذلك فإن سؤالي: بالإضافة إلى الإشارة لمفهوم “الشر الخارجي” الذي تقدمه، هل تعترف أيضا بأن هناك مفهوما داخليا للشر؟ هل هذه الفكرة ثابتة، أم أنها تخبرنا بشيء خاص عن لحظتنا التاريخية؟ هل ترى أن هذين المفهومين للشر (الخارجي والداخلي)، متصلين ببعضها البعض بأي شكل من الأشكال؟

ليس هناك تناقض بين التأكيد على أن الرأسمالية والديمقراطية هما الخير، والتأكيد على أن وجود الشر إمكانية دائمة عند كل فرد. الأطروحة الثانية (الشر داخل كل واحد منا)، هي مجرد تكملة أخلاقية ودينية للأطروحة الأولى، والتي هي أطروحة سياسية (الرأسمالية الليبرالية ممثلة الخير). وثمة ارتباط منطقي بين هذين التأكيدين، كما يلي:

  1. يبين التاريخ أن الرأسمالية الديموقراطية على مبادئ ليبرالية هي النظام الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي الإنساني الوحيد، والذي يلائم بحق صالح الإنسانية.
  2. كل الأنظمة الأخرى دكتاتورية وحشية ودموية وغير رشيدة على الإطلاق.
  3. الدليل على هذه الحقيقة هو أن الأنظمة السياسية التي حاربت الليبرالية والديمقراطية تشترك جميعها في وجه الشر نفسه، وهكذا، فالفاشية والشيوعية -واللتان تظهران متناقضتين، في الحقيقة متشابهتان جدا، حيث إنهما ضمن عائلة التيارات الاستبدادية، التي هي مضاد عائلة الرأسمالية- الديمقراطية.
  4. هذه الأنظمة الوحشية لا يمكن أن تنتج شروعا عقلانيا، أو فكرة عن العدالة، أو شيئا من هذا القبيل. أما هؤلاء الذين قادوا هذه الأنظمة (الفاشية أو الشيوعية)، فكانوا حالات مرضية بالضرورة: يحتاج المرء لدراسة هتلر أو ستالين بأدوات علم النفس الجنائي. أما بالنسبة لهؤلاء الذين دعموهم، وكان هناك آلاف منهم، فقد تم دفعهم للاستوحاش بفعل الغموض الاستبدادي. ووجهتهم في نهاية الأمر نزعات الشر، وعواطف مدمرة.
  5. إذا كان آلاف من الأشخاص قادرين على المشاركة في مثل هذه المشروعات السخيفة والإجرامية، فذلك، كما هو واضح، بسبب أن احتمالية الافتتان بالشر موجودة داخل كل واحد منا. سيطلق على هذه الاحتمالية “كراهية الآخر”، وستكون الاستنتاج هو: أولا، أنه علينا أن ندعم الديمقراطية الليبرالية في أي مكان. وثانيا، أنه ينبغي علينا تعليم أبنائنا الواجب الأخلاقي لمحبة الآخر.

موقفي في هذه النقطة، هو بوضوح أن هذا الاستدلال هو محض أيديولوجية خادعة. أولا، الليبرالية الرأسمالية ليست إطلاقا في صالح البشرية. بل على العكس تماما، هي أداة للعدمية الوحشية المدمرة. ثانيا، مثلت الثورات الشيوعية في القرن العشرين جهودا جبارة لخلق عالم مختلف تماما من الناحية السياسية والتاريخية. السياسة ليست إدارة سلطة الدولة. السياسة هي في الأصل ابتكار وممارسة واقع جديد ملموس. السياسة هي خلق الفكر. ففلاديمير لينين الذي كتب “ما العمل؟”، وتروتسكي، الذي كتب “تاريخ الثورة الروسية”، وماو تسي تونج الذي كتب “في سبيل حل عادل للتناقضات في صفوف الشعب”، كانوا مثقفين عباقرة مثلهم مثل فرويد وآينشتين. من المؤكد أن سياسات التحرر، أو المساواة، لا تستطيع حتى الآن أن تحل مشكلة سلطة الدولة. حيث مارست إرهابا اتضح لا فائدة منه. ولكن ذلك يجب أن يشجعنا على استكمال الأمر من حيث توقفنا، بدلا من مساندة العدو الرأسمالي الإمبريالي.

ثالثا، إن فئة “الاستبدادية” ضعيفة جدا فكريا. حيث يوجد، بالنسبة للشيوعية، رغبة شاملة في التحرر، أما من ناحية الفاشية، فهناك رغبة قومية وعنصرية. هذان مخططان مختلفان تماما، والحرب بينهما هي حرب علنية بين فكرتي السياسة العالمية، والهيمنة العرقية.

رابعا، استخدام الإرهاب في ساعات الثورة أو الحرب الأهلية، لا يعني على الإطلاق أن القادة والجنود مجانين، ولا أن ذلك يعكس إمكانية الشر الداخلي. فالإرهاب هو أداة سياسية تم استخدامها على امتداد المجتمعات الإنسانية، ولابد أن يُحكم عليه على أنه أداة سياسية لا تخضع لحكم أخلاقي. يضاف إلى ذلك أن هناك أنواعا مختلفة من الإرهاب. ودولنا الليبرالية تعرف كيف تستخدم هذه الأداة بشكل متقن. ويمارس الجيش الأمريكي الجبار ابتزاز يتعلق بالإرهاب على نطاق عالمي، بينما تمارس السجون والإعدامات ابتزازا ليس أقل عنفا.

خامسا، النظرية المترابطة الوحيدة عن الموضوع (وهي الخاصة بي، كما يمكنني أن أضيف مازحا)، لا يمكن أن نميز فيها أي نزعة معينة تجاه الشر. حتى أن غريزة الموت عند فرويد لم تكن ذات صلة بقضية الشر بشكل خاص. فغريزة الموت عنصر مهم وضروري للتسامي والخلق، كما هو الحال في القتل والانتحار. أما بالنسبة لمحبة الآخر، أو الأسوأ، “الاعتراف بالآخر”، فهي مجرد تراكيب مسيحية.ليس هناك “آخر” في حد ذاته. ولكن هناك مشاريع للفكر والفعل، نستطيع على أساسها التمييز بين من هم الأصدقاء، ومن هم الأعداء، ومن يمكن اعتبارهم محايدين. ويعتمد سؤال كيف نتعامل مع الأعداء أو المحايدين بشكل كامل على على المشروع المعني، والعقيدة التي تشكله، والظروف الملموسة المتعلقة به، (هل المشروع في مرحلة صعود؟، هل هو خطر؟، إلخ؟).

بالوضع في الاعتبار ما قلته، كان للمرء ليتوقع أنك ستقلب الطاولة للتأكيد على أنه بعكس الرأي السائد، فإن الرأسمالية الليبرالية ذاتها “شر”، إلا أنك بدلا من هذا تقدم نظرية بديلة للشر؟

لو أنني كنت أنوي قلب الطاولات، كما تقول، كنت لأترك كل شيء في مكانه. فالقول إن الرأسمالية الليبرالية هي الشر، لن يغير شيئا على الإطلاق. بهذا كنت سأظل أخضع السياسة لنزعات أخلاقية مسيحية وإنسانية. كنت لأقول: “فلنحارب الشر”، لكني قد نلت ما يكفيني من “المحاربة ضد” و”تفكيك”، و”تجاوز”، و”وضع نهاية لـ”، إلخ.

فلسفتي تسعى إلى التأكيد على أنني أرغب في “المحاربة من أجل”. أريد أن أعرف ماذا لدي من أجل الصالح العام، وأبدأ في تطبيقه، وأرفض أن أكتفي بـ “الأقل شرا”. فمن العادة الآن أن تكون متواضعا وألا تفكر في الأمور الكبرى. فقد باتت تعتبر شرا غيبيا. بالنسبة لي، أنا مع العظمة، أنا مع البطولة، أنا مع التأكيد على الفكر والعمل.

بالتأكيد، من الضروري اقتراح نظرية أخرى للشر، ولكن هذا يعني بالضرورة نظرية أخرى للخير. والشر هو التنازل في في مسألة الخير. الاستسلام دائما شر، وكذا التخلي عن السياسة التحررية، التخلي عن الحب الشغوف، التخلي عن الإبداع الفني، فالشر هو لحظة فقداني القوة لأكون أمينا تجاه الخير الذي يُلزمني.

إن السؤال الحقيقي الذي يتضمنه السؤال حول الشر هو: ما هو الخير؟، إن كل فلسفتي تسعى إلى الإجابة على هذا التساؤل. ولأسباب مركبة، أعطي الخير مسمى “الحقائق” (بالجمع). فالحقيقة هي عملية ملموسة تبدأ باضطراب (صدام، ثورة عامة، اختراع جديد مفاجئ) وتتطور إلى الحداثة التي نعرفها حينها. فالحقيقة هي تطور ذاتي لهذا الجديد والعالمي في آن واحد. الجديد: هو غير المسبوق بحسب ترتيب الخلق. والعالمي هو الذي يمكن أن يهم بحق كل إنسان فرد بحسب إنسانيته المحضة (التي أسميها الإنسانية الجنيسة). وليتحول هذا الإنسان إلى ذات، (ولا يبقى مجرد حيوان آدمي بسيط)، يجب أن يشارك في ميلاد حداثة عالمية. يتطلب هذا جهدا، وقدرة على التحمل، وفي بعض الأحيان نكرانا للذات. عادة ما اقول إنه من الضروري أن تكون “ناشطا” من أجل حقيقة. وهناك شر في كل وقت يقود فيه حب الذات إلى التنازل عن الحقيقة. ساعتها يفقد الفرد ذاته. وتحمل المصلحة المبنية على حب الذات المرء بعيدا، مخاطرة بتعطيل تطور الحقيقة برمتها (ومن ثم الخير).

وبالتالي ساعتها نستطيع تعريف الشر في جملة واحدة: الشر هو “تعطيل الحقيقة من خلال ضغوط المصالح الخاصة أو الفردية”. حتى في الحالة، التي تشير إليها أعلاه، المرأة التي أغرقت أطفالها الخمسة، تنبع من هذه الرؤية للأشياء. إن النقاش الذي تطرحه عبثي: بوضوح كل الأشخاص” قادرون” على كل شيء. يمكن للمرء أن يرى في كل مكان أناسا خيرين يتحولون إلى أناس يعذبون آخرين، أو مواطنين مسالمين يتوحشون ضد آخرين بسبب أشياء لا تذكر، هذا الاعتبار بلا فائدة. هو فقط يذكرنا بأن النوع البشري ذو نزعات حيوانية محكومة بأحط المصالح، التي يمثل الربح الرأسمالي بشكل مباشر شكلها القانوني. كل هو ما ليس خيرا أو شرا فهو قاعدة غريزية لا أكثر. فسؤال الشر يبدأ من حيث يستطيع المرء قول ما هو الخير الذي يتحدث عنه. وأنا مقتنع ان قتل خمسة اطفال مرتبط في الحقيقة بتخلٍ وحشي عن الخير، في صورة عملية حب. في كل الأحوال، هذه هي الحالة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الحديث عن الشر. والأسطورة التي تقفز للذهن هي أسطورة ميديا اليونانية، فهي ايضا قتلت أطفالها. ولكنه لم يكن شرا، بالمعنى الدرامي للكلمة، لأن قتلها إياهم كان مستندا تماما لحبها لجاسون.

برأيك، إذن، هل يوجد عالم الحيوانات الآدمية ببساطة دون الخير والشر (أعمال التعذيب على سبيل المثال ليست شرا بالمعنى السليم؟)؟ أليس على المرء التزام أخلاقي أن يصبح ذاتا (بدلا من البقاء كحيوان آدمي)؟ وبالتالي، أليس فشل شخص ما في التحول إلى ذات فشلا أخلاقيا؟

إن هذا السؤال يجمع في الحقيقة مفهومين شائعين عن الأخلاقية (ولذا يمكن التمييز بين الخير والشر): المفهوم الطبيعي مشتق من روسو، والمفهوم الشكلي مشتق من كانط:

  1. هناك أخلاق “طبيعية”، أو أشياء سيئة بشكل واضح في رأي أي وعي بشري، وعلى ذلك، فالشر يتواجد بالنسبة للحيوانات الآدمية، والمثال هنا هو مثال التعذيب.
  2. وهناك أخلاق “شكلية”، التزام شامل هو فوق أي موقف بعينه. ولذا فهناك شر شامل، وهو أيضا مستقل عن أي ظرف. والمثال المعطى هنا هو في كيف يتحول الالتزام إلى ذات ليضع الشخص فوق حيوانيته الآدمية. من السيء رفض أن يكون الفرد ذاتا إنسانية مكتملة بغض النظر عن الشروط المحددة لمثل هذا التحول.

يجب على، بالطبع، أن أحدد أنني معارض بشدة لهذين المفهومين. فأنا أتمسك بأن الوضع الطبيعي للحيوان الآدمي ليس له علاقة بالخير والشر. وأنا أتمسك أيضا بأن نوع الالتزام الشكلي الأخلاقي الموصوف في حتميات كانط المطلقة لا وجود له فعليا.

مثال ذلك التعذيب. ففي حضارة مركبة كالإمبراطورية الرومانية مثلا، لم يكن التعذيب يعتبر شرا بل كان يُحتفى به كمشهد. وفي الساحات، كان الناس يتم التهامهم من قبل النمور، ويحرقون أحياء، والمشاهدون يسعدون بمشاهدة المتبارين يقطعون رقاب بعضهم البعض، كيف إذن يمكن أن نعتقد أن التعذيب شر لكل الحيوانات الآدمية، ألسنا الحيوان ذاته كسينيكا” أو ماركوس أوريليوس؟

ويجب علىَ ان اضيف ان القوات المسلحة لبلادي، فرنسا، بموافقة الحكومات، وأغلبية الرأي العام، قامت بتعذيب السجناء أثناء الحرب الجزائرية. رفض التعذيب هو ظاهرة تاريخية وثقافية، وليس بأي حال ظاهرة طبيعية. وفي العموم فإن الحيوانات الآدمية تعرف القسوة كما تعرف الشفقة، فالفرد طبيعي تماما كالآخر، ولا علاقة لأي فرد بما هو خير أو شر. فالفرد يعرف في المواقف الحاسمة متى تكون القسوة ضرورة ومفيدة وفي موقف آخر متى تكون الشفقة احتقارا للآخرين. ولن تجد أي شيء في تركيبة الحيوانات الآدمية تؤسس عليه مفهوم الشر، ناهيك عن مفهوم الخير.

ولكن الحل الشكلي القانوني ليس أفضل بأي حال. في الحقيقة، فإن التزام المرء بأن يكون ذاتا قد لا يعني أي شيء للسبب التالي: إن احتمالية التحول لذات لا تعتمد علينا بل تعتمد على ما يحدث من ظروف والتي في الغالب تكون منفردة. وهذا التمييز بين الخير والشر بالفعل يفترض وجود ذات ولذا فإنه لا ينطبق عليه. دائما بالنسبة للذات وحدها، وليس بما قبل الحيوان الآدمي، أن الشر محتمل. على سبيل المثال في أثناء الاحتلال النازي لفرنسا انضممت لصفوف المقاومة. فأصبحت ذاتا تتعلق بالتاريخ في الذي يصنع. ومن داخل عملية التحول لذات تلك، يمكنني أن أحدد ما هو الشر (أن أخون رفاقي للتعاون مع النازيين، إلخ)، واستطيع أيضا أن أحدد ما هو الخير خارج المعايير المتعارف عليها. من ثم فالكاتبة مارجريت ديراس سردت كيف أنه لأسباب ترتبط بمقاومة النازية، شاركت في أعمال تعذيب الخونة. ينبع التمييز الأساسي هنا بين الخير والشر من داخل عملية التحول لذات ويتغير بحسبها (وأسميها شخصيا فلسفة، أي التحول إلى حقيقة).

ولكي نلخص ما سبق، ليس هناك تعريف طبيعي للشر، فالشر دائما متعلق بموقف محدد حيث يسعى لإضعاف أو تحطيم الذات. لذا فمفهوم الشر يعتمد بالكامل على الأحداث التي تشكل الذات نفسها من خلالها. فالذات هي التي تشخص ما هو الشر، أو ما هو ليس شرا، وليس الفكرة الطبيعية عن الشر هي التي تحدد الذات “الأخلاقية”. ولا توجد كذلك حتمية شكلية قانونية يمكننا أن نحدد الشر من خلالها، حتى لو بشكل سلبي. في الحقيقة فإن كل الحتميات تفترض تشكل الذات في الأساس، وفي ظرف معين. ولذا لا يمكن أن تكون هناك حتمية تتحول لذات باستثناء مقولات تافهة تماما. لهذا ليس هناك شكل معمم للشر لأنه لا يوجد إلا كحكم تكونه الذات في موقف معين وفي تتابع الأحداث في هذا الموقف، ولذا فالفعل نفسه (أن تقتل على سبيل المثال) من الممكن ان يكون شرا في بعض السياقات، وقد يكون ضرورة للخير في سياقات أخرى.

ويجب أن أؤكد أن مقولة “احترم الآخرين” ليس لها أي علاقة بتعريف جدي للخير والشر. فماذا تعني هذه المقولة “احترم الآخرين” عندما يكون أحدهم في الحرب ضد عدو ما، أو عندما تترك امرأة أحدهم بقسوة من أجل رجل آخر، أو عندما يحكم الفرد على عمل فنان محدود الموهبة، أو في وقت يواجه فيه العلم فرقا ظلامية..إلخ؟ كثيرا ما ستكون مقولة “احترم الآخرين” مؤذية، وهذا شر. بالذات عندما تكون هناك مقاومة ضد الآخرين أو حتى كره للآخرين يدفعان إلى أفعال ذاتية عادلة ومبررة. دائما في مثل هذه الظروف (الصدامات العنيفة، التغييرات الجذرية، الحب المتقد، الإبداع الفني) أن يمكن أن يطرح سؤال الشر على الذات. فالشر لا يوجد لا كطبيعة ولا كقانون. هو موجود ويتغير في إطار تحول الفردي إلى الحقيقي.

في خضم الإجابة على سؤال سابق، قلت إنه “من الضروري أن نعيد تشكيل الحقوق في الحقيقة والخير، في حياتنا اليومية وفي السياسة أيضا”، فهل يمكنك أن تحدثنا أكثر كيف يمكن يمكن تعبئة أخلاق الحقائق بشكل عملي، وكيف لهذا أن يشكل بديلا للمفهوم الحالي لحقوق الإنسان؟

يمكن أن تنظر إلى أقرب مثال، هجمات سبتمبر الإجرامية على نيويورك مع خسائرها التي بالآلاف، فلو فكرت في هذا الأمر بمصطلحات قيم حقوق الإنسان فسوف تقول كما يقول جورج بوش “إنهم إرهابيون مجرمون. هذه حرب الخير ضد الشر.” ولكن هل سياسات بوش في العراق وفلسطين مثلا سياسات جيدة؟

وعندما نقول إن هؤلاء الأشخاص سيئون أو أشرار أو أنهم لا يحترمون حقوق الإنسان، هل نعرف أي شيء عن عقلية هؤلاء الذين قتلوا أنفسهم بقنابلهم؟

أليس هناك الكثير من اليأس والعنف في العالم تسببت فيهما حقيقة أن سياسات القوى الغربية والحكومة الأمريكية بالتحديد سياسات خالية تماما من القيم أو الإبداع؟ ففي مواجهة الجرائم، الجرائم الفظيعة، يجب علينا أن نفكر طبقا لحقائق سياسية ملموسة بدلا من الاسترشاد بالأنماط المحددة سلفا من أي نوع حول الأخلاق.

فالعالم كله يفهم أن السؤال الحقيقي هو ما يلي: لماذا تبدو سياسات القوى الغربية، والناتو، وأوروبا، والولايات المتحدة، غير عادلة نهائيا بالنسبة لاثنين من كل ثلاثة من سكان هذا الكوكب؟ لماذا يعد مقتل خمسة آلاف من الأمريكيين سببا للحرب في حين أن مقتل خمسمائة ألف في رواندا وعشر ملايين آخرين من المتوقع موتهم بسبب الايدز في أفريقيا، لا يستحق الغضب في رأينا؟ لماذا تفجير القنابل ضد المدنيين في الولايات المتحدة شر، بينما تفجير القنابل في بغداد أو بلجراد اليوم، أو هانوي أو بنما في الماضي خير؟ إن أخلاق الحقائق التي اقترحها تبدأ من المواقف الملموسة بدلا من الحق المجرد أو الشر الهائل.

العالم كله يفهم هذه المواقف، والعالم كله يستطيع التصرف بشكل غير مبالٍ مدفوعا بعدم عدالة هذه المواقف. من السهل ملاحظة الشر في السياسة، فهو لا مساواة مطلقة فيما يتعلق بالحياة، والثروة، والسلطة. الخير مساواة. إلى متى يمكننا تقبل حقيقة أن ما هو مطلوب من أجل ما يكفي الجميع من المياه الجارية والمدارس والمستشفيات والطعام يساوي المبلغ الذي ينفق من قبل الأغنياء في الدول الغربية على الروائح العطرية في عام واحد؟ هذا ليس سؤالا حول حقوق الإنسان والأخلاق. بل هو تساؤل حول معركة المساواة الأساسية لكل البشر ضد قانون الربح سواء كان على مستوى شخصي أم قومي.

في الوقت نفسه، فالخير كعمل فني إبداعي هو اختراع أشكال جديدة تجسد معنى العالم. والخير في العلوم هو الجرأة على التفكير الحر وفرحة المعرفة الدقيقة، وبالمثل الخير في الحب هو فهم الاختلافات على حقيقتها، وفهم ماذا يعني أن تبني عالما عندما يصبح الفرد اثنان وليس واحدا. والشر إذن هو التدريبات الأكاديمية أو التجارة الثقافية، هو المعرفة في خدمة الربح الرأسمالي، هو الجنس فقط كطريق للمتعة. سأكرر ثانية، كل العالم لديه يشترك في هذه الخبرات. أخلاق الحقيقة دائما ما تعود، في مواقف محددة، للمحاربة من أجل الحق في مواجهة الأشكال الأربعة الأساسية للشر: الظلامية، والأاكاديمية التجارية، سياسات الربح واللا مساواة، والبربرية الجنس

حوارات

05  فبراير  2017