على حاشية الفكر الذي استقرّ في الأذهان، توجد الأحداث الكبيرة، لكنّ الفكر الذي أصبح قارّا بالمعنى المدرسي الجاف، يمنعنا من النظر الفلسفي. غير أنّ ما قدمه الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك يمكن أن نضعه في منزلة هذا النظر الجديد والطارئ على أصحاب الذهنيات المدرسية، التي لم تستوعب بعد ما أضحى عادياً في المنظوريات الثورية، التي تريد أن تتمرّد على النسق، والأيديولوجيا، والسرديات الكبرى، لأنّ البشرية عانت كثيرا منها، جسدا وفكرا وقيمة، وعلى تخومها سقطت أحلامها، وسقوط الحلم هو تهافت للإنسان الصادق، أمّا الإنسان الذي يتحرّك في فضاء الموت، فهو غير معنيّ بحديثنا وبخطابنا.

إنّ ما يقدّمه هذا المفكّر، وفق التوصيف الرائع للفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، هو بحسب رؤيتنا، لا يعدّ فقط ثورة في الفلسفة، لأنّه حكم يتخطى مقدرتنا التحليلية، ولا يمكن أن يتحمّله هذا الحوار، وإنّما هو تمرّد على الطرائق التي يفكّر بها باقي المتفلسفة الآن، فعندما تحدث تغييرا في طريقة التفكير، فإنّك بالضرورة تحدث إرباكا في رؤيتك، هذا ما أنجزه بكلّ اقتدار سلافوي جيجك، مع أنّ الغالب على طرحه، هو الحضور السياسي، وهو مسلك منتظر، نظرا لطبائع الأمور في هذا الأفق الزمني.

كان التمشّي الذي تحرّك فيه سلافوي جيجك تمشيا عكسيا على مستوى التصوّر السائد، فالانتصار الذي حقّقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمكن أنّ يُقرأ بصورة مغايرة، حيث يصبح هذا الانتصار سببا تحفيزيا في صعود اليسار، لأنّ هذا الأخير يجب أن يعيد النظر في ذاته وفي أساليبه الكلاسيكية التي غدت مع مرور الوقت غير مجدية وذات نجاعة هزيلة، أساليب تجازوها الزمن، أصابها الصدأ وتمكّن منها الشحوب، وهي كذلك علامة على قدوم أزمة عميقة ستصيب المجتمع الغربي، مثل أزمة العنف الرمزي الذي جلبه اليمين المتطرّف، وانهيار فكرة الرجل الفاعل في المجتمع، وانتشار فكرة النسوية كتيار قويّ، والتي أدت إلى موت بطيء لحركية المجتمع الغربي، اعتماد على القراءة التي قدمها المفكر الفرنسي اليساري آلان باديو في مؤلفه «الحياة الواقعية»، وكذلك التطرف الذي نشأ بين الشباب الفرنسي الذي تشكّل في ظلّ الثقافة الغربية، ولا علاقة له بثقافة الجيل الأول، ويؤكد أنّ العنف صفة ملازمة لكلّ دين، بما فيه الديانات الوضعية، إذ لا يوجد دين صاف وخال من نزعة التعالي على الآخر، وإكراهه على العيش وفق منظورية خارجية.

إنّ الغرب يملك تاريخا طويلا من فنون الاستعباد، ماديا وثقافيا وزراعيا وتجاريا، ولا يمكن له أن يستمر بهذا النمط المعيشي العالي دون أن يمارس هوايته المفضلة، وهي امتصاص دماء الفقراء، فالفقر الجنوبي هو ثراء للشمال الحداثي والمستنير. إنّ التفكّر في هذه القضايا بصورة كلية ومتداخلة، يؤدّي في بعض الأحيان إلى بلورة رؤية متسرّعة، فالجهاد ليس ثمرة طبيعية، لهيمنة العولمة الرأسمالية فقط، كما تصورها سلافوي جيجك، بل هو ثمرة رؤية كامنة في الثقافة الإسلامية وفي نصوصها، وبالإضافة إلى ذلك، هناك مفاعيل جديدة، تتمثل رأسا في جملة الخطابات التي تمارس عنفا تأويليا على النصوص، وتنشغل حصرا بالجهاد في شكله التاريخي الأولي، وتُهمل النوازل الحداثية، مثل الإعلام والتقنية والمؤسسات الكبرى وحقوق الإنسان، الإنسان في تصورنا الحداثي، الذي نعني به المواطن، إلى جانب العوامل الداخلية التي تتعلق بالصراعات داخل المنظومة الإسلامية، أي بين السنة والشيعة مثلا، وهي كلها مفاعيل لا يمكن لنا أن نبتعد عنها كثيرا أثناء تحليلنا.

ما يوجب في التحليل أن ننصف مفكرنا الذي تدبر في المسائل الكبرى بكلّ جرأة وشجاعة، لأنّ الجرأة تعني -في هذا الزمن الحرج والخطير- عند المفكر الثوري، الاشتباك مع القضايا المصيرية بكلّ حزم سواء على مستوى اللغة أو على مستوى الخطاب وأدواته، دون أن يتورط في ممارسة نوع مخصوص من التزلّف للقارئ، غير أنّ هذه الجرأة لا تعني إعفاء هذا المفكّر من النقد، فسلافوي جيجك ما زال يشتغل معرفيا في الأفق الغربي، ولم يستطع أن يتحرّر منه، لأنّه خمّن على مسطح الفكر الغربي، ولم يجتهد في البحث عن بدائل خارج هذا الأفق، فالشعوب الأخرى تحمل في جوف ثقافتها ممكنات تأويلية قادرة على منح الإنسانية المعنى والحلم.

التفكّر مع هذا الفيلسوف وضدّه يعني الدخول معه في الاعتراف أولاً أنّه يتحرك في فضاء معرفي غربي، وأنّ اطّلاعه على النصوص العربية وتجارب الآخر، هو من باب الفضول التاريخي

ومفكرنا ما زال مسكونا بالإشكالية الكبرى للغرب، بحسبانه سردية خالدة، إنكارا للتاريخ وقوانينه، فهو في تفكيره غربي المنبت والمنشأ والمصير، ويقف فكريا في الوسط بين الشيوعية التي لا يريد أن نتخلى عنها نهائيا، لأنّها تنتمي إلى الإرث الإلحادي لأوروبا، وعن الرأسمالية التي صنعت حلم الغرب في الرفاهية، بالإضافة إلى أنّه لم يفكر في الماضي الإمبريالي للغرب بطريقة راديكالية، وحديثه عن الاستعمار هو تناس غير بريء للمسعى الكولونيالي الذي بقي حصرا في تضاعيف الثقافة الغربية دون أن يزول أو يمّحي، حتى وإن انحسر الاستعمار المادي المباشر، الذي دوما اعتاد الغرب على تسميته بالاستعمار غير المباشر، هو مجرد مراوغة كلامية خطيرة، تريد أن تصنع وعيا زائفا بالظاهرة، من هنا نلحظ الغياب الكبير لمتن إدوارد وديع سعيد في حواره.

يتوجّه مفكّرنا الثائر والمزعج لما هو سائد، والحاضر بقوة في النشاطات الثورية، حتى عُدَّ أحد منظري اليسار الجديد الكبار ونجمهم المفضّل، وهو بذلك يثبت أنّ الفلسفة ليست فكرا مجرّدا، بل هي فكر يلتحم بالممارسة الحياتية والبراكسيس البشري، يستمع إلى صوت المقهورين وخاصة الذين أرهقتهم الحياة، وفق النمط الاستهلاكي الذي يدخلنا في محرك السوق البغيض والقاتل، وهي فضيلة تحسب له، وركوب قطار النقد المتوجّه، ليس فقط جهة الرأسمالية، بل جهة حتّى التجارب التي امتحت رؤيتها من النظرية الشيوعية، خاصة التجربة الكوبية، وقد كان نقدا لاذعاً، نقدا لم يكترث على الإطلاق بخصوصياتها السياسية، والاجتماعية ببعدها الديني، وبتاريخها المتخم بالاستبعاد.

إنّ هذا النقد هو في مرتبة المحاكمة الجافة لهذه التجربة، وعلى أساس ذلك تورّط في نزعة تشاؤمية، ربما هي نزعة على مستوى الفكر وليس على مستوى الممارسة، ولكن يبقى التشاؤم عامل ضعف يرهق الذات الثورية، في زمن نجح فيه التيار الرأسمالي في دسّ هذه الكمية الكبيرة من التشاؤم والاستسلام في أنفسنا.

يبقى هذا المفكر الثوري محافظاً على متابعة دقيقة للأحداث التي تقع في جنوب الحداثة الغربية، وبالتحديد في الوطن العربي، فقد تابع ما يسمى بــ»الربيع العربي»، وهو كذلك مُطّلع بشكل جيد على بعض النصوص الدينية مثل: القرآن الكريم، مؤلفات سيد قطب، وكذلك مؤلفات تنتمي إلى الفضاء العلماني، مثل أعمال المفكر التونسي فتحي بن سلامة، وأدرك أنّ الرؤية الدينية ملهمة للكثير من الثوار من أمثال مالكوم إكس، الذي استهوته فكرة الأمة في التجربة الإسلامية، وقائد ثورة الزنوج عام 1791، في هايتي دوتي بوكمان الذي يقرأ القرآن الكريم يوميا، بحسبانه الكتاب الثوري المفضّل لديه وفيه خطاب قوي للمحرومين، فمن مصلحة البشرية أن تستفيد من التجارب الروحية للشعوب الأخرى، ومن الاختلاف الثري والمتنوع، ومن الأحداث التي تجري خارج أفق الجغرافيا الغربية، واعتبر أنّ العالم مُقبل على تغيّر كبير، بما فيه الوطن العربي، وسوريا بالتحديد هي المسودة، فنحن ما زلنا كائنات تقبل التجريب عليها، تجريب الأفكار والرؤى والخيارات الكبرى، ربّما يطول هذا الزمن، لكن ما علينا فعله هو الانتظار، ولا شيء غير الانتظار، وفي مسافة الانتظار تحدث المآسي.

إنّ التفكّر مع هذا الفيلسوف وضدّه يعني الدخول معه في الاعتراف أولاً أنّه يتحرك في فضاء معرفي غربي، وأنّ اطّلاعه على النصوص العربية وتجارب الآخر، هو من باب الفضول التاريخي الذي يسكن المثقف الغربي، ولا يمكن أن تتحوّل هذه القراءات إلى مرجعيات ينسج منها رؤيته، فالثورة هي ثورة داخل النسق الغربي، ومن أجله، مهما كانت الديباجة مغرقة في الثورية.

 

 

الجديد  [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(116)]


كاتب وأكاديمي من الجزائر