7) الزمن العمومي للمجتمع الحديث زمن علماني

لقد أمكن دوما النظر إلى العلمنة الحديثة على أنّها عمل سلبي، ينفي ويرفض الأزمنة الأخروية، المقدسة، المتعالية،…من أجل إرساء زمن وضعي، أرضي، مادي، دنيوي محض، مدنس، إلخ…لكنّ هذا التوصيف السالب لا يفيد شيئا في فهم معنى ما وقع فعلا في أفق الإنسانية الحديثة منذ خمسة قرون. ولا يساعدها على أن تقصّ علينا قصّتها بشكل مناسب؛ أي بشكل يساعدها على إيجاد حلول مدنية للصراع الدائر بين المؤمنين وغير المؤمنين في المجتمع المدني العالمي الراهن حول مصادر الذات ودورها في بلورة نمط العيش المشترك المأمول. في واقع الأمر لا تعدو العلمانية أن تكون طريقة في العيش، ضمن زمن دنيوي متجانس بشكل كامل، زمن لا آخرة له، ولا يخضع لأيّ سلطة عمودية؛ بل هو زمن أفقي حرّ لا يعدنا بأيّ شيء خارج أفق الإنسان؛ لكنّ ذلك يعني خاصة أنّ الزمن العلماني هو زمن لكل الناس، وبالتالي هو لا يقصي أحدا، في معنى أنّه لا يشترط أبدا نفي الزمان الأخروي أو طرد الزمان المتعالي للإيمان قبل الحديث. إنّه زمن عمومي حيث يمكن لأيّ مشارك في الوطن أن يحتمي به وأن يسكنه وأن يتمثل نفسه من خلاله. إنّ الزمن العمومي الحديث هو زمن علماني (ص196). فما معنى ذلك؟

لقد خيّرت الشعوب الحديثة أن تتدخّل في تاريخها وأن تثور مطالبة بدساتير تعبّر عن إرادة الحرية التي تناسبها. نعني دساتير تحقّق أو تعد بتحقيق الوفاق المناسب بين تصوّرات الخير (حيث تتنزل تجارب الإيمان وتجارب المعنى الخاص بنموذج العيش وشكل الهوية والمعتقد واللون والضمير…) ومعايير العدالة (حيث تُطرح قضايا القانون والحقوق والدستور وطبيعة السلطة وشكل الحكم وشروط المواطنة وكونية القيم…) في المجتمع الحديث.

هنا تغيّر معنى “التأسيس” لوجود شعب من الشعوب، لقد تمّ نقل فكرة التأسيس من الزمن الروحي قبل الحديث (فكرة القضاء والقدر والأمانة والاستخلاف وحكمة الخلق ومنزلة العبد،…) إلى زمن علماني (حيث يمكن للشعب أن يقرر مصيره بنفسه) (ص 197). وذلك يعني غياب أي تأسيس قائم على معنى “التعالي” أو الزمن العمودي أو الرسم الأخروي أو الفعل المقدّس أو الوصايا المعصومة. إنّ الذي يحكم الشعوب الحديثة هو “مخيال اجتماعي” يعمل داخل زمن علماني صرف (ص 207). ولأوّل مرة صار الشعب يوجد بشكل مستقل عن “قدره” السياسي، بحيث إنّه صار قادرا على أن يمنح نفسه دستوره الخاص بفضل فعل حر خاص في زمن علماني لا أقدار فيه ولا رسالات مسبقة، فإنّ ظهور فكرة الشعب الحديثة قد ارتبطت بفهم جديد تماما للزمان (ص 208). وذاك هو الزمن العلماني؛ إذ وحده الزمن العلماني بإمكانه أن يسمح لنا بتخيل مجتمع يوجد بشكل “أفقي”(ص 209)، في معنى أنّه يشرّع لنفسه شكل الخلاص الذي يناسبه في زمن لا يرزح تحت أيّ أزمنة أصلية أو أخروية.

بهذا المعنى يمكن أن يُقال عن “الحداثة: إنّها عصر لا سابق له”(ص218). لكنّ جدّة الحداثة ليس في إلحادها بآلهة العصور السابقة؛ بل في كونها قد اخترعت شروطا جديدة لتجارب الإيمان؛ إنّها شروط “ثقافة الأصالة”.

8) الدين و”ثقافة الأصالة”: نمط جديد من الإيمان

ما فتئ تايلور يؤكّد طيلة الكتاب على أنّ العلمنة لا تتعلق بأيّ انهيار تاريخي للدين؛ بل فقط بظهور “شروط جديدة ضمنها يمكن للإيمان وعدم الإيمان أن يتعايشا”(ص 295) على حدّ كلمة سواء. فعلى مدى القرن العشرين تمّ انتشار نوع مخصوص من “ثقافة الأصالة” أو “الفردانية التعبيرية”، ضمنها تمّ تشجيع الناس على اكتشاف “طريقتهم الخاصة في تحقيق أنفسهم”(ص 299). وحسب تايلور نحن نعيش اليوم في “سوبرنوفا(28) روحية نمطا من التعددية المتزايدة على الصعيد الروحي”(ص300).

وإنّ أخصّ ما يميّز الأساليب الجديدة لاكتشاف المعاصرين لطرقهم نحو خلاصهم الشخصي هو أنّ الدين الحديث لا يحتاج إلى وحي هذه المرة (ص292)، فهو وضعية إنسانية جذرية، وليس موقفا لاهوتيا تقليديا؛ وذلك أنّه نتاج مباشر لنوع من “المنعرج الأنثروبومركزي”(ص301): منعرج نحو ثقافة أصبح فيها الإنسان- وليس فكرة الله- هو المركز الروحي، وهذا هو معنى الزمن العلماني (ص302). إنّ نمطا جديدا من الإنسانوية هو الذي خلق شروطا جديدة للإيمان. إنّه الإيمان الذي صار يحمل نحوا من “قلق المحايثة” داخله؛ إنّها “القدرة الإنسانية على التعالي الذاتي”(ص311).

في الظاهر، ظنّ المحدثون أنّهم خلقوا بديلا إنسانويّا عن الإيمان المسيحي (معنى العلمانية 1)، وفي الباطن، لم تكن هذه النزعة الإنسانوية غير وضعية جديدة لتطوير شروط ذلك الإيمان (معنى العلمانية 2). لذلك فإنّ علينا أن ننظر نظرة أخرى إلى المنعرج نحو الإلحاد الذي وقع في القرن التاسع عشر؛ لقد كان فقط تحويرا للموقف الروحي للإيمان المسيحي: تحوّله إلى إيمان وفقا لشروط جديدة، هي شروط الزمن العلماني. إنّه تدرّج الشعور الديني من التعالي “العمودي” إلى التعالي “الأفقي”(ص392)، من إيمان الوحي إلى إيمان الأصالة.

لكنّ أفضل ما في هذا التحوّل ليس ظاهرة خوصصة الإيمان أو فردنته؛ بل تحديدا أنّ الإنسانية قد صارت مجالا لتعايش أنماط متعددة من الإيمان؛ بل مجالا يمكن فيه لعدم الإيمان أن يكون جارا روحيّا للإيمان، من دون أيّ ادّعاء لدينٍ حصري. لقد تعدّدت “البدائل” الروحية للإنسانية (ص423). وما كان أمرا حكرا على النخبة العالمة، صار اليوم هو الوضعية الروحية للجماهير (ص 424). لم يعد أيّ إيمان سوى إمكانية روحية من بين إمكانيات أخرى. ثمّة حقّ إنساني جذري في خوض أيّ تجربة إيمانية، بما في ذلك عدم الإيمان بالدين التقليدي.

لذلك ينبغي الاحتراس من الخلط بين العلمانية والإلحاد، كما بين العلمنة ونزع السحر عن العالم. فإنّ الأديان التقليدية نفسها لم تخل من عمليات نزع السحر عن العالم (ص 426). ولذلك فنزع السحر عن العالم ليس فقط غير موجّه ضد الدين؛ بل له جذور دينية صامتة يتمّ التغاضي عنها غالبا. وبالتالي ليس هناك “تهميش” للدين في العالم المعاصر؛ بل ما نشهده هو سعي إلى “نزع للطابع الخصوصي للدين”، فالتقاليد الدينية ترفض خوصصة الدين، نعني ترفض ثقافة الأصالة التي تجعل الفرد يستغني عن المؤسسة الدينية.

9) “عودة الدين” موقف إنسانوي!

ما يميّز الثقافة الغربية (اليهودية/المسيحية) (29)- حسب تايلور – هو تعريف معنى الدين في ضوء التمييز بين العالم الطبيعي و”العالم الآخر”؛ أي التمييز بين المحايث (الطبيعة) والمفارق أو المتعالي (العالم الآخر). هذا التمييز هو “اختراع”(ص15) ثقافي وليس معطى في الطبيعة البشرية. وبالتالي هو من جهد البشر وكسبهم المنحوت. ولذلك فإنّ السؤال لا يتعلق بطبيعة الله أو بماهية الإيمان بحدّ ذاته؛ بل بحاجة البشر إلى تطوير أسئلة تخصهم حول معنى وجودهم في العالم والإجابة عليها على نحو يرضي غرورهم الوجودي؛ أي على نحو يساعدهم على بلورة هوية خاصة وبناء فهم خاص لأنفسهم.ومن ثمّ فكل شخص وكل مجتمع سوف يكون- حسب تايلور- قد طوّر لنفسه وعن نفسه بالضرورة هذا النوع من الأسئلة: “بأيّ شيء تتحقّق الحياة؟”، “فيم تتمثّل الحياة التي حقّقت أهدافها؟”، ” ما الذي يجعل الحياة تستحق الحياة فعلاً؟”، ” هل الحياة العليا- الحياة الفضلى- تتضمّن بحثنا، أو اعترافنا، أو خدمتنا لخير يقع ما وراءنا، في معنى أنّه مستقل عن الازدهار الإنساني؟”، “أين تقع الأهداف العليا لأنفسنا؟”، الخ… (ص16). وبكلمة واحدة: هل يحتاج الدين إلى أشخاصنا البشرية أم أنّه يتعلق بشيء يقع خارج أفق حياتنا؟

إنّ رأي تايلور هو أنّ الدين لم يعد ممكنا من دون موافقتنا؛ أي من دون تربية معيّنة لبشريتنا حتى تدخل في الأفق الروحي الذي يجعل الإيمان ممكنا، وهذا يعني أنّ “الأهداف العليا” أو “الغايات الأخيرة” التي يصبو إليها البشر ويعدونها عنوانا على تجربة الامتلاء الخاصة بهم هي شيء لا يمكن أن يدخل في أفق البشر إلاّ إذا غيّر هؤلاء البشر من موقفهم داخل العالم، وهو ما حدث مع العصر العلماني: إنّه عصر يبيّن للإنسان أنّ إيمانه هو ملكٌ له، وليس منحة من أحد. وبقدر ما يتمسك الإنسان بإنسانيته يتمسك بتجربة ما عن الامتلاء الذي يجعل الأديان ممكنة في قلبه.

كان الدين التقليدي (المسيحي خاصة) يدعو الشخص إلى “التخلي عن حياته الإنسانية”، و”اقتلاع نفسه”، كشرط للدخول في ملكوت الله (ص17). ولذلك يفترض تايلور أنّ مجيء العصر العلماني قد غيّر من شروط الإيمان. بل أكثر من ذلك: “إنّ مجيء العلمانية الحديثة قد تزامن مع انبثاق مجتمع ظهرت فيه لأول مرة في التاريخ نزعةٌ إنسانوية مكتفية بذاتها اكتفاء بحتاً، وصارت خيارًا متاحاً على نطاق واسع”(ص18).

أن تتديّن في عصر علماني يعني أنّك تؤمن إيمانا لم يعد يملك أيّ تبرير آخر غير نفسه، وهذا يعني أنّه موقف بشري محض؛ لكنّ ذلك لا يقلّل في شيء من أصالته. وبالرغم من أنّ النزعة الإنسانوية هي نفسها قد انبثقت عن تجارب روحية دينية؛ فإنّ الحداثة قد حوّلت الإنسانوية إلى سياق فهم لأنفسنا يسمح لكل تجارب الإيمان بأن تصبح ممكنة ومتاحة على نطاق واسع.

كان الفهم قبل الحديث لأنفسنا يضع نفوسنا داخل نظام لا نشكّل فيه أعلى الهرم؛ بل منزلة تظل مطالبة بالاعتراف بوجود أبدية عليا فوق رؤوسنا وما وراء عالمنا الدنيوي. كان ثمة اهتمام كبير بالإنسان، ولكن لم تكن ثمة إنسانوية مكتفية بذاتها.

أمّا مع العصر العلماني فإنّ موقفا جديدا في هوية الإنسان قد صار يشكّل السياق الأعلى لفهمنا لأنفسنا. وأطروحة تايلور هنا هي التالية: “إنّ العلمانية هي وضع(30)، في إطاره تتمّ تجربتنا عن الامتلاء وبحثنا عن الامتلاء؛ وإنّ هذا هو شيء نتقاسمه، نحن المؤمنين وغير المؤمنين على حدّ سواء”(ص19).

هذا يعني أنّ الإنسانوية الحديثة- الإنسانوية المكتفية بذاتها، التي صارت لا تعترف بما هو روحي إلاّ بقدر ما ينبع من هويتها الخاصة، ومن شخصها الإنساني؛ أي من تجربة ما “محايثة” لعالمنا- ليست موقفا ضدّ الدين، وليست بديلا عن الدين. وما وقع منذ نيتشه إلى دريدا، من نزعة مضادة للإنسانوية على أساس لا-ديني، ليس حجة ضدّ الأصل الروحي للإنسانوية الحديثة. فلو قرأنا الحداثة في المعنى الثالث للعلمانية لتبيّن لنا يسيراً أنّ ما وقع هو انبثاق نزعة إنسانوية حصرية بفضلها تمّ للمرة الأولى تحقّق أمرين: توسيع الخيارات الممكنة أمام الضمير الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى رسم نهاية عهد الإيمان الديني “الساذج”؛ أي القائم على إيمان التعالي أو الآخرة المغلقة التي لا يكون فيه الإنسان هو السقف الرمزي لما يؤمن به.

خاتمة:

على الرغم من تأكيد تايلور الصريح على الطابع المسيحي لمشكل العلمانية فهو ما فتئ يؤكّد بنفس القدر على أنّ العلمنة هي وجه من وجوه الحداثة إلى جانب الدولة القانونية والديمقراطية والإعلام الجماهيري،..الخ. لكنّ طرحه للحداثة هو الأكثر طرافة هنا. إذ يقول: “نحن نعيش أكثر فأكثر في عالم من ‘الحداثات المتعددة'(31)”(ص21). وهذا القبول بالطابع المتعدد للحداثة هو الذي قاده إلى نقد كلّ الصيغ السالبة لمنتجات الحداثة: كونها قائمة على سلسلة من السوالب أو النهايات وهو ما يطلق عليه اسم “قصص الحذف”(32) أو الطرح، في معنى أنّ الحداثة أو العلمانية قد قامت على أنّ الإنسان الحديث قد فقد أو تنصّل من أوهام العصر قبل الحديث أو تحرر منها. وعلى العكس من ذلك يدعونا تايلور إلى النظر إلى الحداثة أو العلمانية بنظرة موجبة وإيجابية، باعتبارها “ثمرة اختراعات جديدة وأشكال جديدة من الفهم لأنفسنا وما يرتبط بها من ممارسات”(ص22). ليست الحداثة مجرد مجموعة من السوالب أو عمليات الطرح لأشياء سابقة؛ أي “قصة ضياع، أو حذف”، ويبدو أنّ كلّ من يواصل فهم الحداثة على أساس فرضية فيبر على “نزع الطابع السحري” عن العالم يفهم الحداثة فهماً سالبا (ص26).

فما تحتاجه الإنسانية هو سياسات اعتراف راسخة وصحّية من شأنها أن توفّر سياقا ملائما لفهم أنفسنا على قاعدة تعدّد إمكانيات الإيمان،وليس على طابعها الحصري. إنّ آدابا جديدة من الحرية يمكنها أن تساعدنا على تحقيق تعايش واسع النطاق بين أنماط الإيمان، وليس فقط داخل الدين الواحد أو التقليد الروحي الواحد؛ بل أيضا تحت لواء الإنسانية جمعاء، حيث يمكن لأيّ جوار روحي مع أديان الشرق الأقصى- مثل البوذية- أن يكون مفيدا لنا في تعميق علاقتنا بمصادر أنفسنا، فما بالك بالحوار الداخلي مع “الذين يقومون منّا مقام أنفسنا”، كما قال ابن سينا ذات مرة، في “منطق المشرقيين”.

 

 

 


الهوامش:

*أستاذ التعليم العالي في الفلسفة المعاصرة، جامعة تونس.

1) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, Massachusetts, and London, England: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007).

2) “emptied of God”.

3) “a community of prayer”.

4) “the public secularity”.

5) “the conditions of belief”.

6) حسب تايلور هذا المعنى الثالث للعلمنة لم يحدث بعد في المجتمعات المسلمة، والحال أنّه وقع في المجتمعات “المسيحية (أو ‘ما بعد المسيحية’)” (ص 3).

7) “option”.

8) “context of understanding”.

9) “rival theories”.

10) ” the coming of a secular age”.

11) unbelief.

12) “beyond”.

13) “within”.

14) “immanent”.

15) “secular time “.

16) “enchanted”.

17) “disenchantment “.

18) “porous self “.

19) “buffered self “.

20) “kairotic “.

21) “century or age”.

22) رسالة يوحنا الأولى، (2: 16-17).

23) القرآن، الأنعام، 6؛ المؤمنون، 31؛ يونس، 13.

24) “embedded “.

25) “disenchantment “.

26) “enchanted”.

27) “an exclusive humanism”.

28) super-nova.

29) من الإجحاف استبعاد الإسلام من هذا المشهد.

30) “condition”.

31) “multiple modernities”.

32) “subtraction stories”.

المصدر: مجلة التسامح