4) ما معنى “علماني”؟

تقابل كلمة “علماني” هنا لفظة من أصل لاتيني هي ” seaculum “، وهي لا تعني شيئا خطيرا؛ بل فقط “القرن” أو “العصر”(21). والطريف هو أنّ هذا المعنى هو أبعد ما يكون عن الدلالة الرائجة عن لفظتنا العربية اليوم، حيث يتمّ إلصاق كل معاني الهرطقة والإلحاد بمصطلح “العلمانية” وهو منها براء. والأغلب أنّ العلمانين هم الذين “يحبّون العالم”، على ما جاء في رسالة يوحنا الأولى: “لا تحبّوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم. فالذي يحب العالم لا تكون محبة الأب في قلبه….اعلموا أنّنا نعيش في الزمن الأخير”(22).

ومع أنّ القرآن لا يخلو من استعمال للفظة “القرن”(23)، حيث تعني مثلا “الجيل” من الناس، فهو لا يستعمل عبارة “العالم” ومن ثمّ لا إمكانية للحديث عن “العلمانيين”. أمّا الألفاظ التي يمكن أن تؤدي هذا المصطلح فهي كثيرة، من قبيل “الدنيا” و”الدهر” و”القرن” و”المدة” و”الزمن”…الخ. فإن التقابل الذي ضبطه تايلور بين “أزمنة عليا”(ما يقابل “أزمنة الأصول” عند ميد) وبين “زمن علماني” هو نفسه التقابل القرآني بين “الحياة الدنيا”(الزمن العلماني) و”الحياة الآخرة”(الزمن الأعلى أو المقدس).

وكل المعاني الأخرى تدور في مواضع هذا التقابل الذي اخترعه الإبراهيميون بين “الدنيا” و”الآخرة”، وليس التقابل المسيحي بين “الزمني” و”الروحي” غير تنويع من التنويعات الكثيرة حوله.

ولذلك فإنّه من الممكن جدّا أن نضع لفظ “علماني” في معنى “دهري”، ولكن مع حذر شديد في دلالة “الدهري”؛ إنّ القصد هو المعنى القرآني وليس فرقة “الدهريين”، المأخوذة في معنى “الهراطقة” أو “الملاحدة”؛ فذلك يسيء إلى المصطلح ولا يفيد في ترجمته بشكل يليق بأهل العربية ولا بمصائرهم الراهنة. إنّ القرآن (الجاثية، 24؛ الإنسان، 1) يستعمل لفظة الدهر في معنى يقارب “الزمن الدنيوي”، وإن كان معنى الدهر لا يمكن أن ينافس معنى “الدنيا” في رسم طريقة السكن في “العالم”؛ ذلك أنّ “الحياة الدنيا” هي مجال الإنسان الموجب نحو نفسه وأعماله ووجوده قبل الموت. وبالتالي فالمرادف الإسلامي المناسب لمصطلح “العلمنة” المسيحي هو “الدنيوة”؛ أي الانخراط في زمن دنيوي؛ أي متعلق بحياتنا الأرضية كما هي، دون أيّ حكم مسبق عليها، ومن ثمّ فإنّ المرادفة أيضا بين “دنيوي” و”مدنّس” غير صائبة إطلاقا؛ بل هي مجرد نقل سيّئ لأحد معاني المصطلح المسيحي “profanus”.

وربما كان أحد رهانات تحليلات تايلور عن المعنى الثالث للعلمانية هو توفير سياق جديد وموجب لفهم profanus اللاتيني في معناه الأصلي: أي ما يوجد أمام أو خارج المعبد، وبالتالي هو غير مقدّس أو عاديّ أو تطؤه العامة؛ أي متاح لأيّ كان؛ ليست الحداثة غير نمط من الوقوف “البريء” خارج المعبد، وليس هدما أو تدنيسا له.

5) ما هو “الزمن العلماني”؟

لا يعني تايلور بالزمن العلماني زمن الإلحاد الذي ظهر في القرن التاسع عشر، ولا زمن الفصل بين الدين والدولة الذي صار جزءا من العقلية القانونية للغرب في القرن العشرين. إنّه يعني فقط الزمن العادي، كما يحدث لنا، وكما نعيشه دون أحكام لاهوتية أو ميتافيزيقية مسبقة حول دلالته. الزمن العلماني هو إذن الزمن الدنيوي (ص 54). وكلّ من يوجد في “الدنيا”- أي في الزمن العادي للقرن الذي هو قرننا، أو للزمان الذي هو زماننا- هو “علماني”؛ أي من هذا “العالم” وهو “منصهر” أو “جزء لا يتجزأ”(24) من الزمن العادي الذي يعيش فيه. فالزمن العلماني هو زمن معيش، وليس موقفا عقدّيا أو نظريا من أيّ شيء. الزمن العلماني هو ما نعده زمنا عاديا، وهو بالنسبة إلينا نحن مجرد زمن، مجرد فترة نعيشها وتمرّ. “وحين يمضي شيء ما فهو يمضي ليس أكثر”(ص55). وهو يشبه في شطر منه معنى “الدهر” القرآني. ومع ذلك ثمة شيء جديد في المصطلح الحديث للعلمنة؛ نحن ننتقل من “مكان” القرون الوسطي إلى “الفضاء” الحديث (ص58). إنّ الدهر القرآني هو زمن العالم؛ أي زمن المكان الذي لا يمكننا أن نخرج منه إلاّ موتا نحو آخرة معيّنة. أمّا الزمن العلماني فهو زمن الكون الذي يترامى نحو اللانهاية المظلمة، دون أن نتمكّن من ضبط نظام أخلاقي للإقامة فيه إلاّ باختراع أنا عازلة عنه. ليس الدهر غير إمكانية الزمن التي تتركها الأبدية لنا.

هو ما يتبقى من الآخرة في كل مرة، ولذلك فإنّ وعي المؤمن قبل الحديث بالزمان هو وعي بثقل زمن “آخر”، “متعال”، “عمودي”، على زمنيته الدنيوية. إنّه يعيش زمنا ثانويا، مخترقا من طرف زمن آخر، أعلى منه سابقا ولاحقا. أمّا الإنسان الحديث فهو يعيش في زمن دنيوي بلا آخرة، متجانس ولامتناه، ولا يحتوي على أيّ مكان متميّز أو استثنائي. هو نقاط متكاثفة بلا نهاية، ولا ترسل إلينا بأيّ رسالة أو علامة أو آية خاصة. مع الحداثة مرّت الإنسانية من موقع العالم/العلامة أو العالم/الآية إلى مجال الكون الخالي من المعنى (ص59)؛ وبالتالي الانتقال من الزمن الدنيوي الذي لا يزال يرزح تحت زمن أخروي أعلى منه ومتعال عليه، إلى زمن دنيوي من نوع جديد، هو زمن الحياة العادية الحديثة؛ لأنّه دهريّ؛ أي زمني صرف، ومفتوح على حدثيّته دون أيّة ضمانات لاهوتية أو ميتافيزيقية. كان العالم يحتاج إلى أبدية حتى يكون له زمن دنيوي، أمّا الكون فينبسط في زمن علماني بلا هوية مسبقة (ص 60).

6) دور الإصلاح الديني في العلمنة: طريق آخر لفهم الحداثة

يقبل تايلور قبولا حذرا بالتوصيف الذي عيّنه فيبر عن معنى الأزمنة الحديثة بكونها قامت على خطة “نزع الطابع السحري”(25) عن العالم (ص 61). والقصد هو أنّ الطبيعة الحديثة هي محض امتداد تمّ تفريغه من أيّ حضور لأرواح أو آلهة أو أيّة قوى غائية أخرى. هي آلة تعمل وفقا لقوانينها الخاصة، ولا تعبأ بنا؛ لكنّ تايلور لا يستعمل مصطلح فيبر هذا إلاّ للاستفادة منه في استكشاف دلالة العالم قبل الحديث باعتباره كان عالما “مسحورا”(26)؛ أي آهلا بالأرواح والقوى الخفية، مسكونا بعمل المقدس. والسؤال الذي يهمّه عندئذ هو: كيف تمّ الانتقال من العالم المسحور إلى العالم الذي نُزع عنه سحره وتحوّل إلى كون بلا ملامح روحية ثابتة؟

يفترض تايلور- وهذا افتراضه الطريف- أنّ نزع الطابع السحري عن العالم ليس سوى توصيف سالب أو سلبي لدلالة الحداثة. وإنّه يجدر بنا أن نبحث عن توصيف موجب وإيجابي لتلك الدلالة، وهذا هو معنى الحديث عن “عصر علماني”.

هنا يأتي تقديره الخطير لدور ” الإصلاح” في ضمير أوروبا الحديثة، فما وقع من تحوّل نحو الزمن العلماني لا ندين به- حسب تايلور- إلى “الثورات” السياسية ولا العلمية؛ بل إلى نمط مخصوص من الإصلاح الكبير أو العميق، لم تكن حركات الإصلاح التاريخية إلاّ سطحه فقط. وفي عبارة يستلفها من صدّام حسين ويحوّرها يقول تايلور: الإصلاح هو “أمّ الثورات”(ص61).

وللإصلاح عنده معان ثلاثة:

أ-الانعطاف نحو تقوى باطنية أكثر وشخصية بشكل حاد (ص 75).

ب-الانزعاج من الطقوس والأعمال الكنسية القريبة من السحر.

ج- الفكرة الجديدة عن الخلاص بواسطة الإيمان (ص 76).

إلاّ أنّ وجه الطرافة في هذه المعاني الحديثة للإصلاح هو كونها تؤدي إلى تدمير “العالم المسحور”؛ أي العالم الديني قبل الحديث، العالم / الآية، وتسهم بشكل فعال في خلق سبيل إنسانوية بديلة نحو الإيمان (ص77). لقد أسهم الإصلاح إذن على طريقته في نزع الطابع السحري عن العالم قبل الحديث، وأسهم في خلق “نزعة إنسانية حصرية”(27) هي الإطار الجديد لأيّ إيمان (ص 85).

يظن المحدثون أنّهم باهتمامهم الحاد بالطبيعة كمجرد آلة مادية يلتفتون عن الله؛ والحال أنّ الأمرين يسيران معاً: الطبيعة تعيدنا إلى الله بطريقة أخرى (ص 91). وما يسمّى استقلالية الطبيعة هو في الحقيقة مستقى من مصادر روحية (ص93). ولم يكن الهوس بمعرفة الطبيعة خطوة خارج الرؤية الدينية للعالم؛ بل كان فقط تحوّلا داخل هذه الرؤية (ص 95). ويتجرّأ تايلور على القول بأنّ الأساس في التغيّر الحديث كان لاهوتيا (ص 97).

“إنّ نزع السحر والإصلاح والدين الشخصي هي أشياء تسير معاً”(ص 146). لقد كان الإصلاح سياسة جديدة للضمير، وليس ارتدادا إلى دين محاكم التفتيش. (يتبع)

 

الهوامش:

*أستاذ التعليم العالي في الفلسفة المعاصرة، جامعة تونس.

1) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, Massachusetts, and London, England: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007).

2) “emptied of God”.

3) “a community of prayer”.

4) “the public secularity”.

5) “the conditions of belief”.

6) حسب تايلور هذا المعنى الثالث للعلمنة لم يحدث بعد في المجتمعات المسلمة، والحال أنّه وقع في المجتمعات “المسيحية (أو ‘ما بعد المسيحية’)” (ص 3).

7) “option”.

8) “context of understanding”.

9) “rival theories”.

10) ” the coming of a secular age”.

11) unbelief.

12) “beyond”.

13) “within”.

14) “immanent”.

15) “secular time “.

16) “enchanted”.

17) “disenchantment “.

18) “porous self “.

19) “buffered self “.

20) “kairotic “.

21) “century or age”.

22) رسالة يوحنا الأولى، (2: 16-17).

23) القرآن، الأنعام، 6؛ المؤمنون، 31؛ يونس، 13.

24) “embedded “.

25) “disenchantment “.

26) “enchanted”.

 

المصدر: مجلة التسامح