تقديم:

هل الإنسانية تغيّر قِبلتها من جديد؟ أو “ماذا يعني أن نقول: إنّنا نعيش في عصر علماني؟”

تكمن طرافة نقاشات الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في أنّه يخيّر عمدا أن يجدّف ضدّ التيّار السائد حول قضية ما، حتى يجعلنا نكتشف أنّ هذا التيّار في واقع الأمر لا وجود له إلاّ في مخيلة طبقة معيّنة من تاريخ أنفسنا، وخاصة في طريقة معيّنة من فهم أنفسنا الحديثة. وهو ما فتئ يأخذ بأيدينا إلى جهة سردية، خاملة الذكر، مهجورة، لم نكن لنسير فيها من فرط الاحتكام إلى الصيغة الرسمية من أنفسنا الحديثة، تلك التي تقدّمنا بوصفنا نتاجا لصناعة الهوية الحديثة: الهوية الأنوية، الفردانية، الكونية، الصورية، ذات النزعة العلمية، الوضعية، المستنيرة، “الملحدة”، أو على الأقلّ “المحايدة” دينيًّا. لكنّ ما نكتشفه مع تايلور ليس كذب الحداثة أو زيفها أو بطلانها أو عدميّتها؛ بل فقط أنّها منحازة بشطط ما إلى صيغة ما من تاريخ هويتها، وأنّها لا تؤرّخ لكلّ “نفوسها” الحديثة على قدم المساواة، وخاصة أنّها تسيء فهم جانب خطير جدّا ممّا حدث باسم الروح الحديثة، ونعني بالتحديد مصير الدين الذي كان يمثّل العنوان الأخلاقي الأكبر للإنسانية “قبل الحديثة” إلى حدود القرن الرابع عشر. وبالتالي فهي لا تحتاج إلاّ إلى استرجاع سردي لكل تلك الأجزاء من الفهم الحديث لأنفسنا، والتي طمسها نوع معيّن من العنف التأويلي آن الأوان للتحرر منه. وأبرز هذه الأجزاء المطموسة من الهوية الحديثة هو دور الإصلاح الروحي فيها، وبخاصة جسامة هذا الدور وتجذّره في عمق الهوية الحديثة، وفي صلب النظام الأخلاقي الذي بنته لنفسها الجديدة.

ومن ثمّ فإنّ تايلور ليس ممّن يعجبه نقد الحداثة؛ بل فقط يميل ميلا لطيفا إلى استدراجها إلى مواقع ولادتها، دافعا بها إلى إعادة اكتشاف نفسها، وذلك بتحريرها قدر الإمكان من وطأة الصيغة الواحدية أو الهووية التي فرضها “عصر التنوير” وحوّلها إلى الصيغة الوحيدة من تاريخ أنفسنا الحديثة. نعني صيغة الإنسانية التي نجحت لأوّل مرة في تاريخ النوع في الخروج “الملحد” من عصر الأديان والدخول بلا رجعة في “عصر دنيوي” جذري وغير مسبوق. هذه الصيغة السردية لتاريخ العلمنة الحديثة هو الأمر الذي يضعه تشارلز تايلور موضع سؤال، بكل حنكة فلسفية، وبكل جرأة على التفكير المضياف الذي يقبل ليس فقط العيش المشترك بل أيضا “التفكير المشترك”، وبالتالي بكل استعداد لقبول كلّ مناحي التعدّد والآخرية والتعقّد، التي صاحبت فكرة الحداثة نشأة ومسارات ونتائج.

أمّا الكتاب العمدة الذي وضعه تايلور لهذا الغرض فهو بعنوان “عصرٌ علماني” (1)، هكذا من دون أيّ تعريف آخر. وهو يضمّ تصديرا قصيرا ومقدّمة (ص 1-22) وخمسة أقسام، تحت العناوين التالية “عمل الإصلاح”(ص23-218) و” نقطة المنعطف”(ص 219-295) و” أثر النوفا”(ص 297-419) و”سرديات العلمنة”(ص421-535) و”شروط الإيمان”(ص 537-772) ويشفع كل ذلك بشبه “خاتمة: الكثير من القصص”(ص 773-776)، وأخيرا “هوامش” جميع الفصول (ص 779-851) و”فهرس” المواد والأعلام والأماكن (ص 853-874).

– “ماذا يعني أن نقول: إننّا نعيش في عصر علماني؟”(ص1) تلك هي الجملة الأولى من تصدير الكتاب. ومن الواضح أنّ تايلور يتحدث هنا باسم “نحن” معيّنة جدّا، هي نحن الغرب. قال: “أنا أعني ‘نحن’ التي تعيش في الغرب”. وفجأة أصبح كلّ الكتاب يدور حول قصّة العلمانية في الغرب الحديث. لكنّ قراءة هذا الكتاب الخطير تحت هذا الأفق الهووي سوف تسيء فهمه بشكل مريع؛ فقد تبدو “النحن” غربية من الناحية السردية؛ إلاّ أنّها من الناحية الإشكالية لا تلبث أن تقنعك بأنّها لا تعدو أن تكون “نحن” الإنسانية الحالية بكل أعضائها. صحيح أنّ تايلور يضعنا- “نحن”- تحت اسم “البلدان الإسلامية” في موضع “الآخر” الذي لم يشارك مباشرة في مغامرة العلمنة الحديثة، إلاّ أنّ هذا لا يمنع أبدا ولم يمنع من وقوع “الأزمنة الحديثة” علينا، علاوة على أصلنا الإبراهيمي المشترك والذي لا يؤخذ في الاعتبار حقّ قدره إلاّ عرضاً.

ونحن سوف نجتهد فيما يلي في استكشاف المناحي الأساسية من سردية تايلور عن الزمن العلماني، يقودنا في ذلك التساؤل التالي: بأيّ معنى توفّر فكرة “الزمن العلماني”(في المعاني الثلاثة للعلمانية التي حدّدها تايلور في هذا الكتاب) سياقا جديدا لفهم العبارة المعاصرة عن “عودة الدين” في أفق الإنسانية الراهنة؟

1) العلمانية تُقال على معان ثلاثة:

ينطلق تايلور من الفكرة السائدة عن ارتباط الدولة بالدين، على أساس أنّ الغرب يتميّز بأنّه مكوّن من “مجتمعات علمانية”؛ لأنّه يمتلك دولة لم تعد في رابطة رسمية بالكنيسة أو بالله، وصار الدين، غائبا أو حاضرا، مسألة “خاصة” أو شخصية. لكنّ قصد تايلور هو محاولة امتحان هذا الفهم السائد للعلمنة في الغرب، وهو أمر انتهى به إلى التمييز بين ثلاثة أنحاء من الفهم لهذه المسألة: في المعنى الأوّل، تبدو العلمنة بمثابة وضع حيث تكون الفضاءات العمومية “مفرغة من الله”(2) وعملية “إفراغ الدين من الدوائر الاجتماعية المستقلة”(ص2)؛ ويصحب هذا النوع من الموقف حُكم ما على عدم صلاحية الإيمان باعتباره ينتمي إلى العصور قبل الحديثة، حيث كانت المجتمعات عبارة عن “جماعة من المصلين”(3) وليس من المواطنين.

وفي المعنى الثاني تشير العلمنة حصرا إلى عملية “فصل الكنيسة والدولة”، وذلك يعني أنّ “العلمانية العمومية”(4) لا تمنع استمرار الحياة الدينية، بحيث يمكننا “أن نتحدث عن أزمنتنا باعتبارها علمانية” في مقابل عصور “دينية” سابقة؛ ولكن من دون منع المؤمن من الذهاب إلى كنيسته. أمّا المعنى الثالث، وهو رأس الأمر في خطّة تايلور، فهو يبدو في التبلور ما إن نبدأ في إعادة الفحص عن “العصر بوصفه علمانيا”، لافتين النظر- هذه المرة- ليس إلى المعنى الأوّل (فراغ الساحة العمومية من الدين)، وليس إلى المعنى الثاني (الفصل بين الدين والدولة)؛ بل إلى معنى مستحدث، ألا وهو معنى أن نقول: إنّنا نعيش في عصر علماني، وبالتخصيص من حيث “شروط الإيمان”(5)(ص 3) الجديدة التي فرضتها نماذج العيش الحديثة. “ويتكوّن التحوّل إلى العلمانية بهذا المعنى- من بين أشياء أخرى- من حركة تقودنا من مجتمع يكون فيه الإيمان بالله أمرا من دون منازع وفي الواقع غير مشكل في شيء إلى مجتمع يتمّ فهمه فيه على نحو بحيث يكون اختيارا من بين اختيارات أخرى”(نفسه) (6).

كل هذه المعاني الثلاثة للعلمانية تبني علاقة ما مع مسألة “الدين”؛ فتارة هو ذاك الشيء الذي “انسحب من الفضاء العمومي”، وطورا هو يشار إليه باعتباره “نمطا من الإيمان والممارسة هو في تراجع أو في عدم تراجع”، وتارة أخرى يؤخذ بوصفه “نوعا معيّنا من الإيمان أو الالتزام يتمّ الفحص عن شروطه في هذا العصر”(ص15).

لكنّ كلّ غرض الكتاب يعود إلى الفحص عن المجتمعات الغربية باعتبارها علمانية في هذا المعنى الثالث؛ هي الوحيدة (حسب رأي تايلور) التي صار فيها الإيمان “اختيارا”(7) خاصا، وبالتالي فإنّ من حق أيّ مؤمن “آخر” أو من حق أيّ شخص “غير مؤمن” أن يشاركنا المواطنة في كنف فضاء عمومي واحد، دون أن يؤدّي ذلك إلى أيّ نوع من النزاع اللاهوتي حول خلاصنا الأخروي أو طريقته أو عدم ضرورته.

2) ما معنى “الدين” في عصر علماني؟

ليس قصد تايلور الفلسفي أن يدافع عن هذا النوع من العلمنة أو ذاك ضدّ نوع أو أنواع أخرى؛ بل فقط أن يرسم الطريقة التي تمّ بها الانزياح الحديث “من مجتمع حيث كان من المستحيل فيه عمليّاً ألاّ يؤمن أحدٌ بالله إلى مجتمع حيث يكون الإيمان إمكانية إنسانية من بين إمكانيات أخرى”. وبالتالي لا تعدو العلمانية أن تكون هنا سوى “سياق للفهم”(8) داخله وبفضله تصبح كل مظاهر الحداثة ذات معنى بالنسبة إلينا؛ أي تدخل في صلب هويتنا. بهذا المعنى الثالث يمكن أن نقول: إنّنا نعيش في عصر علماني (ص 4). ورأس الأمر في ذلك هو التأكيد على هذا المعنى العالي: “أنّ الإيمان بالله لم يعد معطى أكسيوميّا؛ بل هناك بدائل أخرى”(ص3)؛ أي طرق روحية أخرى وتجارب أخرى لما هو إيماني في أفق البشر.

وتكمن الطرافة الفلسفية لطريقة تفكير تايلور هنا في كونه لا يقدّم الإيمان بوصفه موضوعا تتصارع عليه “نظريات متنافسة”(9) (ص4)؛ بل باعتباره يثير “أنماطا مختلفة من التجارب المعيشة متشابكة مع فهمنا لحياتنا بطريقة أو بأخرى”(ص 5). فليس الإيمان أو الدين غير نوع من البحث عن “مكان ممتلئ نحوه نحن نوجّه أنفسنا أخلاقيا أو روحيا”(ص6). الدين مكان آخر لأنفسنا، وليس تهمة لأحد. وأقصى ما نحتاجه هو رسم “معنى لاختلاف التجربة المعيشة”(ص8) التي تخصنا.

إنّ كلّ ما من شأنه أن يساعدنا على “تحديد وجهة لحياتنا” هو دين أو بمثابة دين؛ لأنّه يشير إلى نوع من “الحضور” الاستثنائي لنمط معيّن من “الامتلاء”(ص6). إنّ الدين هو مكان ممتلئ بنمط فريد من الحضور يتميّز بأنّه يعلّق حياتنا اليومية باتجاه هدف أخلاقي أو روحي ما. وليس الإيمان غير الرغبة في أن نبقى “في اتصال مستمر مع مكان الامتلاء”(ص7) بما هو كذلك. وهكذا فالمعنى الجديد للدين معنى “معيش” وليس نظرية أو عقيدة كلامية ضدّ أحد.

على هذا المستوى تكمن طرافة أطروحة تايلور: إنّه يبشّر بكوننا دخلنا عصرا علمانيا في كنفه لن يكون الدين غير تجربة معيشة لنوع معيّن من الامتلاء أو من الدخول في علاقة مع مكان امتلاء مخصوص، تعده جماعة بشرية دون أخرى عنصرا مكوّنا لهويتها. والحركة العامة لما يسميه تايلور “مجيء عصر علماني”(10) (ص 14) هي حركة انتقال الإنسانية الأوروبية من عصر ديني (العصر قبل الحديث)- حيث كان الناس يعيشون في إطار عقدي ولاهوتي مغلق، وحيث كان الإيمان معطى بدهيا لا يملك أيّ طرف حق مراجعته أو بنائه على نحو خاص أو شخصي، وحيث كان الإلحاد خطّا أحمر للجميع – إلى عصر علماني، (العصر الحديث)، حيث صار هناك تجارب متعددة ومختلفة للعلاقة مع المقدّس، ليس لأيّ واحدة منها حق التفوق أو الوصاية على أخرى، بل أكثر من ذلك: حيث صار “عدم الإيمان(11) بالنسبة إلى كثير من الناس ضربا من الاختيار الرئيس”. وهو ما سيفرض مسؤولية أخلاقية كبرى للقبول بآخرية الآخر إلى حدّ القبول بعدم إيمانه بما نؤمن به، دون أن يؤثّر ذلك على وضعية المواطنة معه.

ولذلك لم يعد السؤال: ما هو “الدين” بعامة؟ بل: ماذا يعني أو ماذا صار يعني الدين بالنسبة إلينا “نحن” الذين نعيش في عصر علماني؟ وحسب تايلور هناك شيء من التحدّي في هذا السؤال. كانت الإنسانية تعيش في عصر حيث كان “الدين في كل مكان”، وفي عالم “حيث كان مكان الامتلاء مفهوما على نحو لا إشكال فيه بوصفه خارج أو ‘ما وراء'(12) الحياة البشرية”، ثمّ مع الأزمنة الحديثة، وقع انتقال غير مسبوق، “إلى عصر متنازع عليه تعرّض فيه هذا التأويل إلى التحدّي من قبل تأويلات أخرى صار مكانها ‘في صلب”(13) الحياة الإنسانية”(ص15). إنّ النمط الجديد من الإيمان قد صار “محايثا”(14) على نحو غير مسبوق. ولذلك فالسؤال الذي سيلازم التفكير في الدين راهنا هو: هل يمكن للبشر اليوم أن يعترفوا بشيء يكون “ما وراء أو يتعالى على حياتهم؟” (ص 16). ذلك أنّ المعنى التقليدي قبل الحديث للدين- أي الإيمان بنحو من التعالي العمودي- لم يعد بالمعنى الوحيد المطروح على الإنسانية. ثمّة تغيّر في هوية الدين نفسه علينا البحث عنه.

لقد بات الدين هو نفسه يُقال على معان عدّة، وعلى الأرجح هي عينها المعاني الثلاثة للعلمانية: صحيح أنّ الدين يفترض دوما علاقة ما مع إله متعالٍ؛ لكنّ التعالي هو بدوره قد غيّر من دلالته، بمعنى أنّه لم يعد يسير في بُعد واحد. فالدين في أفق الحداثة هو أوّلا علاقة مع إله متعال فقد مكانه من مركز الفضاء العمومي؛ حيث أخذ الإنسان يعتقد أنّه يعيش في ساحات عمومية معلمنة تماما (المعنى الأول للعلمانية).

وثانيا هو إيمان بإله انبرت النظريات الحديثة تؤكد على تراجع مكانته لدى المحدثين، سواء أكان ذلك على مستوى الشعور أو على مستوى الممارسة (وهو المعنى الثاني للعلمانية)

وأخيرا، هو تجربة معيشة، هي مثال ساطع على ظهور “شروط جديدة للإيمان” في سياق فهم جديد لأنفسنا نجم عن مجيء العصر العلماني، وحيث صار الدين إمكانية روحية من بين إمكانيات أخرى (وهو المعنى الثالث للعلمانية).

3) اختراع ذات جديدة: أنا عازلة لنزع السحر عن العالم

تساءل تايلور قائلا: “لماذا كان من المستحيل عمليا ألاّ نؤمن بالله في سنة 1500 في المجتمع الغربي، في حين أنّه في سنة 2000 قد صار العديد منّا يجد ذلك ليس فقط يسيرا بل حتى لا مندوحة منه؟”(ص25). إنّ المطلوب هو فهم هذا التغيّر الذي زحزح قبلة الإنسانية.

كان الدين إلى حدّ 1500 م حاضرا في كل مكان؛ كان العالم آيةً على حكمة الخالق، وكان وجود المجتمع مؤسّسا على زمن آخر غير “الزمن العلماني”(15)، على زمن “أعلى” من الزمن الدنيوي، وكان العالم “مسحورا”(16)، وتايلور يستعمل العبارة في نحو من التلميح المعكوس لمصطلح فيبر عن “نزع السحر”(17) عن العالم على الرغم من أنّه ينبّه إلى أنّها ليست بالعبارة الفضلى، إلاّ أنّه يستعملها لوصف العالم “قبل الحديث”.

ما وقع مع مجيء الحداثة ليس مجرد نزع للطابع السحري عن العالم (ص26) بل شيء موجب تماما: إنّه اختراع “معنى جديد للذات ” وإعادة تحديد “مكانها في الكون”(ص27). لم يكن يكفي أن يتم نزع الطابع السحري عن العالم قبل الحديث لإنتاج الحداثة. “كان من الضروري أن يتم التوفّر على الثقة في قدراتنا الخاصة على التنظيم الأخلاقي” لأنفسنا. قبل العصر الحديث كانت المعاني موجودة خارجنا (ص34)، وفي العصر الحديث، صارت “داخلنا”(ص30، 31). لقد تكوّنت “ذات” جديدة، وتمّ الانتقال مع الحداثة من الأنا قبل الحديثة، التي يسمّيها تايلور “أنا مساميّة”(18)، كلّ ما فيها تستمدّه من شيء خارج عنها، إلى نوع غير مسبوق من الأنا، يطلق عليها اسم “الأنا العازلة”(19)، التي هي عبارة عن “نقطة” ذهنية حدودية، قادرة على اتخاذ مسافة من أيّ شيء يوجد خارج الذهن (ص37-38). وبالتالي ذات قادرة على أن تكون “سيدة” على الطبيعة ومن ثمّ قادرة على “نزع الطابع السحري” عن العالم. وحين نعيش في عالم منزوع السحر “يكفّ الأنا العازل عن أن يكون مفتوحا، قابلا للاختراق من قبل عالم من الأرواح والقوى التي تعبر حدود الذهن”(ص300). إنّ الذات الحديثة هي أنا صارت تستمدّ أصالتها من نفسها.

وفي هذا السياق يأتي وعيها الحاد بفرديتها (ص 41)؛نعني بقدرتها الخاصة على ترصّد اللحظة المناسبة للفعل في كل ما يحيط بها بوصفه مجرد “موضوع” لإرادتها. والثورات الحديثة قد فُهمت من قبل أبطالها بوصفها “لحظات كيروطيقية”(20) لم تعد تأخذ مشروعيتها من “زمن مقدس” متعال عليها، بل هي تحدث فقط داخل زمن عادي لا نتوءات فيه سوى حضور البشر. إنّه الزمن العلماني.

قال: “أنْ تكون ذاتا عازلة، أن تكون قد أغلقت الحدود المساميّة بين الداخل (الفكر) والخارج (الطبيعة، ما هو فيزيائي) هو في جزء منه مادة للعيش في عالم نُزع عنه السحر”(ص300). ليس نزع السحر عن العالم الذي أقام عليه فيبر تأويله للحداثة سوى التعبير السالب عن ولادة ذات جديدة لإنسانية. ذات قادرة على العيش بوعي آخر وجديد للزمن هو الوعي العلماني. وعلينا أن نفهم ذلك بشكل موجب هذه المرة. (يتبع)

 

الهوامش:

*أستاذ التعليم العالي في الفلسفة المعاصرة، جامعة تونس.

1) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, Massachusetts, and London, England: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007).

2) “emptied of God”.

3) “a community of prayer”.

4) “the public secularity”.

5) “the conditions of belief”.

6) حسب تايلور هذا المعنى الثالث للعلمنة لم يحدث بعد في المجتمعات المسلمة، والحال أنّه وقع في المجتمعات “المسيحية (أو ‘ما بعد المسيحية’)” (ص 3).

7) “option”.

8) “context of understanding”.

9) “rival theories”.

10) ” the coming of a secular age”.

11) unbelief.

12) “beyond”.

13) “within”.

14) “immanent”.

15) “secular time “.

16) “enchanted”.

17) “disenchantment “.

18) “porous self “.

19) “buffered self “.

20) “kairotic “.

 

المصدر: مجلة التسامح