فرانز فانون..الأب الروحي للنظرية ما بعد الكولونيالية:

 

فرانز فانون (1925-1962) هو الطبيب النفساني الأنتيلي الذي اُعتبِر “نبيّ العالم الثالث” و”وكيل الحقيقة المنتهكة والمتحوّلة” و”المبشّر الأوّل بنظرية ما بعد الاستعمار” “إدوارد سعيد جعل من فانون المدافع عن سرد التحرير المضاد الذي ينتمي إلى حقبة ما بعد الحداثة، وهومي بابا نحت من أفكار فانون معمارا نظريا لعالم ثالث ما بعد بنيوي، وعبد الرحمن جان محمد اكتشف فيه منظّرا مانويا للاستعمار والنفي المطلق، وبينيتا باري  وجدت فيه برهانا ساطعا على النظرة التفاؤلية للأدب والعمل الاجتماعي، أمّا عند سبيفاك فقد ظهر فرانز فانون في أصدق صوره وأكثرها بساطة وإقناعا: الطبيب النفسي الذي خرج من بين أبناء البلد لكي يحلّل بعمق ونفاذ ما تعكسه تلك المرآة الرهيبة المعقّدة: الإمبريالية الثقافية”(8)

 

يتفق هؤلاء المفكرون في اعتبار فانون الزعيم الروحي للنظرية ما بعد الكولونيالية، وسنحاول أن نرصد أهمّ أطروحاته ما بعد الكولونيالية التي عبّر عنها بشكل واف في كتابه التأسيسي “معذّبو الأرض” الذي حلّل فيه شخصية المستعمِر والمستعمَر والعلاقة بينهما تحليلا سيكولوجيا واجتماعيا وتاريخيا، كما تتبّع هذه العلاقة منذ فترة الاحتلال إلى ما بعد الاستقلال، ولعلّ أهمّ أطروحات فانون ما بعد الكولونيالية ما يلي:

 

العنف السبيل الأوحد لفكّ الاستعمار:

 

منذ الصفحة الأولى لكتاب “معذّبو الأرض” يعلن فانون بشكل حاسم أنّ العنف هو السبيل الأوحد لفكّ الاستعمار، ويمكن أن ندلّل على ذلك بهذه العبارة القاطعة” إنّ محو الاستعمار إنّما هو حدث عنيف دائما”(9)

 

وأمام هذا الحسم ينفي فانون أو يرفض أيّ محاولة أخرى للتواصل بين الطرفين سواء اتّخذت المحاولة شكل تسوية أو مفاوضات وذلك للاقتناع فانون بأنّ العالم الاستعماري عالم ثنائي يحاول كلّ طرف أن يحلّ محلّ الآخر، لذا لا يمكن زوال هذه الثنائية إلا بالعنف، فـ”تغيير المستعمَر للعالم الاستعماري  ليس معركة عقلية بين وجهتي نظر. ليس خطابا في المساواة بين البشر، إنّما هو تأكيد عنيف لأصالة مطلقة”(10)

 

ولا يستند فانون في إيمانه بالعنف لاعتبارات عنصرية أو لنوازع انتقامية شخصية بل يبني قناعته واقتناعه بنجاعة العنف انطلاقا من تحليليه السيكولوجي لطرفي الصراع، فالفعل الاستعماري تمّ على نحو عنيف، ويشهد التاريخ على هذا القول بما يرويه من قصص عن مجازر وحشية وإبادات جماعية ارتكبت في حقّ السكّان الأصليين، والأدهى أنّ المستعمِر يعترف بـ”عنفه” ويبرّره، ويغلّفه بشرنقة التمدّن والرسالة الحضارية المزعومة التي يدّعي أنّها ستفطم ملايين البشر من حليب البدائية والتوحّش، وبكلمات فانون نقول “إنّ النّظام الاستعماري يستمدّ مشروعيته من القوّة، وهو لم يحاول في أيّ لحظة من اللحظات أن يراوغ في هذا الأمر الذي يتّفق وطبيعة الأشياء”(11)

 

ولم يكن العنف الاستعماري في شكل إبادات ومجازر فحسب بل تعدّاها إلى تشويه صورة الآخر/ المستعمَر فقد جعله شرّا مطلقا،” إنّه عنصر متلف يدمّر كلّ ما يقاربه، عنصر مخرّب يشوّه كلّ ما له صلة بالجمال والأخلاق، إنّه مستودع قوى شيطانية، إنّه أداة لقوى عمياء، أداة لا وعي لها ولا سبيل لإصلاحها، وهذا مسيو ماير يقول جادا في “الجمعية الوطنية الفرنسية”: “إنّ علينا ألا نلوّث الجمهورية بإدخال الشعب الجزائري فيها”(12)

 

وتشكّل أمثال هذه التصريحات جزءا من خطاب أوسع وأشمل يدعى “الخطاب الاستشراقي”، وهو الذي سيشتغل عليه إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي “الاستشراق” كما سنوضّح لاحقا.

 

وأمام هذه النظرة الدونية التي ينظر بها المستعمِر إلى المستعمَر لا يملك هذا الأخير إلا أن يستشعر حقدا كبيرا تجاه مستعمِره الذي يذكّره في أبّهته بضعة حاله، وفي غناه وعلمه بفقره وجهله، ويصل به هذا الشعور الحاقد إلى الحسد والرغبة في أن يحلّ محلّه، وتصل هذه الرغبات الدفينة إلى مستعمِره “إنّ المستعمَر حسود، والمستعمِر لا يجهل ذلك، فهو حين يلحظ نظرة المستعمَر خلسة، يقول في مرارة “إنّهم يريدون أن يحتلّوا مكاننا، وهذا صحيح،  ما من مستعمَر إلا ويحلم مرّة في اليوم على الأقلّ أن يكون مكان المستعمِر”(13)

 

إذا كانت قوانين نيوتن تؤكّد أنّ لكلّ فعل ردّ فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، فلا عجب أن يكون فكّ الاستعمار من حيث هو صيرورة تاريخية ظاهرة صاخبة تستلزم العنف المطلق، ولكنّه عنف بنّاء ومثمر وإيجابي، فهو يجعل لحياة المستعمَر معنى وهدفا، ويوحّد الأفراد على الصعيد القومي، ويذيب الأحقاد الداخلية، ويمحو النزاعات العصبية والقبلية، ويطهّر الأرواح المعذّبة من الحقد والحسد والعصبية واليأس ومشاعر النقص، ويطهّر العقول من الخرافات والأشباح والغول..الخ ولكنّ الذي يطرح نفسه هو:  ما هي الطبقة التي يمكنها أن تمارس العنف وتحقّقه به التحرير الوطني؟

 

قبل أن يجيب فانون عن هذا السؤال يقوم بتشريح المجتمع تشريحا طبقيا وسيكولوجيا وتاريخيا في غاية الدّقة يصل به إلى أنّ معظم المجتمعات المستعمَرة تسودها طبقتان:

 

طبقة النخبة/ المثقفة/ الحضرية/البروليتاريا: تعيش هذه الطبقة في المدن، وتشمل عمال الموانئ والتجار، أصحاب الحرف والموظفين، وهم لا يشكلون نسبة تزيد عن الواحد بالمائة من مجموع الشعب، وهي تتمتّع بشي من اليسر والرفاهية والوعي والعصرنة، وهي على صلة بالنظام الاستعماري الذي يغدق عليها بشيء من مزاياه ورخائه، وتولي الأحزاب السياسية اهتمامها الأكبر بهذه الفئة، فتبثّها أفكارها وتحاول أن ترفع وعيها السياسي، ولكن” وإذا كانت هذه البروليتاريا تفهم دعاية الحزب وتقرأ كتاباته فإنّها أقلّ استعدادا لتلبية نداء الشعارات التي تدعو إلى الكفاح القويّ في سبيل التحرير الوطني”(…)”إذا كانت البروليتاريا في البلدان الرأسمالية لا تخشى أن تخسر شيئا لأنّها الطبقة التي يمكن أن تربح كلّ شيء، فإنّ البروليتاريا في البلاد المستعمَرة يمكن أن تخسر، فهي من الشعب المستعمَر ذلك الجزء الضروري الذي لا يستغنى عنه لحسن سير الآلة الاستعمارية : سائقو حافلات الترام وسيارات الأجرة، عمال المناجم، عمال الموانئ، التراجمة، الممرضون، الخ ..”(14)

 

لا يتوقّع فانون إذن من هذه الطبقة أن تمارس العنف التحرّري الذي سيقود البلاد إلى فكّ الاستعمار، لأنّها –كما أوضح- ذاقت “حلاوة دنيا” النظام الاستعماري واستفادت ببعض مزاياها، وهذا ما أثّرها في نظرتها للأمور وقياسها لموازين الربح والخسارة، لذلك تنبذ “العنف” و”الثورة” تفضّل “التسوية” و “المفاوضات” و”الحلول الوسطى” خوفا من أن تصل بالثورة إلى فكّ الاستعمار بسبب تفوّقه العسكري، فيتغلّب عليها، وتخسر أيضا ما كانت تتمتّع به من مزايا في ظلّ النظام الاستعماري.

 

طبقة الفلاحين: أو “عبيد الأزمنة الحديثة” كما يسميهم فانون، هي الأكثر تضرّرا من النظام الاستعماري الذي صبّ عليها نقمته، فذاقت منه الفقر والجهل والجوع والتعذيب وكلّ أشكال القهر والإذلال، و”الفلاح” في نظر فانون هو الثوري الوحيد الذي يمكن أن يحمل لواء العنف في معركته الضارية لتحقيق التحرير، “إنّ من الواضح أنّ طبقة الفلاحين  في البلاد هي الطبقة الثورية الوحيدة، إنّ هذه الطبقة لا تخشى أن تخسر بالثورة شيئا، بل أن تكسب بالثورة كلّ شيء. والفلاح المنبوذ الجائع، هو الإنسان المستغلّ الذي يكتشف قبل غيره أنّ العنف وحده هو الوسيلة المجدية، إنّه امرؤ ليس عنده حلّ وسط، ولا مجال عنده لتسوية، والقوّة وحدها هي التي تحدّد في رأيه بقاء الاستعمار أو زواله “(15)

 

وأمام وجود طبقتين تتبنّيان قناعات متناقضة، تؤمن إحداهما بالسلم والمفاوضات والحلول الوسطى والتسوية، وتؤمن الأخرى بالعنف والحلول الحاسمة والقاطعة سيقع صراع طويل الأمد، وسيزيد من مدته تدخّل النظام الاستعماري وتقديمه العون للفئة التي تخدم مصالحه وزرعه الفتن بين الطبقتين، وقد انتهى الأمر إلى أن ترى كلّ طبقتها في الأخرى الغريم والعدوّ الأوّل بدل العدوّ أو المستعمِر.

 

فالطبقة المستنيرة ترى عموم الفلاحين كتلة عقيمة، جامدة تعرقل سيرورة الإصلاح وطموحات التقدّم والرقيّ ، والحقّ إنّها كذلك بسبب سيطرة الزعماء التقليديين وهم الشيوخ القبليون، والدجالون الذين –بإيعاز من سلطة الاحتلال- دفعوا بعموم الشعب/ الفلاحين إلى دوائر الجهل والخرافة والتعصّب والانغلاق، لذلك نجدهم يستشيرون الدجالين بدل الطبيب، ويتجهون بمظالمهم إلى مجالس القبيلة بدل المحامين، وهذا ما يشكّل حاجزا أمام الطبقة المثقفة  يمنعها من إيصال أفكارها التنويرية إلى تلك “الكتلة الصمّاء” من الجماهير العاطلة، وبمعنى آخر تتبنّى الطبقة النخبة نظرة المستعمِرين إلى الجماهير الفلاحة، وهي نظرة ازدارئية تحقيرية في معظمها.

 

وفي المقابل يرى الفلاحون أبناء المدن يتزيّون  بالزيّ الأوروبي ويتحدثون لغته ويتبنّون أفكاره وأنماط حياته وسلوكه اليومي، فيعتبرونهم عملاء وخونة و”ذيول” الاستعمار” “ولسنا هنا بصدد ذلك التعارض المعروف بين الريف والمدينة، وإنّما نحن هنا بصدد تعارض بين المستعمَر المحروم من منافع الاستعمار، وبين المستعمَر الذي يرتّب أموره بحيث ينال من الاستغلال الاستعماري نصيبا”(16) وسيستمرّ هذا الجدل والحذر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال.

 

النخبة/الفلاحون ومرحلة ما بعد الاستقلال:

 

يرى فانون أنّ الفعل الثوري لا بدّ أن يكون في أقصى درجات عنفه حتّى لا يبقى أثر للوجود الكولونيالي قد يشكّل خطرا مستقبليا في مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد” يحدث أن تتمّ تصفية الاستعمار في مناطق لم يهزّها الكفاح التحرّري هزّا كافيا، فإذا نحن نصادف هؤلاء المثقفين أنفسهم الذين يتّسمون بالبراعة والمكر والحذق في تحقيق أغراضهم الشخصية، وإذا نحن نجد فيهم عين أنماط السلوك و أشكال التفكير التي التقطوها من معاشرتهم للبورجوازية الاستعمارية، لقد كانوا للاستعمار أبناؤه المدلّلون، وهم الآن للسلطة أبناؤها المدلّلون أيضا، ينهبون الموارد الوطنية نهبا…”(17)

 

وتشكّل هذه الطبقة نائبا للاستعمار تعوّض غيابه العسكري، فتقضي مصالحه ومصالحها الاقتصادية على حساب طبقة الفلاحين التي حقّقت بدمائها فكّ الاستعمار. ستعيد الطبقة الموالية للاستعمار مقولاته الكولونيالية بشأن طبقة الفلاحين وعموم الشعب بأنّهم لا يستطيعوا أن يمثّلوا أنفسهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يمثّلهم، وتطرح هذه الطبقة النخبوية نفسها ممثّلا لعموم الشعب. وسيكون هذا الطرح الفانوني –نسبة إلى فانون- أرضية فرع بحثي ما بعد كولونيالي يدعى “دراسات التابع”، سنشرحه لاحقا حين نصل إلى الباحثة غاياتري سبيفاك.

 

على أوربا أن تدفع الثمن في مرحلة ما بعد الاستقلال:

 

يرى فانون أنّ المرحلة الكولونيالية لا تنتهي بجلاء المستعمِرين عسكريا بل هناك معركة أعنف بانتظار الفرحين باستقلالهم، فكثيرا ما يسحب المحتلّ مهندسيه وأطبائه واقتصادييه ورؤوس أمواله  من البلاد المستعمَرة كي يعقّد ويصعّب عليها سيرورة التقدّم والنهوض، ولكي يقنعها بأنّها رفست بقدمها نعمه التي لا تستحقها، وعليها الآن أن تتحمّل عواقب اختيارها، وعادة ما يتقبّل أبناء المستعمرات هذا التحدّ بتحدّ ماثل، ولكنّها لا تستطيع أن تمضي في تحدّيها طويلا لأنّها تعتمد على شعب أنهكه الجوع والفقر والتخلف والجهل، فتجد نفسها لا تستطيع مجاراة الغرب في تقدّمه العلمي وتفوّقه الحضاري بل إنّها مضطرة إلى الاستعانة بأمواله وطاقاته البشرية.

 

ينبّه فانون –هنا-  إلى حقيقة خطيرة مفادها أنّ أوربا تدين بتقدّمها إلى مستعمراتها القديمة التي استنزفت كنوزها وثرواتها ومواردها الطبيعية والبشرية عقودا أو قرونا طويلة، لذا على أوربا أن تدفع ثمن تقدّمها وأن تساعد مستعمراتها القديمة في النهوض دون منّ أو أذى، يقول فانون ” إنّ أوربا إنّما خلقها العالم الثالث، والثروات التي تتخم أوربا اليوم إنّما سرقتها أوربا من الشعوب المتخلّفة، (فإذا سمعنا رئيس دولة أوربية يقول، وقد وضع يده على قلبه ” إنّ من الواجب تقديم المعونة للشعوب المتخلّفة المسكينة” فإنّ هذا لا يجعلنا نرتعش اعترافا بالجميل، بل نقول “هذا تعويض عادل سيقدّم إلينا” لذلك لا نقبل أن تكون المساعدات التي تقدّم للبلاد المتخلّفة برامج “صدقات” ، فإنّما ينبغي أن تكون هذه المساعدات منبثقة عن وعيين، وعي يعيه المستعمَرون فيفهمون أنّ هذا من حقّهم، ووعي تعيه الدول الرأسمالية فتفهم أنّ عليها حقّا أن تدفع” (18)

 

يتناقض هذا القول مع الأدبيّات الكولونيالية التي تعزو تقدّم الأوربيين إلى مزايا ذاتية وتفوّق عرقي حظي به العرق الأوروبي دون غيره من الأعراق، كما أنّه يحطّم المقولة الكولونيالية التي تزعم أنّ ما قامت به أوربا هو رسالة حضارية أدواتها المال والإنجيل والقلم، يقلب فانون هذه المزاعم رأسا على عقب حين يؤكّد أن المستعمَرات السابقة هي سبب رخاء أوربا، وأنّ أقلّ ما تفعله هذه الأخيرة أن تردّ الدّين –المادّي على الأقلّ- كي تصلح ما أفسدته على مدار قرون.

 

تشكّل أطروحات فانون ركيزة صلبة للنظرية ما بعد الكولونيالية التي سيرسّخ قواعدها إدوارد سعيد في كتابه الشهير “الاستشراق”

 

إدوارد سعيد والنظرية ما بعد الكولونيالية:

 

يعدّ المفكر الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003) أحد الأقانيم الثلاثة لهذه النظرية، أو هو –بالإضافة إلى الهنديين هومي بهابها وغاياتري سبيفاك الثالوث المقدّس للنظرية ما بعد الكولونيالية بتعبير روبرت يانغ، أصدر كتابه التأسيسي (الاستشراق) عام 1977، وضع فيه اللبنات الأولى لهذه النظرية حيث قام بتفكيك الخطاب الاستشراقي، وتشريح أدبياته، ومقولاته المتراكمة حول الشرق منذ عقود، وقدّم تعريفات كثيرة للاستشراق، أهمّها هذه التعريفات الثلاثة:

 

التعريف الأوّل للاستشراق:

 

“” هو طريقة للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوروبية الغربية، فالشرق ليس لصيقا بأوروبا وحسب، بل إنّه كذلك موضع أعظم مستعمرات أوروبا، وأغناها، وأقدمها، ومدار حضاراتها ولغاتها، (…) فقد ساعد الشرق على تحديد أوربا (أو الغرب) بوصفها صورتها وفكرتها وشخصيتها وتجربتها المقابلة”” (19)

 

يوضّح هذا التعريف قيمة الشرق بالنسبة إلى الغرب، فهو جغرافيا ماضيه الاستعماري، وتاريخيا جغرافيته الاستعمارية، هو وجهه المناقض، وصورته المقلوبة، وندّه العكسي، الشرق صنعة الغرب كي يحدّد ذاته، ويعرف نفسه، آمن سعيد بأنّ الغرب قد خلق الشرق كي يعرف ويحدّد هويّته الذاتية، وستتكرر هذه الفكرة على امتداد الكتاب بصيغ مختلفة..

 

التعريف الثاني للاستشراق:

 

“أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق و(في معظم الأحيان) الغرب، وهكذا قد تقبّل جمهور كبير جدّا من الكتّاب، وبينهم شعراء وروائيون وفلاسفة ومنظرون سياسيون واقتصاديون وإداريون استعماريون، التمييز الأساسي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الانطلاق لسلسلة محكمة الصياغة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية، والمسارد السياسية التي تتعلّق بالشرق وسكّانه وعاداته وعقله وقدره، وما إلى ذلك..”(20)

 

يعزّز هذا التعريف ما ذكرناه منذ قليل حول أنّ الشرق هو مدار تفكير واهتمام الغرب، بحث فيه عن ذاته، وعن حدوده وماهيته العرقية والتاريخية والحضارية، بعبارة أخرى كان الشرق صورة أوربا المقلوبة، أو هو متخيّل أدبي وأسطوري اكثر منه حقيقة جغرافية وتاريخية ابتدعها الغرب ليتحدّث عن عقلانيته وتحضّره ورقيّه من خلال إسهابه في الحديث عن لا عقلانية “الآخر الشرقي” و لا تحضّره، ولا رقيّه..

 

التعريف الثالث للاستشراق:

 

الاستشراق يمكن أن يناقش ويحلّل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق- للتعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه، وإقراره، وبوصفه وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه، بإيجاز، الاستشراق أسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه”(21)

 

يفضح هذا التعريف نوايا الاستشراق الاستعمارية المبطّنة، فهو وسيلة استعمارية أداتها المعرفة، وهدفها فرض سيطرة أوروبا على العالم غير الأوروبي الذي تسمّيه مجازا، وتعتبره حقيقة اسمها “الشرق”، ومن هذه القناعة يسهي سعيد في الحديث عن العلاقة بين القوة والمعرفة، أو بعبارة أكثر بلاغة “جدلية “قوّة المعرفة” و”معرفة القوّة”، وقد انطلق سعيد من مقولة فوكو الشهيرة “إنّ الحقيقة تعتمد على من يسيطر على الخطاب”، وقد سيطرت عليه أوربا، فصاغت مقولاتها عن الشرق، على أنّها الحقيقة المطلقة المكتسبة من خلال معرفة وثيقة ووافية بالشرق، فها هو كرومر يصرّح” “إنّ المعرفة بالعروق المحكومة أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلا ومجديا، فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدا من المعرفة”(22)

 

صاغ الغرب مقولاته الاستشراقية ومعارفه المطلقة عن “الشرق” في صيغ حاسمة وأحكام نهائية، وعبارات قاطعة، تستمدّ مصداقيتها من ذاتيتها، ولا تحتاج إلى برهان خارجي، فمجازات الخطاب الاستشراقي “هي جميعا خبرية وذاتية البرهان، والزمن الذي تستخدمه هو اللازمني والسرمدي، وهي تخلق انطباعا بالتكرار والقوة، وهي دائما مناظرة لمعادل أوروبي، محدد أحيانا وغير محدد أحيانا أخرى، لكنها ذات مرتبة أدنى إطلاقا من هذا المعادل”(23)

 

كلّ ما يأباه الرجل الغربي على نفسه يسقطه على الآخر الشرقي، وبالتالي فالرجل الغربي عقلاني، ومنهجي، وحكيم، وشجاع، ومهذّب، أمّا الآخر/ الشرقي فهو لاعقلاني، ولا منهجي، وجبان، وساذج، وفظّ، وشهواني، و لا يتورّع الخطاب الاستشراقي عن التفكير الاختزالي، والتعميم المفرط، والأحكام الجازمة، لذا لا يتورّع عن اختزال ثلاثة أرباع البشرية (ونعني سكان إفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبية) وعلى امتداد قرون في هذه الصور النمطية والمكرّرة، و لا يتجدّد الخطاب الاستشراقي عبر العقود والقرون إلا من خلال ترسيخ وتأكيد ومضاعفة هذه الأنماط والكليشيهات الجاهزة.

 

وما يكرّس هذه “النمطية” والتكرار أمران، أوّلهما إيمان المستشرق بأنّ “الآخر /الشرقي ثابت في مكانهن مناهض لحركية التاريخ، وسيرورة الزمن وفقا لنواميس الكون، وثانيهما أنّ الخطاب الاستشراق اقتصر عمله على الشرق النصوصي أو المكتوب/الكلاسيكي، ولم يعن مطلقا بالشرق الفعلي أو الحديث.

 

يؤكّد سعيد على أنّ الاستشراق هو أداة معرفية وظّفها الغرب ليحكم سيطرته على ما أسماه الشرق، وقد وظّف قوّته وعرفته لهذا الغرض، فغلّف نوازع سيطرته بغلاف الرسالة الحضارية أو عبء الرجل الأبيض كما يحلو للأدبيات الكولونيالية أن تسمّيها، وقد مثّل سعيد لهذا الأمر بجملة نابوليون على مصر التي اعتبرها فوربييه عملا حضاريا بكلّ المقاييس، ولكنّها في نظر سعيد عمل كولونيالي بامتياز، وخبث استشراقي بكل ّالمقاييس”.. أن يُنقذ إقليما من بربريته، الحاضرة ويعيده إلى عظمته الكلاسيكية السابقة،  أن يلقّن الشرق (لمصلحته هو) طرائق الغرب الحديث، أن يحلّ القوة العسكرية محلا أدنى أو يقلّل من أهميتها تعظيما لمشروع المعرفة الممجدة التي اكتسبت أثناء عملية السيطرة السياسية على الشرق، أن يصوغ الشرق، أن يعطيه شكلا وهويّة، وتحديدا يصحبه اعتراف كامل لمكانته في الذاكرة، وبأهميته بالنسبة إلى الاستراتيجية الإمبراطورية، وبدوره “الطبيعي” من حيث هو ملحق بأوروبا، أن يجلّ المعرفة المجمّعة خلال الاحتلال الاستعماري ويشرّفها بتسميتها” إسهاما في نموّ المعرفة الحديثة” في حين لم يكونوا السكان الأصليون قد استشيروا أو عوملوا إلا بوصفهم ذريعة لخلق نص لا تعود الفائدة منه على السكان الأصليين، أن يشعر المرء بنفسه أوروبيا في مركز القيادة، كيف شاء تقريبا، للتاريخ الشرقي، وللزمن الشرقي، والجغرافيا الشرقية، أن يؤسس مجالات جديدة للتخصص، وأن ينشئ فروعا جديدة للمعرفة، أن يقسّم، ويوزّع ويخطّط، ويجدول، ويصنّف مؤشرات، ويسجل كل ما تتناوله الرؤيا( وما لا تتناوله)، أن يشكّل من كلّ جزيئة يلاحظها تعميما، ومن كلّ تعميم قانونا لا يتغيّر للطبيعة الشرقية(…) تلك هي ملامح الإسقاط الاستشراقي الذي تحقق كلّية في وصف مصر”(24)

 

يمكن أن نقرأ في هذا المقطع الطويل جملة من الإضاءات المهمّة التي أرست دعائم النظرية ما بعد الكولونيالية، ومن ذلك نذكر ما يلي:

 

-أنّ الغرب يقف من الشرق موقف الوصيّ على القاصر، فهو يراه عاجزا على أن يحكم نفسه بنفسه، والأدهى أن يراه عاجزا على أن يمثّل نفسه /أو يتحدّث عن نفسه بنفسه، وذلك لقصوره العقلي ودونيّة عرقه، لذلك فهو ما أحوج ما يكون لمساعدة الغرب، ولقد قال ماركس ذات مرّة عن هؤلاء الشرقيين “إنّهم عاجزون على أن يمثّلوا أنفسهم بأنفسهم”، وهذه النقطة التي يلتقطها النقاد ما يعد الكولونياليون ويؤسسوا منها فرعا بحثيا أسموه “دراسات التابع” سنقف عنده بشكل مفصّل عند الوصول إلى غاياتري سبيفاك.

 

– يطرح هذا المقطع فكرة مركزية الغرب وهامشيّة الشرق، وهي ثنائية أقنع الغرب بها نفسه بعد أن “صنع” غريمه بصورة مناقضة له تؤهله إلى أن يكون في مرتبة دنيا، وقد انبنت تلك الصورة على ملاحظات جزئية سرعان ما تحوّلت إلى براهين وتعميمات، وعلى أحكام مسبقة تأكّدت بما تناولته الرؤية وما لم تتناوله، قد تحوّلت تلك الأحكام المسبقة والملاحظات الجزئية إلى “معرفة علمية” أكّد علميّتها القالب العلمي الذي سبكت فيه، ونعني التقسيمات والتخطيطات والجداول والتصنيفات…الخ. كان عمل سعيد ونعني فضحه بنية الخطاب الاستشراقي هو الخطوة الأولى لزلزلة مركزية الغرب وهامشية الشرق، وهي الفكرة التي ستشتغل عليها النظرية ما بعد الكولونيالية لسنوات أو عقود..

 

-كما يطرح هذا المقطع سؤال “من يكتب التاريخ؟”، فقد دلّ المقطع على أنّ الغرب هو من يكتب التاريخ، فقد صاغ المستشرقون أدبيّاتهم عن حملة نابليون على مصر، التي لم تسمّى يوما احتلالا أو حربا حتّى في كتب التاريخ العربية والمصرية. وسيفتح هذا السؤال موضوعا جديدا مادّته (كتابة التاريخ) (Historiography) سيشغل النقاد ما بعد الكولونياليون طويلا.

 

كانت هذه الخطوط العامة لجهد إدوارد سعيد في إرساء النظرية ما بعد الكولونيالية، والتي سيواصلها زميلاه هومي بهابها وغاياتري سبيفاك وغيرهما. (يتبع)

 
 
 
.الهوامش:
 
1- دوغلاس روبنسون: الترجمة والإمبراطورية: الدراسات ما بعد الكولونيالية، دراسات الترجمة، ترجمة ثائر ديب، مجلة نزوى، العدد45،20-07-2009
 
2- دوغلاس روبنسون: الترجمة والإمبراطورية: الدراسات ما بعد الكولونيالية، دراسات الترجمة، (مرجع سابق)
 
-3Lutfi Hammadi : Edward Said ; The postcolonial Theory and The literature of Decolonization, European Scientific  Journal june2014 ,/SPECIAL /edition vol2 , p202
 
4- هيلين جيلبيرت/جوان تومكينز : الدراما ما بعد الكولونيالية: النظرية والممارسة، ترجمة : سامح فكري، مركز اللغات والترجمة، أكاديمية الفنون، مصر 2000، ص2-3
 
5- بيل أشكروفت/ غاريث غريفيث/ هيلين تيفين: الرّد بالكتابة: النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة: شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2006، ص15.
 
-6 Postcolonialism www.wikipedia.com
 
7- بيل أشكروفت وآخرون: الدراسات ما بعد الكولونيالية/ المفاهيم الرئيسية، ترجمة: أحمد الروبي، أيمن حلمي، عاطف عثمان، المركز القومي للترجمة، مصر،2010،ص254
 
8- صبحي حديدي : الخطاب ما بعد الكولونيالي في الأدب والنظرية النقدية، مجلة الكرمل ع47، 1993ص79-80.
 
9- فرانز فانون: معذّبو الأرض،  موفم للنشر، الجزائر،2007،ص01.
 
10- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص06.
 
11- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص52.
 
12- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص08
 
13- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص05-06.
 
14- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص74-75.
 
15- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص26-27
 
16- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص78.
 
17- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص15.
 
18- فرانز فانون: معذّبو الأرض،ص67.
 
19- إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء ،ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان ط2 1984 ص29
 
20- إدوارد سعيد: الاستشراق، ص31
 
21- إدوارد سعيد: الاستشراق، ص30.
 
22- إدوارد سعيد: الاستشراق، ص72
 
23- إدوارد سعيد: الاستشراق، ص121.
 
24- إدوارد سعيد: الاستشراق، ص140.
 
25- عبد الستار عبد اللطيف مال الله الاسدي: هومي بابا : رؤى ما بعد الكولونيالية، جريدة تكست – العدد الرابع الجمعة، 9 يوليو، 2010
 
26- عبد الله إبراهيم: هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟، جريدة الرياض،file:///C:/Documents%20and%20Settings/user/Bureau/postcolonial/%
 
27– الـSati لغة تعني الزوجة الطيبة، رمز الواجب، واجب المرأة نحو زوجها، والمتمثّل – على نحو خاص –في إحراق الأرملة نفسها حيّة وفاء لزوجها، ويعتبر الـ Sati طقسا هنديا مقدّسا في المجتمع الهندوسي التقليدي.
 
-28 Eleanor .Ross: How does This Sentence Reflect the Representations of British Dealing with India ..,INNERVATE, Leading Undergraduate   Work in English Studies, The University of Nottingham, Volume2, (2009)p384
 
29- E .Ross : How does This Sentence Reflect the Representations of British Dealing with India ..,p386
 
30- E. Ross: How does This Sentence Reflect the Representations of British Dealing with India ..,p386
 
31- E .Louai : Retracing the concept of the subaltern from Gramsci to Spivak…p 7
 
32- J.Biers: Subaltern Studies;
 
www.fdcw.unimaas.nl/…/JBier_Subaltern%20Studies.. .
 
33- J.Biers: Subaltern Studies
 
34- بيل أشكروفت وآخرون: الدراسات ما بعد الكولونيالية/ المفاهيم الرئيسية،،ص286.
 
35-د. جميل حمداوي:نظرية ما بعد الاستعمار  http://www.alukah.net/Literature_Language/0/39097
 
36- هيلين جيلبيرت/جوان تومكينز : الدراما ما بعد الكولونيالية: النظرية والممارسة،ص04.
 
37-آنيا لومبا: في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية، ترجمة محمد عبد الغني غنوم، دار الحوار، ط1 دمشق، 2010ص07.
 
المصادر والمراجع:
 
-إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء ،ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان ط2،1984
 
– آنيا لومبا: في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية، ترجمة محمد عبد الغني غنوم، دار الحوار، ط1 دمشق،2010
 
-بيل أشكروفت/ غاريث غريفيث/ هيلين تيفين: الرّد بالكتابة: النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة: شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2006
 
-بيل أشكروفت وآخرون: الدراسات ما بعد الكولونيالية/ المفاهيم الرئيسية، ترجمة: أحمد الروبي، أيمن حلمي، عاطف عثمان، المركز القومي للترجمة، مصر،2010
 
-دوغلاس روبنسون: الترجمة والإمبراطورية: الدراسات ما بعد الكولونيالية، دراسات الترجمة، ترجمة ثائر ديب، مجلة نزوى، العدد45،20-07-2009
 
-صبحي حديدي : الخطاب ما بعد الكولونيالي في الأدب والنظرية النقدية، مجلة الكرمل ع47،1993
 
-عبد الله إبراهيم: هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟، جريدة الرياض،file:///C:/Documents%20and%20Settings/user/Bureau/postcolonial/%
-عبد الستار عبد اللطيف مال الله الاسدي: هومي بابا : رؤى ما بعد الكولونيالية، جريدة تكست – العدد الرابع الجمعة، 9 يوليو، 2010
-فرانز فانون: معذّبو الأرض،  موفم للنشر، الجزائر،2007
-هيلين جيلبيرت/جوان تومكينز : الدراما ما بعد الكولونيالية: النظرية والممارسة، ترجمة : سامح فكري، مركز اللغات والترجمة، أكاديمية الفنون، مصر 2000
Eleanor .Ross: How does This Sentence Reflect the Representations of British Dealing with India ..,INNERVATE, Leading Undergraduate   Work in English Studies, The University of Nottingham, Volume2, (2009)
Lutfi Hammadi : Edward Said ; The postcolonial Theory and The literature of Decolonization, European Scientific  Journal june2014 ,/SPECIAL /edition
vol2
J.Biers: Subaltern Studies;
www.fdcw.unimaas.nl/…/JBier_Subaltern%20Studies.. .
 
 
Postcolonialism www.wikipedia.com
=====================================================================
 
الدكتورة: مديحة عتيق / جامعة سوق أهراس