إن مناسبة احتفال هابرماس بعيد ميلاده الثمانين، مدعاة لي للاحتفال أيضا. فقبل ثلاثين سنة توجهت في إطار منحة لمؤسسة ألكسندر فون هامبولت، وبالضبط خريف 9791 إلى ألمانيا للدراسة لدى هابرماس في مؤسسة ماكس بلانك في ستارنبيرغ.

ومنذ البداية أدركت أن هابرماس هو الشخصية المعاصرة في التقليد الطويل للكوسموبوليتية. وتعني الكوسموبوليتية بالنسبة لي الاعتراف بأن البشر شخصيات أخلاقية لها الحق في الحماية من طرف القانون، وليس ذلك انطلاقا من الحقوق التي يتمتعون بها كمواطنين أو أعضاء في مجموعة إثنية ولكن ببساطة كبشر. علاوة على ذلك تعني الكوسموبوليتية بأن حدود البلدان في القرن الحادي والعشرين ستزداد شفافية وأن العدالة داخل الحدود والعدالة خارج الحدود ستصبحان أكثر التحاما، حتى وإن حدثت توترات بينهما. وانطلاقا من هذا الموقف الإنساني والكوسموبوليتي نجد عند هابرماس منذ البداية إرادة „إشراك الآخر“ بغض النظر عن انتمائه القومي.

لكن فهم الكوسموبوليتية بهذه الطريقة يجعل من الصعب التوفيق بينها والديمقراطية. فالديمقراطية تعني بناء جماعة سياسية بقواعد واضحة، يتم عبرها تحديد العلاقات بين الداخل والخارج. وفي الديمقراطية يستمد الدستور شرعيته من الإرادة الجمعية والمتحدة للشعب، وكما يقول البند العشرون من الدستور „كل سلطات الدولة مصدرها الشعب“. فالشعب الديمقراطي يقبل سلطة القانون لأنه في الآن نفسه واضع ومستقبل هذا القانون. إن مواطن ديمقراطية ما ليس بالمواطن العالمي، بل مواطن داخل مجموعة سياسية محددة، بغض النظر عما إذا كان ذلك يتعلق بدولة مركزية أو فدرالية، باتحاد أوروبي أو اتحاد للدول.

لكن كيف يمكن التوفيق بين ذلك والرؤية الكوسموبوليتية للعدالة غير المرتبطة بحدود دولة ما؟ أو مع رؤية تقول بالحدود الشفافة التي لا يملك ممثلوا الشعب سلطة كبيرة عليها؟ وأليس „الحق في أن تكون لنا حقوق“، في لغة حنا آرندت، هو دائما حق الإنسان العضو في مجموعة سياسية معينة؟ إذن هل يعني ذلك أنه يتوجب تسمية ذلك ليس بالكوسمبوليتية والديمقراطية ولكن بالكوسموبوليتية أو الديمقراطية؟ ما هي العلاقة إذن بين القيم والآمال الكوسموبوليتية والديمقراطية الدستورية؟
أريد أن أبدأ بتقديم نبذة عن الكوسموبوليتية في تاريخ الفكر السياسي، لأعود بعدها لمشكلة الحدود الوطنية التي توضح أكثر من غيرها التوترات القائمة بين الكوسموبوليتية والديمقراطية.
 

الكوسموبوليتية نبذة تاريخية موجزة

يتكون مصطلح الكووسموبوليتية من «كوسموس» أي الكون و «بوليتس» المواطن. وتوجد توترات واضحة بين هذين المصطلحين. مونتين كتب بأن أحدهم سأل سقراط عن وطنه فأجاب: ليس أثينا ولكن العالم. فسقراط الذي كانت معرفته أكبر وأعظم من كل الآخرين نظر إلى الكون كوطنه ومعرفتة وأعماله الخيرة وحسه المدني كانت لكل البشرية، بعكسنا نحن الذين لا ننظر إلا لأقدامنا. لا أحد يعرف إن كان ذاك فعلا جواب سقراط لكن القصة نقلها سيسيرو في كتابه محادثات نوسكولوم وإيبكتيت في «المباحثات» وبلوتارك في كتابه دي إيغزيليو حيث يمدح سقراط لأنه ليس أثينيا أو يونانيا ولكن رجلا «كونيا». لكن ماذا يعني أن يكون المرء كونيا وكيف لكوني أن يكون ديمقراطيا إذا كانت الديمقراطية بالنسبة عند اليونان لا تتحقق إلا داخل حدود الدولة؟ أرسطو كان يقول بأنه للحياة خارج حدود المدينة يتوجب على الإنسان أن يكون إما حيوانا أو إلها. وبما أن البشر ليسوا هذا ولا ذاك والكوسموس ليس المدينة، فإن الكوسموبوليتي ليس فعلا بمواطن ولكنه كائن آخر. ويؤكد الكلبيون مثل ديوجين هذا الاستنتاج، ويزعمون بأنهم لا يشعرون في كل مدينة بأنهم في بيتهم، وإنما هم لا يبالون بكل المدن. إن الكوسموبوليتي رحالة دون وطن، يعيش في انسجام مع الطبيعة والكون ولكن ليس مع مدينة البشر التي ينأى بنفسه عن ترهاتها. إن بعض المعاني السلبية لهذا المصطلح والتي نعرفها من التاريخ اللاحق، مثل النقد الموجه لـ «الكوسموبوليتية المجثة»، نصادفها في هذه العصور القديمة.

لكن ضد هذه الصيغة السلبية عن الكوسموبوليتية كثقافة ترحال بلا مدينة دولة، تقوم الحكمة الرواقية التي ترى أن الإنسان لا يقتسم مع الآخرين القوانين السائدة داخل دولة ما ولكن أيضا العقل الذي يجعل من البشر كائنات عاقلة. في تأملاته الذاتية كتب مارك أوريل „إذا كنا نشترك في ملكة التفكير فإن ذلك يعني أننا نشترك في العقل. وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أننا نشترك في القوانين، وإذا كان الأمر على هذه الحال، فذلك يعني أننا كمواطنين نشارك في إدارة دولة، وإذا كان الأمر كذلك فإن العالم هو في الآن نفسه دولة“.

إن فكرة نظام يتجاوز الاختلاف بين حق الناس في دول متعددة ويتجذر بدلا من ذلك في النظام العقلاني للطبيعة، سوف تتحد في القرون اللاحقة بالمبدأ المسيحي عن المساواة العامة. فقد ألهم القانون الطبيعي للرواقيين فكرة الدولة الإلهية المسيحية خلافا لدولة البشر الأرضية، لتجد في النهاية طريقها إلى نظريات القانون الطبيعي للفكر السياسي المعاصر لدى توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو و إمانويل كانط.

هذه التقييمات السلبية والايجابية المرتبطة بكلمة كوسموبوليتي والتي نصادفها بدءا في الفكر اليوناني والروماني ستستمر عبر القرون: فالكوسموبوليتي هو شخص ينأى بنفسه سواء في فكره أو سلوكه عن الأعراف والقوانين وينظر إليها من وجهة نظر نظام أسمى، هو العقل. أما المنظر الذي سيبعث الحياة في الرؤية الرواقية للكوسموبوليتية وسيعطي لهذا المفهوم اتجاها جديدا فهو إمانويل كانط. فمع كانط سنرى بأن الكوسموبوليتية والديمقراطية، وقد أدمجتا في دستور جمهوري، ليستا بالضرورة غير قابلتين للوحدة، بل لربما يتطلب فعلا كل واحد منها الآخر.

من الكوسموبوليتي إلى المواطنة العالمية إمانويل كانط

يحظى كتاب كانط «نحو السلام الأبدي»، الذي ألفه سنة 5971 بمناسبة اتفاقية بازل للسلام بين بروسيا وفرنسا الثورية، باهتمام جديد منذ بضع سنوات. فبالنظر إلى عولمة السياسة، أصبحت رؤيا «سلام دائم بين الدول» موضع اهتمام كبير. وقد صاغ كانط فكرته عن السلام في بنود ثلاثة: „يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورا جمهوريا“. و “يجب أن يتأسس حق الشعوب على اتحاد دول حرة“، أما البند الثالث فيقول بضرورة „أن يقتصر الحق العالمي على ابتكار شروط حسن الضيافة العالمية“. إن كانط يستعمل في هذا البند الثالث مصطلح «القانون العالمي» بوضوح. وبما أنه مدرك لغرابة مصطلح «الضيافة» في هذا السياق، يشير على سبيل الاحتياط أنه حتى هنا “كما في البند السابق بأن الكلام لا يجري عن فيلونتروبي )محبة الإنسان( وإنما عن القانون“. وبلغة أخرى: الضيافة ليست فضيلة اجتماعية، ليست فعلا إنسانيا أو كرما اتجاه الغرباء، الذين يحضرون إلى بلدي أو لظروف طبيعية أو تاريخية يحتاجون مساعدتي، بل إن الضيافة أكثر من ذلك، إنها «حق»، لكل الناس، بما أنه يمكن النظر إليهم كمواطنين بالقوة في «دولة الإنسان العامة»، الجمهورية العالمية. لكن على الرغم من ذلك فإن «الحق» في «الضيافة» أمر غريب، لأنه لا يتعلق بالناس الذين ينتمون للدولة نفسها ويخضعون للقانون ذاته، ولكنه ينظم التفاعلات بين بشر، ينتمون لدول مختلفة ويلتقون عند حدودها.
وبهذا المعنى، تعني لفظة ضيافة حسب كانط: „حق كل غريب في ألا يعامل، في البلاد التي يحضر إليها، معاملة العدو. يجوز رفض استقباله إذا كان هذا الرفض لا يعرض حياته للخطر، لكن لا يجوز التصرف عدائيا تجاهه طالما التزم السلوك السلمي خلال إقامته. ليس المقصود هو حق الضيافة الذي قد يدعيه )فهذا يستلزم اتفاقية خاصة يحظى، بفضلها، بمنزل يقيم فيه مدة من الزمن(، إنما المقصود هو حق الزيارة الذي يجيز لجميع الناس أن يتبرعوا بالانتماء إلى المجتمع بموجب حق التملك المشترك للمساحة الأرضية، فبما أن الأرض كروية الشكل، لا يستطيع البشر أن يتفرقوا عليها إلى ما لانهاية، إنما هم مضطرون، في نهاية الأمر، أن يتحملوا بعضهم البعض متجاورين“.

ويفرق كانط هنا بين حق دائم في البقاء، «حق الضيافة» وبين حق في البقاء زمني، «حق الزيارة». ويمكن تقديم حق الضيافة عبر اتفاقية حرة، عبر «عقد خيري» يتجاوز ما يدين به الإنسان أخلاقيا للآخرين. إن دعوة كانط إلى عدم رفض دخول من يحتاجون مساعدة إلى البلد، إذا ما كان هذا الرفض يشكل خطرا على حياتهم، اعتمد سنة 1591 كقاعدة قانونية في اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، والتي تقضي برفض الترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية، إذا ما كان ذلك يهدد حريتهم وحياتهم. وطبعا بإمكان الدول الحرة أن تفسر هذه القاعدة، حين تعمد إلى فهم مصطلحات الحياة والحرية وفقا لرغبتها، أو الالتفاف عليها عن طريق تسليم اللاجئين أو طالبي اللجوء إلى بلد ثالث. لقد تنبأ كانط بهذا التوسط بين الالتزام الأخلاقي تجاه طالبي اللجوء والمصلحة الخاصة، وعمل على شرعنته. إن الترتيب المعياري لهذين المطلبين الالتزام الأخلاقي تجاه الثالث والمصلحة الشخصية الشرعية هو وبغض النظر عن الأخطار المحدقة باللاجئين الذين تم ترحيلهم، أمر مبهم. وفي الحالات الأخرى يسمح هذا الالتزام بحرية وسلامة الضيف، بتأويل خاص من طرف الدول المستقلة، حتى لا يصبح هذا الالتزام، التزاما غير محدود.

من الدولة مرورا بالشعب وإلى القانون العالمي

ترك كانط وصية تقبل أكثر من تأويل: كان يريد شرعنة التوسع التجاري البحري للرأسمالية، لأن من شأن ذلك أن يقرب بين الأعراق البشرية، لكن دون أن يعمد إلى شرعنة الامبريالية الأوروبية. إن حق الزيارة العالمي يسمح بالإقامة المسالمة لوقت محدد من الزمن في بلد ما، لكنه يرفض سرقة واستغلال وغزو واستعباد من ننزل ضيوفا عندهم، كما عبر كانط عن ذلك في معرض حديثه عن محاولات الغزو الأوروبية في الصين واليابان. لقد كان التفريق في القرن الثامن عشر بين «حق الضيافة» و «حق الزيارة» في سياق التطور الذي عرفته الامبريالية الأوروبية البحرية، تقدميا، لكنه لم يعد كذلك بالنسبة لعصرنا. إن على الدستور أن يضمن حقوق المواطنة للأجانب ولا يجب النظر إلى ذلك كعقد خيري. وطبعا فإن الحق في الجنسية مرتبط بتحقيق شروط محددة، تحددها الدولة الديمقراطية. لكن «الحق في الجنسية» أو «قانون الجنسية» يندرج في إطار حقوق الإنسان، إذ ينص عليه البند الخامس عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويؤكد „أن لكل فرد حق التمتع بجنسية ما“ كما أنه „لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها“.

إنا مدينون لكانط بتفريقه بين القانون العام الذي ينظم العلاقات القانونية بين الأشخاص داخل كيان محدد، والقانون الدولي الذي ينظم تلك السائدة بين الدول والقانون المدني العالمي، الذي ينظم العلاقات القانونية بين أشخاص لا ينظر إليهم كأعضاء في شعب معين، بل كمواطنين في مجتمع مدني عالمي. إن كانط حين يوضح بأن الفاعلين الأساسيين على المستوى الدولي ليسوا دولا وزعامات سياسية فقط ولكن أيضا مواطنين من تكتلات مختلفة، فإنه يمنح المفهوم الكوسموبوليتي معنى جديدا، وأعنى بذلك المواطن العالمي. إن فكرة المواطنة العالمية تتضمن أملا طوباويا، يرى أن التجارة من شأنها أن تدعم السلام بين الناس. إن تكثيف العلاقات بين الناس سيقود إلى „أن خرقا للقانون في مكان ما على هذه الأرض، يشعر به كل الناس“، إن المواطنة العالمية هي أولا نظام قانوني جديد، يرى أن البشر بكل بساطة، وبما أنهم بشر، يملكون حقوقا معينة. )رغم اتفاقنا المبدئي مع كانط، يتوجب علينا أن لا ننسى الجوانب السلبية أيضا في ليبراليته رغم إنجازها المدهش: ففي جمهورية كانط ينظر إلى الخدم والنساء كتلاميذ بدون ملكية، كأطفال للجماعة، ووضعهم القانوني يرتبط برب العائلة(.

من المواطنة العالمية إلى القانون المدني العالمي ـ هابرماس

الأطروحة التي تقول بأننا ـ منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 8491 ـ دخلنا في مرحلة تطور للمجتمع المدني العالمي والتي تتميز بالانتقال من عالمية معايير العدالة إلى كوسموبوليتيتها، تشهد رواجا كبيرا. ففي الوقت الذي تنبع فيه معايير القانون الدولي من واجبات تعاقدية، اتفقت عليها الدول وممثلوها، ترتبط المعايير الكوسموبوليتية بالأفراد، الذين ينظر إليهم كأشخاص أخلاقيين وقانونيين في مجتمع مدني عالمي. وحتى وإن وجدت المعايير الكوسموبوليتية أصلها في الواجبات التي تعمل كاتفاقيات، مثل ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات حقوق الإنسان المختلفة، فإن الجدير بالملاحظة فيها، أنها تقيد عمل الدول وممثليها، بل أحيانا تقف ضد إرادة الموقعين عليها. إن ذلك ما يميز العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان التي دخلت حيز التنفيذ منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد تحول القانون الدولي، بشكل حاسم، بفضل هذه البنود القانونية العامة. طبعا من الطوباوية لربما وصفها بالخطوة الأولى باتجاه «دستور عالمي»، لكن لا غرو أن الأمر يتعلق بأكثر من مجرد اتفاقيات بين دول، بل بمكونات المجتمع المدني العالمي. وفي إطار هذا المجتمع لا يتمتع الناس بحقوق انطلاقا من هويتهم كمواطنين داخل بلد ما، ولكن بدرجة أولى لأنهم بشر. ورغم أن الدول تظل أقوى فاعل، لكن مدى قرارتها الشرعية سيتراجع. علينا إعادة التفكير بالقانون الدولي انطلاقا من خلفية هذا المجتمع المدني العالمي الذي يوجد في طور التشكل والذي تتهدده الحروب والعنف والتدخل العسكري. وهذا التحول الذي يشهده القانون ستكون له نتائج على إدراكنا للعلاقة بين الكوسموبوليتية والديمقراطية في عصرنا.

إن سؤالنا لا يتعلق بشكل أساسي بالكوسموبوليتية والديمقراطية ولا بالكوسموبوليتية أو الديمقراطية ولكن يتعلق خصوصا بالديمقراطية في عصر الكوسموبوليتية القانونية. ومن هذه النقطة يبدأ التصور الكوسموبوليتي ليورغن هابرماس.

يرى هابرماس أنه في عصرنا الحالي „كل تصور فلسفي عن تشريع للسياسة العالمية لا بد أن يأخذ بالاعتبار الأفراد والدول، بوصفهما العنصرين المكونين للذوات المؤسسة لدستور عالمي“. إنه يؤكد خصوصا على ضرورة ألاّ يقوم هذا النظام القانوني المتعدد „على تعويض عالم الدولة بسلطة جمهورية عالمية، ستتجاهل الأساس القائم داخل الدول والذي يتمثل في الثقة المتراكمة وما يرتبط بها من إخلاص المواطن لأمته“، وبدلا من ذلك يرى هابرماس أننا نحتاج إلى مؤسسات للوساطة ومنظمات اقتصادية على المستوى الإقليمي وأخرى أمنية وأخرى دولية، تدافع من جهة عن الحقوق الكوسموبوليتية للأفراد ومن جهة ثانية تدعم الديمقراطية داخل البلدان.

الكوسموبوليتية الاقتصادية

وجهت انتقادات كثيرة لهذا التصور عن كوسموبوليتية ديمقراطية كما عرفناها في التقليد الممتد من كانط وحتى هابرماس. فالمدافعون عن عولمة اقتصادية مثل توماس فريدمان )على الأقل في كتابه «العالم مسطح»( يختزلون المعايير الكوسموبوليتية في رواية سطحية لحقوق الإنسان: الحرية، العدالة والملكية، مؤكدين بأنها تتماشى مع توسع السوق الحرة والتجارة الدولية.

ونشهد في هذا الشأن تضامنا مثيرا للانتباه بين الليبراليين الجدد، المنظرين للعولمة والمنظرين الماركسيين الجدد لـ «الإمبراطورية» وخصوصا أنطونيو نغري ومايكل هارت. فهارت ونغري يفرقان كما هو معروف بين الإمبريالية والإمبراطورية، من أجل الإمساك بالمنطق الجديد للنظام العالمي. ففي الوقت الذي تحيل فيه كلمة «إمبريالية» إلى نظام عنيف واستغلالي، عبر فرض قوة إمبريالية لإرادتها على الآخرين، تحيل الإمبراطورية إلى نظام من القواعد والمحددات والبنيات، مجهول الهوية، يحدد حياة الناس في إطار الرأسمالية المعولمة.

فبالنسبة للرأسمالية المعولمة من الضروري حماية الحق الفردي في تبادل البضائع والخدمات بشكل حر في الأسواق، وخصوصا من الضروري احترام الاتفاقيات المبرمة وتنفيذها. إن الإمبراطورية هي سلطة الرأسمال المتنامية باستمرار، والتي لا تتوقف عن اكتساح مجالات أخرى، وفرض سيطرتها عليها.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الشاملة التي لم نشهد لها مثيلا منذ عام 0391 سيجد النقد الماركسي الجديد للرأسمالية العالمية أنصارا جدد. لكن ما يدعو إلى السخرية هو أن الإمبراطورية )الولايات المتحدة الأمريكية( فقدت توازنها وأن السوق اكتسحتها. يتوجب علينا إعادة التفكير بقواعد ومحددات السوق العالمية وفرض معايير قانوينة كوسموبوليتية في مجال الاقتصاد. يتوجب إذن اليوم على الكوسموبوليتية أن تقود العديد من المشاريع المتداخلة للنظام العالمي الجديد. فالاقتصاد العالمي تعرض لضربة قوية وسريعة، وتتحمل إيديولوجية تحرير الأسواق لإدارة بوش وأنانية وجشع القطاع المالي المسؤولية عن ذلك ولكن أيضا انهيار الثقة الاجتماعية وأنظمة الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية والتي ظهرت للعيان بسبب ردة الفعل الكارثية على إعصار كاترينا.

إن حقبة الأنانية هذه داخل الدول الرأسمالية تعكس تطورا عالميا. فالمساعدات التنموية للدول الفقيرة تراجعت ولا تقدم الحكومات أمنا كافيا لشعوبها في مناطق واسعة من أفريقيا، أفغانستان، أمريكا الوسطى وبورما. والدول المنهارة تترك الميدان لقبائل إثنية دينية، تخوض الحرب فيما بينها، مناطق للتجارة الحرة لا وجود فيها لحقوق إنسان ولا لحقوق مواطنة أو حقوق اجتماعية واقتصادية للفلاحين والعمال. وبسبب المأزق الذي تعيشه اقتصاديات العديد من الدول النامية، يتم الاجهاز على الحقوق الاجتماعية أكثر فأكثر، من أجل جلب الاستثمارات الأجنبية والدفع بالنمو الاقتصادي.
ولهذا فنحن لا نحتاج فقط إلى تنظيم أكثر قوة للأسواق المالية ومراقبة أكثر صرامة، حتى تحترم مراكز النمو والتجارة الحرة قانون العمل العالمي وحقوق الإنسان والبيئة، بل نحتاج إلى إعادة تفكير بالعدالة التوزيعية على مستوى العالم. ولتحقيق ذلك يتوجب علينا أن نعيد تشكيل خارطة العالم في رؤوسنا بشكل يجعلنا لا ننظر إلى التبعية المتبادلة في قضايا الاقتصاد والبيئة كحقبة مؤقتة في تاريخ الشعوب، ولكن كأساس حاسم تقوم عليه الحداثة، وكتاريخ إنساني عالمي. وبلغة أخرى يتوجب علينا أن نعي هذه التبعية العالمية التي أدركها كانط بمعرفته المحدودة في القرن الثامن عشر.
 
 

حدود «الشعب»

التصور الكوسموبوليتي يتطلب منا أيضا إعادة النظر بمشكل الحدود داخل نظرية الديمقراطية، والذي يصطلح عليه أيضا مشكل تكون الشعب. فبينما استعمر الغرب في القرن الثامن عشر بقية العالم، فإن «بقية» العالم اليوم أصبحت في مركز الأحداث: الهجرة تتبع نماذج انزياحات متوقعة بين المركز والأطراف. وهو ما يعني أن حدود شعب ما، كما هي معطاة تاريخيا، لا يمكن أن تستمر على حالها. فنماذج الهجرة المعولمة ـ والتغييرات المستمرة التي تخضع لها، تظهر بوضوح، بأن الشعوب عبر التاريخ تكونت وما برحت تتكون من جديد.

أريد هنا أن أستشهد برأي زميلي روبرت دال من جامعة يال، الذي كتب يقول: “إن قضية اتخاذ القرار بشأن أي الأشخاص ينتمون بشكل شرعي إلى شعب ما )…( وانطلاقا من ذلك يحكمون أنفسهم في ظل جماعة ما، هي قضية منسية من طرف كل الفلاسفة الكبار الذين كتبوا حول الديمقراطية. وأعتقد أن ذلك يعود إلى أنهم اعتبروه أمرا بديهيا أن الشعب قد تكون )…( وأن الدولة هي ما هي عليه، وأن الدولة الأمة هي ما صنعه التاريخ بها، الأثينيون هم الأثينيون والكورنث هم الكورنث واليونانيون هم اليونانيون“.

لكن مع ذلك لا يوجد إجراء ديمقراطي يسمح باتخاذ قرار ديمقراطي حول من يتوجب أن ينتمي إلى الشعب ومن لا، لأن مثل هذا القرار يتضمن بدءا التفريق بين من يحق لهم اتخاذ القرار وأولئك الذين لا ينتمون إلى الشعب. إننا نقف أمام مأزق لا مهرب منه. ورغم أنه لا يمكن تجنب هذا المشكل المنطقي، إلا أن هناك حلولا لمشكلة تشكل الشعب، أكثر عدالة وأكثر ذكاء من غيرها. ولهذا فإنه ينتمي، لا غرو ، في زمننا إلى التصور الكوسموبوليتي واجب أن لا تتم معاملة الضيف كضيف ولكن كشخص يمكنه أن يصبح مواطنا أو عضوا في المجتمع، أو في لغة هابرماس، يصبح في زمن العولمة «إشراك الآخر» واجبا من واجبات المجتمع المدني العالمي، الذي لا يقف عند حدود قومية.

 

محاضرة ألقتها الكاتبة في مؤتمر حزب الخضر الألماني في إطار فعالية „الذكرى الستون للدستور الألماني ـ دعم أسس الحرية“. ونشر النص لأول مرة في مجلة: Blätter für deutsche und internationale Politik, 6/2009

موقع "حريات": http://www.hurriyatsudan.com/?p=173430
سيلا بن حبيب
أكاديمية تركية أستاذة العلوم السياسية في جامعة يال الأمريكية.

ترجمة : رشيد بوطيب