"السّؤال وحدَه يُمكن ان يُجنِّبنا الخوف، إن لَم نقُل أنّه وحدَه يعبِّر عن مخاوفِنا".

أقصد بالخوف هنا: الخوف من ذواتِنا ومن حقِيقتنا، والخوف من أن يكتشِفنا الآخرُون، والخوف من المستقبل، فمع الخوف الذي يبدو طبيعياً وعادياً جداً، يتولّدُ التّفكِير من حيث إن التفكير هو السِّر الذي يكمُن خلف كل وعي شقي يرُوم التطّلُع الى مستقبلٍ أفضل. لأن نزعَ الخوف لا يتم إلا من خلال الثِّقة في الذَّات لأنها هي من يصنع الحياة بمحبتها وعشقها. 

تروم هذه المقالة بيان مفهومين محوريين لتأكِيد الحاجَة إلى حداثة غير منقوصة وإلى تواصُلٍ حقيقي غير مُشوّهٍ، يتعلق المفهوم الأول ب "العُنف الكبِير" الذي اخترق تاريخ البشريّة بما هو تاريخ صراع مستمر، ويتعلق الثاني ب "التّنوير" كأفُقٍ مُمكِنٍ وكمطلبٍ مُلحٍ لا نقبل التنازل عنه مهما كانت الظروف.

1 – "العنف الكبير": تجلٍّ لشرٍّ جذرِي وتافِه

أستعمل مفهوم "العنف الكبير" للإشارة إلى ذلك التاريخ الطويل من حياة الإنسانيّة، حيث تم التضحيّة بمئات الملايّين من البشر مُقابل فهمٍ مُعيّنٍ للسُّلطَة، ومقابل ازدراءٍ بالآخر المختلف والمغاير، واستخفافٍ بقيمة الثّقافات الأخرى. لقد جرب البشر مختلف أنواع العنف، إلى أن بلغ الأمر ما بلغه اليوم من انتشار واسع وجماهيري لأدوات فتاكة جداً يصعُب التَّحكُم في تداولِها وفي تجارتها بمبرر ضمان السلم، في حين أن السلم ما هو إلا حرب خفية غير معلنة.

تبدو الحضارة اليوم كوحشٍ يبتلِع كل شيء، وحشٌ مُفترسٌ إلى أقصى الحدود فأمام التحكم الكلياني في شتى مناحي الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسيّاسيّة، تتعزّزُ المُمانَعةُ والرفضُ والشّجبُ والمُقاومَةُ، مُقاومَةُ كُلِّ أشكالِ التَّسلُّطِ تحت أي مُسمّى، ورفضُ وشجبُ تنمِيط الوجود الفردي والجماعي، والمُمانَعة اتجاه التيّار السَّلفِي الرِّجعي الذي يلجأُ إلى العنف كغاية في ذاتِه، وهو ما يعبر عن ضُعفٍ كبيرٍ لهذه التيّارات وعن فشلِها في إقناع الشّعوب بمشروعِها المَاضوي والمُحافِظ. هكذا يتحول العنف من وسيلة لتحقيق أهداف سيّاسيّة معيّنة إلى غاية في ذاته، حصد أرواح الأبرياء والأحرار الذين لم يصدر عنهم يوما عنفا لأنه لم يكن من اختياراتهم، فالأحرار الذين يتوقون إلى التّنوير والتحرّر كانت الكلمة سلاحهم دوماً.

لم يكن تاريخ الحضارة البشريّة تاريخاً سَلِساً تمت فيه الانتقالات بشكل سِلمِي، بل كان تاريخ عُنفٍ مريرٍ وبهذا اقترن العنف بتاريخ الثورات السيَاسيَة، فالعنف يسبق كل ثورةٍ ويعقُبُها في الآن ذاته. مما يقودنا إلى التأكِيد على التّداخل بين مفهوم العنف ومفهوم القُّوة ومفهوم السُّلطة. ولأن لكل مفهوم من هاته المفاهيم دلالته الخاصة بحسب السياق التاريخي، فإن "العنف الكبير" هنا يراد به ليس وفقط العنف في شكله السيّاسي والدّيني، وإنما العنف الشّامِل كما تَجسّد في تاريخ البشريّة، فمنذ المأساة الأنطولوجيّة الأولى والمقترنة ب "الخطيئة الأولى" في المسيحيّة أي خطيئة آدام الكبرى والتي أعقبها عنف مستتر اتخذ مشروعيّتهُ الرّمزيّة والتاريخيّة والقُدسيّة من اقتتال قابِيل وهابِيل، ومن هنا ارتبطت أسطورة البدء أول الأمر بمشكلة الخطيئة الأولى أو مشكلة "السقوط / الوقوع".

وارتبطت فكرة البداية (بداية الخلق) ثانياًبمشكلة "الصُّعود أو النَجاة" (صعود المسيح)، وهي الفكرة التي ظل الفكر الفلسفي بعيداً عنها طوال القرون الوسطى نتيجة سيطرَة وهيمَنة الكنيسَة على المجتمع وتحكُّمهَا الكُليّاني في السُّلطة السيّاسيّة وكل مؤسسات انتاج الفِكر. 

وترتبط فكرة البداية ثالثاً بمشكلة الإنسان ذاته، أي بمصيره وهو يتأرجح بين الخطيئة الأولى (الوقوع) وبين الصعود (نجاة المسيح)، فالإنسان هنا أمام شر الوقوع في الخطيئة وخير النجاة منها.

إذا كان آدم هو سبب الشّر الذي أصاب الانسانيّة لأنه أخطأ، فإن البشر يولد بحسب كانط وهو يحمل في طبيعته شراً دون أن يكون الشّر هنا بيولوجياً أو متوارثاً أباً عن جد كما تقول التفسيرات الدينية، أي يحمل معه خطيئتَه الأصليّة التي لازمته طوال حياته لأن الخلاص لا يوجد على الأرض بل في الاخرة: وبهذا سيكون الله هو المسؤول عن الخطيئة. لأن آدم ارتكب الخطيئة ليس بموجب إرادتِه أو استعمالاً لحريّته، لأن العقل لم يتشكل بعد أو بعبارة كانط تاريخ العقل لم يبدأ بعد، هكذا وقع آدم في الغِواية فبِموجب قرار غير إرادي / غير بشري يكون آدم قد خالف القانون الإلهي من خلال أكله من شجرة الشّر. 

لا تخلو أيّة ديانة سماويّة من أثر الخطِيئة الأولى. وبالنظر إلى حيز هذه الكلمة سأكتفي باستعارة مفهومين أساسيّين على آمل أن يعبرا عن عمق سؤال "العنف الكبير" في تراث البشريّة جمعاء، يتعلق الأول بالمفهوم الكانطي :"الشّر الجِذري" le mal radicale، ويتعلق الثاني بمفهوم هنة آرندت: "الشّر التَافه" (تفاهة الشّر La banalité du mal). ففي الوقت الذي اتجه فيه كانط  E. Kantنحو بناء نَسقٍ سيّاسي أخلاقي ينسجِم ومتطلبات عصر التّنوير، حاولت هنة آرندت  H. Arendtأن تنظر إلى سؤال الشّر من زاوية سيّاسيّة محضة، بحيث أن أفعال الشّر المعاصرة تعود إلى جملة عوامل سيّاسيّة، تفسّرها من جهة بالتصحُّر الذي سبّبته التوتاليتاريا، وبغياب التفكير من جهة أخرى، فإيخمان  Eichman A.  الذي وقف أمام المحكمة ببرودة أعصاب، ليس، كما يظن البعض، شريراّ شيطانياّ أو شبحاّ أحمقاّ، وإنما هو رجُل عادي يقوم بالمهام التي يقدّسها أشدّ التّقديس، ومن هنا جاء مفهوم آرندت الذي قلب المعادلة: التفاهة (تفاهة الشّر La banalité du mal)، بديلا لمفهوم الجذريّة الكانطي la radicalité. وقفت الفيلسوفة المشاغبة تتأمل حركات ايخمان وهو في قفص الاتهام وقد اثار انتباهها عفويته ولا مبالاته اتجاه ما نُسِب إليه، هنا صرخت مستهزِئة: إنه رجلٌ عادي جداً أتقن بجدارة القيام بواجِبه الأخلاقِي والقانوني أكثر مما أتقنه واضعه (في إشارة إلى كانط).  

عمل كانط في مقالته حول الشّر الجذري في الطبيعة البشريّة، على بيان أن "الإنسان شرّيرٌ بطبعِه"، ولكن ليس بالمعنى الذي يورده هوبز، أي أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وإنما لأنه يتضمن في طبيعته ميلاً نحو الشّر، وهو شرٌّ جذري لأنه يُفسد أساس كل القواعد الأخلاقية[1]، وهو كونِي يتعلق بكل النوع البشري، ويمتد إلى المؤسسات الدّينيّة، ولكن هذه الجذريّة الكانطيّة لا تعني أن الشّر مطلق، ببساطة لأنه لا يلغي امكانيّة فعل الخير، وهو ما يمكن أن نلخصه في أن:

ü       الشّر يوجد في كُنه الطبيعة البشريّة، وليس في أعراضِها أو لواحِقِها مما يجعله مبدأ فطرياً حيث ينشأ الفرد معه منذ ولادتِه؛

ü       الشّر عامٌ يشمَل كل النّاس أي كل النّوع البشري ولا يمكن أن يستثنى منه أحد مهما بلغت درجة كمالِه؛

ü       يصيب الشّر بفعله التخريبي الأساس العميق لكل القواعد الأخلاقيّة، لكن دون أن يكون قادرا على إبادة إرادة فعل الخير لأنها أيضا جذريّة في الإنسان إن لم تكن أكثر جذريّة من الشّر لأنها توجد في ماهيته، بينما الشّر لا يوجد في ماهيّة الفرد وإنما في طبعه فقط؛

ü       لا تعني جذرية الشّر أنه قدري أو أزلي أو وراثي، لأن من شأن ذلك أن يلغي مسؤوليّة الانسان؛

ü       امتد الشّر الجذري ليشمل المؤسسات الدينية (الكنيسة) والتي يفترض أنها تقوم على رعاية الخير حيث تحول الكنيسة الوسيلة إلى غاية وتصبح العبادة وممارسة الشعائر هي القصد الأول والأخير.

 وفي تأمل لما أورده كانط في تحليله لماهيّة الشّر الجذري، وللقدسيّة التي حضيّ بها هذا "العنف الكبير" والذي لم تسلم منه المؤسسات الدينيّة أيضاً، يتوجبُ علينا التساؤل: هل من تبرير مقنع للجرائم التي ارتكبتها الحركات الإسلاميّة في تاريخنا القديم والحديث؟ هل يستند المجرمون على تبريرات دينية لفعل وارتكاب أعمالِهم الإجرامية في حق مناضلين ومثقفين تملكوا الشّجاعة في قول الحَقِيقة؟ 

وعلى العكس من تحليل كانط ترى هنة آرندت أنه ليس ثمة من شرّ في الطبيعة البشريّة، لأن هذه الفكرة لاهوتية في الأساس (وعلى الأخص اللاهوت المسيحي الذي ينسب فعل الشّر إلى غواية الشّيطان)، ولكن ثمة شرٌّ تافهٌ يجول في العالم كجرثومة قد تنتعش في كل مكان تجد فيها ظروفاً ملائمة للسّلطة التوتاليتارية. ولهذا تقول ارندت: "أعتقد صراحة أن الشّر لم يكن راديكالياً أبداً، وإنما فقط شرٌّ إلى أقصى حد"[2].

لم تسائل آرندت تاريخ الغرب كتاريخ لنسيان الوجود كما فعل هايدجر ولا باعتباره تاريخ قلب الأفلاطونيّة، بل باعتباره تاريخاً تبلور فيه نِسيان الماهيّة السيّاسيّة للإنسان، لأن صعود الأنظمة التوتاليتارية شكل بالنسبة لها ظاهرة جديدة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانيًة حيث تقول: "إن هذه الأزمة التي اتضحت معالمها منذ بداية القرن، إنما هي أزمة ذات أصل وطبيعة سيّاسيّة. فتصاعد الحركات السيّاسيّة الراميّة إلى الحلول محل نظام الأحزاب، وتطور شكل توتاليتاري جديد لممارسة الحكم، انما يقف خلفه انهيار، تختلف درجة عموميّتِه ومأساويّتِه لكل السُّلطات التقليديّة"[3].

تنطلق آرنت في مقدمة كتابها "حياة الفكر" من سؤال في غاية الأهميّة لمقاربة نقدها للشّر الجِذري، ويتعلق الأمر بما اذا كانت مشكلة الشّر والخير أو ملكة تميِّز ما هو خيّر مما هو سيء متصلة (أو ذات علاقة) بملكة تفكيرنا[4]. بغية بيان أن ملكة الحكم لا تنفصل بتاتا عن ملكة التفكير، وهو الأمر الذي يتعارض وتحليل كانط في "نقد ملكة الحكم" وفي "نقد العقل العملي"، حيث الإرادة سابقة على كل تفكير، مما قاده الى اعتبار الخطيئة تعبير عن غياب العقل لأنه لم يتشكل بعد، أي أن الفعل هنا خارج أيّة مسؤوليّة، لأن هذه الأخيرة لا تحضر إلا بحضور ملكة التفكير. وبذلك يظل الحكم كيفما كان نوعه مرتبطاً أساساً بالمنفعة المبتغاة منه وخاصة في الأحكام الذاتيّة، وهذا ما نجد فيه تناقضا حول طبيعة الحكم (وتحديدا الحكم الجمالي: فكيف يتحقق مبدأ النفعية في الاحكام الذاتية ويغيب في الاحكام الموضوعية؟). إذا كان الحكم الكانطي (وأساسا الذاتي) مرتبطا بالمنفعة فإن التفكير لا تحكمه أية غائية، لأن التفكير بحسب آرندت هو شيء في ذاته لذلك تقصد بغياب الفكر، أو غياب التفكير نشاط الفكر في ذاته[5]، أي أن القصد الأول والنهائي ليس هو نسيان الطريقة – الشكل، ولا نوعا من الغباء / البلادة وإنما غياب القدرة على الفهم[6]، ولا نوعا من الاستيلاب الأخلاقي، بل هذا النشاط الذاتي للفكر بما هو فكر أي القدرة على الفحص التي وحدها قادرة على أن تجنبنا الشّر[7].    

وقفت آرندت بدقة في كتابها "أسس التوتاليتارية" على الجذور والأصول التي نجدها في طبيعة العلاقة بين الحركات الايديولوجيّة والسيّاسيّة التي ولّدتها ثورات القرن العشرين وما أدت إليه من تعميم كُلّي للعنف، حيث صار العالم منظوراً إليه وكأنه حلبة صراع مفتوحة للأبد على كل المآسي التي تسببت فيها الحروب الشاملة[8]. فولادة النازية جاءت من صلب الحركات الجماهيريّة الفاقِدة لوعيها التاريخي والتي آمنت بأن ممارسة العنف أمر عاد جداً حيث تقول: "لقد كان النازيون على قناعة بأن الشّر يمارس في عصرنا قوة جذب مرضية"[9]، و"نقطة تقاسمهم اياها الدعاية الشيّوعيّة في روسيا وفي الخارج"[10]. فلا يمكن أن نتصور هنا الحركات التوتاليتارية دون جيوش مجندة تنفذ كل ما يأمر به القادة باسم الحزب أو الطبقة، وتلك هي حالة ايخمان: رجل فقد وعيه وكل احساسه بالآخر، ولا يستطيع أن يفكر حتى في كيف يتألم الغير، حيث تقول: "إن افتتان الدهماء بالشّر والجريمة افتتانا أكيدا ليس بالأمر الجديد. إذ لطالما تبث أن الرعاع يرحبون "بأعمال العنف قائلين بإعجاب: لئن كان ذلك جميل، فإنه بالغ القوة بالتأكيد"[11]، أي أن أنصار التوتاليتارية النازية والشيوعية الستالينية لا يدركون حتى ما يمكن أن يلحق بهم، فقبول العنف لا يكون اتجاه العدو المفترض أو الضحية، بل يكون أيضا حتى اتجاه الآخرين من نفس الطينة، فالأهم في سيرورة التوتاليتارية - تقول آرنت - "هو اللامبالاة الصادقة التي تلازم المنضوين في لوائها: لئن كان ممكنا أن يقدر المرء عدم اهتزاز قناعات النازي أو البولشفي حين ترتكب الجرائم في حق أناس لا ينتمون إلى الحركة موضوع التآمر المزعوم، أو يكونوا أعداء لها، فإنه لمن المذهل ألا يرف له جفن حين يشرع الغول في افتراس أبنائه، وحين يصير هو نفسه ضحية الاضطهاد، وحتى في حال أدين ظلما، أو طرد من الحزب وسيق إلى الأشغال الشاقة أو إلى معسكر اعتقال. إنما العكس يصح فيه، إذ يحدث، إزاء ذهول العالم المتمدن، أن يكون مستعدا إعانة متهميه ولأن يلفظ بنفسه حكم إعدامه، شرط ألا يمس مركز عضويته في الحركة"[12]. فقد تصرف أنصار التوتاليتارية من عامة الشعب (الرعاع بلغة آرنت) عميانا، يهرعون إلى العنف بكل أشكاله للانتقام من أوضاع لم يصنعوها بأنفسه، حيث صار الانتقام أمرا لا مفر منه غدّته نزعة رفض الغير، التي أدمجت الأنصار في الجماعة، هذه الأخيرة ولدت لدى أفرادها سيكولوجية خاصة تغذيها الحملات الدعائية الموجهة للمجتمع ككل، وهو الأمر الذي تنبأ به غوستاف لوبون G, le bon في سيكولوجية الجماهير وفرويد Freud ، حيث نقرأ في سيكولوجية الجماهير: "على أية أفكار أساسية سوف تنهض المجتمعات المقبلة التي ستخلف مجتمعاتنا؟ إننا لا نزال نجهل ذلك حتى الآن. ولكننا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن بأنه ينبغي عليها أن تحسب الحساب فيما يخص بنيتها وتنظيمها لقوة جديدة تمثل آخر سيادة تظهر في العصر الحديث: إنها قوة الجماهير وجبروتها... إننا نجد أن نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء. وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار. إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل عصر الجماهير"[13]. لقد كتب لوبون (1841-1931) هذا في سنة 1895، وعاصر طبعا ما كان يتحدث عنه خلال الحرب العالمية الأولى ثم الثورة الروسية والأزمة الاقتصادية سنة 1929. وهكذا أمكننا بحق القول أن "عصر الجماهير" هذا قد تولد في مجتمعاتنا مباشرة بعد انتفاضة وتمردات الشعوب في العالم العربي منذ 2011، ومما لا شك فيه أن هذا العصر لن ينتهي بسهولة كما لا يمكن أن تشفى منه الشعوب المتضررة بل سيستمر في فتك الدماء واضطهاد الأقليات وإبادتها.  

يستوجب قلب المعادلة من الشّر الجذري الى الشّر التافه – في نظر آرندت - تغيير النيّة التي تحدث عنها كانط كأساس ذاتي لفعل الخير أو الشّر، إلى النية كأساس ذاتي للتفكير، لأن غياب التفكير وغياب الفكر الذي لا تؤمن به التوتاليتاريّة (يمكن أن نسميه مع التفكيكيّة الاختلاف والاقرار بالتعدد وبالحوار التشاركي)، هو سبب الشّر. ولهذا يتوجب أن نغير طريقة تفكيرنا نحو الخيّر دوماً.

فالشّر في نظر آرندت لا يعود سببه إلى الفاعل الذي تحول إلى مجرد وسيلة – آلة ميكانيكية – لتنفيذ سياسة عنصريّة تقوم على الرفض وعلى معارضة الآخر ولا تعترف باقتسام الأرض مع من يستوطنها، إنه حالة غيابٍ للاعتِراف بالغير وغياب الإيمان بالتشارك مع الآخر. هذه السيّاسة التسلطيّة التي تقوم على القوة والعنف، لا يمكنها أن تؤسس لسلام ولفعلٍ حرٍّ مبني على تفكير عقلانِي لدوام الخير الأصلح للناس. لذا فالعنف لا ينجم عنه إلا عنف مضاد، وكان من المفروض ألا يحاكم ايخمان باعتباره مجرما قام بفعل لا أخلاقي، وإنما يتوجب الاعتراف أنه ليس مذنبا بقدر ذنب النظام السياسي النازي الذي يمثله، وهكذا كان يكفي الاعتراف بأنه ارتكب جرماً في حق الإنسانيّة وأنه يتوجب أن يحاكم بقانون آخر غير القانون الذي صار هو نفسه منبع الشّر. إننا نشهد اليوم في واقعنا على جرائم مأساويّة حقيقيّة أشبه بما ارتكبته النازيّة والستالينية. 

2 – "العنف الكبير": تجلٍّ لزواج الأصوليّات

يتعلق الأمر هنا بمفهوم لا يقل أهمية عن مفهوم "العنف الكبير"، إن لم نقل أنه أحد تجليّاتِه الأعمق. لقد وظّف المفكر الأبرز طارق علي مفهوم صراع الأصوليّات في إشارة إلى التناقض الرئيسي الذي واجه الإمبرياليّات في عالم اليوم، فأمام حدّة الصراع الإمبريالي اتجاه اقتسام ثروات العالم انتبه طارق علي إلى أن جيوشاً مقهورة في العالم الثالث سيتم شحنُها وتجيّشُها يوماً ما للرّد على مفارقة الوجود اليومي لملايين الناس، ذلك أن اتساع هوة الاستِبعاد الاجتماعي إلى أقصى الحدود لا يمكن أن يستسِيغهُ أحد، معتبراً أن الصراع اليوم قد تحول من صراع بين المعسكرين: الشرقي والغربي، إلى صراع بين المعسكر الواحد وأبنائه. لقد خلقت أمريكا تنظيم القاعدة لمواجهة زحف الاتحاد السوفياتي على آسيا الصغرى وأوروبا الشّرقية، وسرعان ما تولت القاعدة بعد بداية انهيار المعسكر الشّرقي إلى قوة مجابهة لمصالح أمريكا. وهو ما قاد المفكر الباكستاني إلى تبني أطروحة صراع الأصوليات ويقصد: أصوليّة الرأسماليّة وأصوليّة الحركات الإسلاميّة، وتعزز تبني هذا المفهوم بعد أحداث 11 شتنبر 2001، حيث ظهر ما يؤشر على صحة الأطروحة التي وجدت لها صدى في تحليلات جلبير الأشقر ونعوم تشومسكي.

نعتقد أن الأمر لا يتعلق بصراع الأصوليّات بل بزواج الأصوليّات، لأن طبيعة الحركات الأصوليّة في العالم الإسلامي لا تناقض البتة طبيعة الرأسماليّة، وأكثر من ذلك أن الأصوليّة الإسلاميّة تماهت مع "اقتصاد الريع: أو رأسمالية المحاسيب"[14]« capitalisme de connivence »  . وتألفت مع الاستبداد السيّاسي خدمة لأهدافها[15]، ومن الصعوبة ضبط شبكة التعقيدات والتداخلات بين رأسماليي السلفيّة في الوطن العربي ورأسماليي الجيش والطغمة الحاكمة. لكننا في المقابل نسمع عن تورط بعض الأنظمة السيّاسيّة في تمويل بعض الحركات المتطرفة: فهل وراء هذا التمويل شيء آخر غير زواج المصالح؟ لا يتعلق الامر بأنظمة سيّاسيّة ديمقراطيّة، وإنما بأنظمة استبداديّة محافظة وأصوليّة بطبيعتها وترعى حركات تسيِّيس الدّين للحفاظ على مصالحها. 

تستعمل معظم الدُّولِ العربيَّة الدِّين كعقيدةٍ رسميَّةٍ للمجتمع والدولة معاَ، رغم وجود أقليَّات دِينيَّة أخرى، لا تُشكِلُ في الحقيقة أغلبيَّة هاته المجتمعات ولكنها تتعايشُ مع المسلمين كمكتسبٍ تاريخي. وتأخذ في الوقت نفسه من الديمقراطية الجانب المؤسسي فقط المرتبط بالاقتراع العام (الصناديق الانتخابية) دون الجوانب الأخرى التي تؤسس لأي نظام ديمقراطي. 

إذا كان الدِّين الإسلامي الدِّين الرَّسمي للدُّول العَربيَّة فهذا لا يعني التماثُل المُطلق بين طبيعة العلاقات القائمة بين السُّلطة السيَّاسيَّة والمجتمع أو الجماعات الدِّينيَّة. بحيث تم دمج الدِّين في الحياة السيَّاسيَّة كشرطِ ضروري ولا غنى عنه، وهو أمر يعود الى التاريخ السياسي لهذه المجتمعات لتظهر الأنظمة السياسية مُحايدة في مُختلف القَضايا التي يُمكِن أن تُثير مُعارَضة دينيَّة مُحتَملَة. إلاَّ أنه على الرغم من هذا الإقرار الدُّستوري للدِّين الإسلامي كعقيدةٍ رسميَّةٍ، فإن سيرورة التحديث المفروضة من الخارج والمَدعومة من طرف أقليَّة محدودةٍ جداً في هذه المجتمعات، أدَّت إلى عَلمَنَة بعض القطاعات أو السيَّاسات من خلال الاعتِراف بالحريَّة النِسبيَّة في مجال الحقوق والأجوال الشَّخصيَّة لتدبير المجال الفردي أو الفضاء الخصوصي. 

ليست بعد هذه المجتمعات في مستوى حسم الخيَّارات الاستراتيجيَّة بخصوص السُّلطة الدِّينيَّة، لأن السُّلطة السيَّاسيَّة فيها تُوظِّفُ الحقل الدِّيني وتتحَكَّم فيه بشكلٍ مُطلق خِدمةٍ لأهدافِها وأغراضِها السيَّاسيَّة، بل أكثر من ذلك فإن السُّلطة السيَّاسيَّة تنحازُ لتيارٍ ديني إيديولوجي مُعين اتجاه تيَّارات دينيَّة أخرى، حيث نجِد دولاً شيعيَّة وأخرى سُنيَّة، فوضع الأقليَّات الدِّينيَّة في بعضِ الدُّول مأزومٌ ويَجري تَعرضُها الدَائم والمُستمر للاضطِهاد والإقصَاء، فكيف لنا أن نُناقِش مَبادئ العَدَالة السيَّاسيَّة ونحن في مجتمع غير ديمقراطي؟ هل يَكمُنُ المُشكِل في الدِّيمقراطيَّة؟ ليست الديمقراطيَّة مجرد قواعد ومبادئ نظريَّة جاهِزة، وليست مجرد اختيار، بل هي ممارسة فعلية. هل يمكن اعتبار دولةٍ من هذه الدُّول مُحَايدَةً اتجاه الدِّين؟ كيف تتدخلُ السُّلط السيَّاسيَّة في تدبِير الشَّأن الدِّيني؟ هل هناك حَدٌ فَاصِلٌ بين السُّلط السيَّاسيَّة والدِّين؟ 

ليست الدّول العربيَّة بعد في مستوى الدّول الوطنيَّة التي تتمتع باستِقلاليَّةٍ في التسيِّير والتَدبِير؛ بحيث أن التبعيَّة للغرب لا تَزالُ قائِمةً في أشَكالِها الفَاقِعة، فبِمبرر دَعم التنميَّة والدَّفع بهذه البُلدان نحو التَّقدم والنمو يتم فَرضُ تبعيَّةٍ سيَّاسيَّة بآليَّة المديونيَّة التي تُدِيم نفس العلاقات الاجتماعيَّة وتُحافِظ على إعادة إنتاج نفس العلاقات.  

هل يتم الاعتراف بالحق في الاختلاف الدِّيني وفي الاعتقاد الحر؟ هل يُمكِن لمُواطِنٍ أن يكون غير مُسلمٍ؟

إذا كان خيار احترام التعددية الثقافية والتعددية اللغوية والاقرار بالتعددية الدينية قد فرض نفسه في الغرب أمام الحضور القوي للجماعات الدينية في الفضاء العمومي السياسي، فإن مجتمعاتنا الحالية لم تطرح هذا الخيار حتى، وبالتالي فإن خيار المجتمع ما بعد العلماني، لن يزيدنا إلا تخلفا وعودة إلى الوراء. صحيح أن هابرماس لم يخفي دور الرأسمالية والعولمة النيوليبرالية في تنامي الأصولية والتقوقع الديني والطائفي ولكنه في المقابل لم يذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى نفي سبب الأسباب، بل يكتفي فقط بالبحث عن مخرج للرأسمالية لإخفاء مسؤوليتها.

إذا كانت العلمانية تعتبر أن الدين شأنٌ فرديٌّ مَحض، فذلك لِكون مجال الحريّة ليس واحداً ولا متماثلاً البتّة. فالحرية الجماعيّة في الفضاء العمومي شرطٌ من شروط العلاقات بين الأفراد في المجتمع كشأنٍ عام، في حين أن الحرية الفرديّة في المجال الخاص هي شرطٌ من شروط العلاقة بين الفرد ونفسه كشأنٍ خاص. وهذا التضارب المفترض بين المجال العام والمجال الخاص، هو أحد الأُسس التي تقُوم عليها العلمانية لضمان التعايش بين الأفراد المختلفين دينياً وعقدياُ واجتماعياُ، ولكنه في الآن ذاته أساسُ التوازن النفسي والوجداني للفرد الذي يُعتبر قِوام الديمقراطيّة وعمود المجتمع، يتم تمتيعه بالاستقلالية والحرية كأساسٍ من أُسُسِ العقل، لضمان استمراريّة الاجتماع البشري...

إذا كان هابرماس ينظر إلى الحداثة الغربية على أنها مشروع لم يكتمل بعد، فإن مشروع الحداثة كمشروع تحمله قوى سياسية ومجتمعية وتدافع عنه في مجتمعاتنا لم يولد بعد. ولكن رغم ذلك فهناك سيرورة تحديث سياسي واجتماعي - على حساب ملايين الجماهير - تقوده المؤسسات الدولية التي تطمح إلى اظهار الأنظمة السياسية في هذه المجتمعات بمظهر الأنظمة التي تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، بين التقليد والتحديث، ولكن هل هي حقا قوى حداثية؟ مما لا شك فيه أن الارتكاز على الدين كقوة للحكم وكركيزة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، يمثل بحق العائق الأكبر أمام التحديث، والعائق الأكبر أمام الاندماج في المجتمع العالمي، ومسايرة التطور التاريخي للبشرية.

تنامى في العالم العربي في العقود الأخيرة خطاب رنان يتردد على المسامع: ما جدوى العلمانية أمام تجاوز الغرب لهذا المفهوم؟ ويتوخون من وراء ذلك حجب التسلط الديني و السياسي الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة؟

توالت الدعوات إلى ضرورة إعادة النظر في دنونة الحياة بمبرر أن الغرب الذي يمثل الأب الشّرعي للعلمانية ينادي بضرورة تجاوزها، وهو مبرر لا سند تاريخي له: بحيث أن الحداثة الغربية في صورتها الليبرالية لم تكن إلا نتيجة مسيرة العلمنة / الدنونة التي دشنها الأنوار منذ القرن السابع عشر والثامن عشر؛ وفي الآن ذاته فإن سيرورة العلمنة لا تعني فقط الفصل بين الدولة والكنيسة، وإنما الإقرار بالديمقراطية أولاً وأخيراً عبر بناء المؤسسات السياسية الحديثة التي تضمن حقوق المواطنين الأساسية والثانوية، فكيف لنا أن نختزل عملية التحديث فقط في الفصل بين الدولة والدين؟ صحيح أن الاستعمال الأول لمفهوم العلمانية كان في البداية استعمالاَ قانونياً تم بموجبه نقل تركة الكنيسة إلى الدولة، ولكنه توسع ليشمل السلطة السياسية، بحيث لم يعد بموجب الحاكم المنتخب أو غير المنتخب الاستناد إلى سلطة سماوية لإضفاء المشروعية على حكمه أو ممارسته السياسية، وإنما يستند على تصوره للخدمة العمومية وللتسيير المدني لحشد الشّرعية السياسية، رغم أن بعض الحكام حتى في الدول الديمقراطية تجعل من الكنيسة سنداَ لها في تصريف الخطاب السياسي والإيديولوجي وفي الحملات الانتخابية، وفي ضبط الحشود واغوائها، إلا أن هذا لا يمثل بأي حال وضع مجتمعاتنا ما قبل العلمانية. فالسلطة السياسية في المجتمعات العربية تحتكر كل المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وتستحوذ على قسط كبير من الثروات المادية والرمزية بفضل موقعها السياسي، وتحكم باسم الدين، وحتى بعض الأنظمة التي ارتكزت على السلطة العسكرية والشّرطة بكل أنواعها، إنما تضع لوبيات الدين ومحتكري الخطاب باسم الدين إلى جانبها وتستعملهم في التعمية والتمويه خدمة لمصالحها، هكذا يمثل الدين عندنا ايديولوجية رسمية تجده في وسائل الاعلام وفي جل مؤسسات الدولة حاضراَ بقوة، بالقدر الذي تجه حاضراَ في العلاقات الاجتماعية. لذلك يبدو لنا من اللازم ومن الضرورة – ضرورة تاريخية - تفنيد هذا الخطاب الذي يشرعن للاستبداد والقمع خدمة لمصالح كمشة صغيرة من الاغنياء والمستحوذين على ثروات شعوبنا.

اتجهت النخب الدينية نحو تبرير التسلط والاستبداد السياسي، بمبرر الفرق بين الحضارة الغربية والحضارة العربية – الاسلامية مشرعة لخطاب ماضوي رجعي ينظر إلى الماضي بعيون الماضي، وليس بعيون المستقبل. وهي تبتغي من وراء ذلك بيان أن الماضي الذهبي للحضارة الإسلامية إنما جاء نتيجة الحكم باسم الدين. في حين أن الازدهار الثقافي والحضاري للعرب المسلمين في حقبة تاريخية ماضية إنما تم بفضل انفتاحهم على حضارات الغرب والشّرق معاَ. فحركة الترجمة والتأليف والتنظير العلمي جعل من هذه الأمة في زمنها الغابر حضارة بما في الكلمة من معنى، ولكنها مشروطة بسياقها.

3 – التّنوير كأفق:

ننطلق من مسلمة أن التّنوير لا ينتج عن مهادنة بين عقل عام تحكمه الدوكسا ويتغذى من الخرافة والشعوذة ويستغل الدين لخدمة أهدافه وبين عقل خاص تحكمه حركة التاريخ نحو التقدم الملموس، بل إن جوهر التّنوير هو الحرية: الحرية في استعمال العقل عمومياً ضد منابع الخرافة والشعوذة ومحاكم التفتيش، وهي الحرية التي لا يمكن أن يضمنها أي نظام ثيوقراطي او مستبد، وإنما نظام ديمقراطي يحتكم إلى المعرفة والعقل البشريين، ما دام الأمر يتعلق بتدبير الشأن العام وتدبير شؤون البشر أفراداً وجماعاتٍ. إن جوهر الديمقراطيّة هو التّحرر السيّاسي من الأصوليتين: الأصوليّة الدينيّة وأصوليّة الاستبداد السياسي. ولهذا نرى أن من مجالات هذا التحرر هو التربيّة والتعليم من منطلق أن تحرر الأمم تصنعه الشعوب وليس الأنظمة المحافظة والغارقة في الرجعيّة، ووحدها المقاومة والممانعة تسعفنا في مواجهة معارضي قدر التاريخ: الحداثة.

يمثل الإصلاح الديني شرطاً ضرورياً لقطيعة مع إرث أثقل شعوبنا لقرون عديدة، أي إصلاح يؤدي إلى علمنة المجتمع والدولة معاً. ومنه فإن خيار العلمانيّة لا مناص منه وهو ما لن يتأتى إلا بتوفر ثلاثة أسس تمثل القاعدة الماديّة لأي تحرر سيّاسي: 

1 – التقدم العلمي والتكنولوجي الذي شجع على فهم للعالم متمركز حول الإنسان ، حيث تتخذ الأحداث والوقائع تفسيراً سببياً، وحيث لا يمكن للعقل التّنويري والعلمي أن يتصالح مع رؤى العالم المتمركزة حول اللاهوت والميتافيزيقا.

2 – تحويل الدين إلى مسألة شخصيّة، عبر إبعاد المنظمات الدينيّة والكنائس عن السُّلطة والقانون والحياة العامّة والتربيّة والتعليم، لأن العقلنة تتأسس على الفرد متمتعاً باستقلاليّته وحريّته وكرامته.

3 – يقود الانتقال من المجتمع العقلاني إلى ما بعد الصناعي مروراً بالصناعي إلى رفاهية عالية وأمنٍ اجتماعي أفضل، وهو ما يعوِّض الحاجة إلى قوةٍ عليا أو كونيّة[16].

إذا كانت العلمانيّة في الغرب مكتسباً تاريخيّاً، أدت إليه جملة الشّروط أعلاه، فإننا لم نعرف بعد أي هزة علميّة وتكنولوجيّة أو أي فصل حقيقي بين الشأن الخصوصي والشأن العام، كما أنه لم تحدث لدينا بعد أية رفاهيّة حقيقيّة ما لم يتم التوزيع العادل للثروات التي تستحوذ عليها أقليّة وكمشة ممن يهيمنون على السلطة السيّاسيّة، وبناء عليه نرى أن الممانعة والصمود في وجه التوتاليتارية العمياء التي اجتاحتنا اليوم في العالم العربي وحده الكفيل بحقنا في الحريّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة والسلم الدائم.

على سبيل الختام:

يزداد ضحايا الاضطهاد الديني والسيّاسي في عالمنا يوماً عن يوم، مما يتوجّب معه عمليّاً ضرورة التميّيز بين النِقاش الفكري والمعرفي حول هذا العنف الأعمى وبين النقاش السيّاسي، لأن الضحايا وحدهم من لهم الحق في تقرير مآلهم ومصيرهم: وحدهم الضحايا من يقرر التسامح والمصالحة من عدمه. فهل يقبل الضحية بمصافحة الجلاد؟ الضحايا وحدهم قادرون على أتخاذ القرار. وبهذا أنهي كلامي بقولة بالغة لهنة آرندت: "إن محاولة إرضاء الأنظمة التوتاليتارية (الشمولية، الكليانية) تشبه في الواقع شخصاً يُطعم تمساحاً جائعاً آملاً في أن يكون هو نفسه آخر من يفترسه هذا التمساح".

 

 


[1] - E, Kant: Sur le mal radical dans la nature humaine, Traduction de : Frédéric Gain, Edition Rue d’Ulm/presse de l’école normale supérieure. Paris 2010. P 35.

[2] - Ce que je pense vraiment c’est que le mal n’est jamais radical, il est seulement extrême. Hannah Arendt, Eichmann à Jérusalem. Paris 1991, P 251.

[3] - la crise de la culutre, p 122.

[4] - « le problème et du bien et du mal, la faculté de distinguer ce qui est bien de ce qui mal, seraient-il en rapport avec notre faculté de penser ?,  Hanna Arendt, la vie de l’esprit, p 22.

[5] - « l’activité de penser en elle-même », la vie de l’esprit, p 22.

[6] - ibid, p 21.

[7] - ibid, p 22.

[8]  - تقدم أرندت في كتابها qu’est-ce que la politiqueتحليلا للحروب العالمية ولما وصل اليه الانسان من تقنيات حديثة علمية تستعمل في الحروب كالقنابل النووية التي استعملت في الحرب العالمية الثانية والتي دمرت في ثوان جزء من سطح الكوكب وتتساءل حول الجدوى من ذلك؟ وعن المصير الذي ينتظر البشرية مستقبلا. ص 124- 125. وتستعمل في الآن ذاته هذا المفهوم la guerre totaleالحرب الشاملة.

[9]  - أسس التوتاليتارية، مرجع سابق ص 32-33.

[10]  - نفسه، ص 33.

[11]  - نفسه ص 33.

[12]  - مرجع نفسه، ص 33.

[13] - غوستاف لوبون: "سيكولوجية الجماهير"، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الثانية 1997، ص 44.

[14] - يستعمل سمير أمين هذا المفهوم وهو ما يفيد عندنا في المغرب المحسوبية في إشارة الى استغلال الدولة من طرف العائلات أو العلاقات المادية والروابط القبلية خدمة لمصالح بعض الفئات.

[15]  - أنظر في هذا: جلبير الأشقر: "الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية"، ترجمة، عمر الشافعي،  دار الساقي، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 2014.

 

[16] - J. Habermas,  Qu’est-ce qu’une société « post-séculière » ?, le débat, N° 152, 2008/5, p. 4 – 15.