اللعب في الدوري الممتاز يتطلب كفاءة معينة ومهنية عالية.

 

تبدأ أكاديمية بولغار الإسلامية عملها، بعد عيد الأضحى، حيث يبدأ العام الدراسي الأول بين جدرانها. لا شك في أننا نعيش مرحلة مفصلية في تاريخ الإسلام في روسيا، لم يحدث شيء مماثل له من قبل.

لأول مرة في التاريخ، تنشأ في روسيا جامعة إسلامية برعاية رئيس الدولة، ولم يحصل هذا في أي مكان، وإنما في تترستان. إنه نجاح كبير يحتسب لقيادة جمهوريتنا بشكل عام، ولأول رئيس لجمهورية تترستان شخصيا، وهذا الحدث هو طبعا صفحة أخرى في تاريخ العلاقات بين المسلمين والدولة الروسية.

بهذا الحدث يتكلل انخراط المسلمين في جسد الدولة، بعد مشوار طويل يمتد لقرون من الزمن، ولم يكن هذا الطريق دوما يسيرا.

بذلك يتحول المسلمون في روسيا من جسم غريب المنشأ إلى جزء لا يتجزأ من تركيبة المجتمع الروسي.

من هذه الزاوية، الأكاديمية هي رأس الجبل الجليدي، وما يخفى هو تحركات تكتونية في الوعي الروسي.

للأسف، هناك بعض المناطق المظلمة في هذه اللوحة الناصعة، أحد أسباب ذلك هو عدم قدرة مجتمع تترستان المسلم، تحمل ذلك الحجم من المسؤولية التي هبطت على عاتقه. فقد تم تشييد البناء، وخلق جميع الظروف اللازمة، وأصبحت الكرة في ملعب النخب الإسلامية في الجمهورية.

إلا أن اللعب في الدوري الممتاز يتطلب كفاءة معينة ومهنية عالية. وعلى ما يبدو، هذه الأمور نادرة في الدوائر المسلمة في تترستان، ولقد تبين هذا الأمر أثناء تطوير ووضع المنهج العلمي لأكاديمية بولغار. كان القائمون على هذه المهمة يؤكدون أن المنهج العلمي يطابق المقاييس الدولية. وربما هو الأمر كذلك ( وهو مخفي عن أنظار عامة الناس).  إلا أن المشكلة تكمن في التالي: عندما نتحدث عن المنهج العلمي في سياق الحديث عن أكاديمية بولغار، فإننا لا نتحدث إلا عن نصبٍ واحتيال، عذرا، ولكنه ليس إلا ذر الرماد في العيون. والخبير والعالم بكيفية عمل هذه الأمور التعليمية يفهم ذلك جيدا.

الحكم لكم. الهدف الرئيس من المنهج التعليمي، هو ايجاد مستوى معين لجودة التعليم. ومعرفة ما إذا تمكنت الجامعة من تلبية هذا المطلب تتم عبر إجراء خاص يسمى الاعتماد.  في منظومة التعليم الحكومية، تفقد الجامعة حق منح الشهادات الحكومية إن فشلت بالحفاظ على مستوى المنهج التعليمي. من دون عقوبات ورقابة هذه الآلية لا تعمل، هذا بكل بساطة. من سيقوم بالمراقبة؟ ومعرفة ما إذا كان مستوى التعليم في الأكاديمية مطابقا لمستوى المنهج التعلمي؟ لا أحد سيفعل ذلك. فهذا يتطلب هيئة خاصة لذلك، وكالة اعتماد غير حكومية. وهي غير موجودة.

وإن تبين أن مستوى التعليم لا يرقى لمستوى المنهج التعلمي؟ ماذا سيحل بالأكاديمية؟ هل سيتم إغلاقها؟ بالطبع لا! لن يسمح أحد بذلك لأسباب سياسية. لذلك، وبسب غياب البيئة المنافسة (أكاديمية بولغار – فريدة من نوعها)، وغياب هيئة رقابة وعقوبات، سيكون سعر شهادات الأكاديمية بسعر الورق الذي طبعت عليه. دور هذه الشهادات هو أن تستر على الأكاديمية، وتقنع المجتمع بأن النشطاء المسلمين والجهات المسلمة المسؤولة عن إنشاء الأكاديمية قد قامت بعمل يذكر حقا.

مثال المنهج التعليمي مثال يوضح الكثير من الأمور، فهو يكشف منهجية العمل. لم يفعل القائمون على الأمر شيئأ إلا أنهم قاموا بإسقاط قوالب التعليم القائمة على المنهج التعليمي في الأكاديمية،  هذا كل ما فعلوا ببساطة. وسيكون من الصعب على الأكاديمية أن تنال الاعتراف في الدوائر العلمية إن كان موقف القائمين عليها كهذا في العمل. إلا أن التحديات الأصعب ما زالت تنتظرنا في المستقبل. وهي مرتبطة قبل كل شيء بالجزء المتعلق بأيديولوجية المشروع. قنبلة موقوتة زرعت في الساحة الأيديولوجية للأكاديمية.

      دعونا نفكك سوية هذه العبوة وآلية عملها               

 

"ما هو المذهب الذي يجب اتباعه"

 

المشكلة الأساسية التي تواجه أي مجتمع ديني هي معرفة الحقيقة. في العلم الأمور واضحة. معايير صحة هذه النظرية أو تلك تظهر في دقة النتيجة المتوقعة. إن كانت هذه المعادلة العلمية صحيحة، فالظواهر الطبيعية، أو التكنولوجية الناتجة على أساسها، تحاكي بشكل تام لوغاريتم المعادلة. ولكن أين معيار صحة وحقيقة هذه القاعدة الدينية أو تلك؟ نظريا، إنه نص مقدس. ولكن في الواقع -  إنه الرأي الشخصي للمعلم اللاهوتي، وتفسيره لهذا النص. والحاصل هو أن النص الأساس يمكن أن يفسر بطرق مختلفة قد تكون متناقضة تماما.

على سبيل المثال: أتباع المذهب السني أثناء الوضوء يغسلون أقدامهم، أما أتباع المذهب الشيعي فيكتفون بمسحها. وكلا الطرفين يصر على أنه هو الصحيح، ويلعن من لا يفعل، وكلا الطرفين يستند إلى ذات النص في القرآن. إن كانت النظريات العلمية  في نهاية المطاف تتجسد في الواقع، فبالنسبة للدين لا يوجد ما يبرهن النظرية. بالنسبة للدين البرهان الواضح والصريح مجهول للجميع. ومن هنا أن طبيعة هذه العلوم تشبه ما في الطرف الآخر من المرآة الميتافيزيقية، وما فيه من عدد لا نهاية له من التأويلات.

وعليه، جميع الأديان في حالة غير مستقرة ومعرضة للانفراط، ومن يحفز هذه العملية عادة هم رجال الدين نفسهم. وفي الإسلام، هذه الفكرة تظهر جليا في حديث الرسول محمد. " أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ" وهذه نبوءة لا مفر لنا منها.

كما نعلم، تصر كل ملة على أنها هي التي تسير على الطريق الصحيح، ولكن كيف لنا أن نتأكد من ذلك؟ لو كانت هناك طريقة لفعلنا ذلك. لا يوجد ما يعود بنا من عالم  ما بعد الموت، ولا يبقى لنا إلا أن نؤمن بما يقوله رجل الدين الذي نصغي إليه  والذي يؤكد أنه يقول الحقيقة الكاملة.

وتستمر الإنقسامات داخل كل طائفة ومذهب، فمدارس الفقه في المذهب السني وحده تحصى بالعشرات، ولم يبق حتى يومنا هذا إلا 4 مدارس. وقد شهد التاريخ مراحل رفض فيها أتباع هذه المدارس المختلفة الصلاة جماعة بعضهم مع بعض.

وبالمناسبة، لهذا السبب، تم تشييد اربعة محاريب في المسجد الأموي في دمشق، فهي بعدد المذاهب في حينه.

علماء السنة يطلقون الفتاوى التي كانت لا تسمح زواج المرأة السنية بالرجل غير السني.

وتروي كتب التاريخ أحداثا كثيرة عن اقتتال أتباع المذاهب المختلفة، عندما رجم الحنفيون الشافعيين بالحجارة، وبالعكس.

بكلمات أخرى، الانقسام، وبالرغم من كلام وخطب رجال الدين، هو في طبيعة المجتمعات الدينية، هو حالتها الطبيعية.

ويشهد التاريخ على عدم وجود طريقة توحد أتباع جميع المذاهب على دين واحد إلا بالقوة، والتي لطالما لجأ إليها أصحاب الحق، ولكن النتيجة كانت دائما مؤقتة وسطحية. هذه الوقائع، تخلق لأكاديمية بولغار مشكلة حقيقية هي: "ما هو المذهب الذي يجب اتباعه".

أي فتوى سنتبع، فتوى موسكو أم فتوى غروزني

 

هذه هي اللحظة المناسبة لأن نتذكر أن للأكاديمية ثلاثة مؤسسين هم رافيل عين الدين من الإدارة الروحية لمسلمي الاتحاد الروسي، وطلعت تاج الدين من مفتي التتر في روسيا، والادارة المركزية الروحية لمسلمي روسيا.

بالمناسبة: هناك نحو 80 دارا للافتاء في روسيا، وهذا مثال واضح على أن وحدة الإسلام التي يصر عليها رجال الدين المسلمون، ليست إلا ديماجوجيا، ولا تعكس واقع الحال.

تمكنت السلطات من جمع ثلاث ادارات روحية للتتر على طاولة تأسيسية واحدة، وهذا كان قرار الرئيس الأسبق مينتيمير شايمييف، وهو قرار في غاية الصواب. وفي حينه، وبدعم من سلطات الجمهورية، تم إيقاف الانقسامات الدينية للمسلمين، وتأسيس مركز موحد وهو الإدارة الروحية لمسلمي روسيا. من دون حكم من الخارج، رجال الدين بمفردهم ليسوا قادرين على الاتحاد لأسباب واضحة، لأسباب ذكرت آنفا تعود إلى طبيعة الدين ذاته. وإن اتحد رجال الدين في إطار مشروع واحد على الأقل، فهذا أمر لا بأس به بحد ذاته.

على الأقل، أرض البولغار المقدسة تقوم بمهمتها بهذا الشكل، وهي توحيد التتر.

ولكن، لا مفر من الواقع، فغياب الشروط والمعايير في تحديد طريق الصواب أو ما هو صحيح، يخلق مشاكل للأكاديمية. والتي تكمن في غياب الوحدة في مجلس المؤسسين من دور الإفتاء المختلفة. وهذا الشرخ ظهر بوضوح مع فتوى دار افتاء غروزني، والتي تم تبنيها العام الماضي بمبادرة من الإدارة الروحية لمسلمي الشياشان. قيادة دار افتاء الشياشان اتخذت ضرورة محاربة الإرهاب ركيزة لهذه الفتوى. تكمن فحواها في حل المسألة الأبدية لصحة الإسلام. حاولت الفتوى فهم المذهب السني، أي تحديد شروط ما هو صحيح في دين الإسلام. وتم تبني الوثيقة في مؤتمر دولي، والذي حضره مشاركون من دول عدة ومن روسيا.

استُقبلت الفتوى في مجلس المؤسسين للأكاديمية بشكل متباين، لم يحضر طلعت تاج الدين ولا أحد من الإدارة الروحية المركزية للمسلمين المؤتمر. كما لم يحضره رافيل عين الدين، واقتصر على إراسل اثنان من رجال الدين من مؤسسته إلى غروزني.

وحتى هما، عادا من الشيشان قبل الموعد المحدد، ما كان ذريعة لفضيحة حقيقية، وقد تأججت المشكلة عندما عارضت الإدارة الروحية لمسلمي الاتحاد الروسي فتوى غروزني بشكل علني وصريح. ونشبت ملاسنة علنية بين المفتي رافيل عين الدين ومفتي الشياشان، وجرى تبادل رسائل مزعجة بين الطرفين.

 

في نهاية المطاف، بادر المفتي عين الدين بتبني فتوى بديلة متعلقة بصحة الإسلام. والوحيد الذي ايد مبادرة الشيشان ووقع على فتوى غروزني كان ساميعولين ( أحد أعضاء المجلس التأسيسي للأكاديمية). كما كانت ردود الفعل على فتوى الشيشان متفاوتة في العالم الإسلامي، وخلقت مشكلة على نطاق دولي. واتهم المسلمون الروس حقا بمخالفة إعلان عمان ومبادىء الوحدة الإسلامية. وكان الاختلاف في النص الروسي والنص العربي للفتوى كالزيت على النار.

 

بعد ذلك سرعان ما توجه خبراء رمصان قديروف إلى المملكة السعودية، حيث اعتبرت زيارتهم كنوع من الاعتذار ومحاولة لإعادة الثقة بين روسيا والعالم الإسلامي، والذي وجَهت له فتوى غروزني ضربة موجعة. أما مفتي الشيشان ميجييف فقد تحدث في مقابلة للصحافة السعودية بنبرة المعتذر، قائلا بين السطور أن العالم أساء فهمه. ومن ثم تبرأ عن الفتوى العديد من رجال الدين العرب الذين حضروا المؤتمر في غروزني ووقعوا على الفتوى. ما حصل هو فشل واضح. وعلينا أن ننصف تاج الدين وعين الدين على بعد رؤيتهم وبصيرتهم، والذين منذ البداية ابتعدا عن مبادرة الادارة الروحية لمسلمي الشيشان.

 

الإدارة الروحية لمسلمي جمهورية تترستان مازالت تؤيد فتوى غروزني، ولم يسجل أي اعتذار أو رفض لها بشكل علني. بالنسبة لأكاديمية بولغار الإسلامية هذا يعني التالي. لدينا ثلاثة مؤسسين، وفتوتان. فتوى غروزني التي وقع عليها كاميل ساميعولين، وفتوى موسكو من رافيل عين الدين. وهاتين الفتوتين متعارضتين. يذكر أن فتوى موسكو جاءت ردا على فتوى غروزني. وإذا أردنا الحديث عن الفرق بين الاثنتين باختصار، فلفتوى غروزني نظرة وحدوية على الإسلام، أما فتوى موسكو، فهي امتداد للعادات الإسلامية التترية الدينية وتؤيد التعددية النسبية في الإسلام. الجمع بين الإثنتين أمر مستحيل، وكما ذكر آنفا، في الدين خلافا عن العلم، لا توجد معايير واضحة لمعرفة الحقيقة..تبقى الحقيقة مسألة خيار الشخص وما يفضله. وهذا الخيار اليوم أمام أكاديمية بولغار.

أي فتوى ستتبع؟، فتوى موسكو أم فتوى غروزني في إطار منهجها التلعيمي؟

وهذا خيار صعب للغاية، لأن ضحية الخيار ستكون إما الصداقة مع دار افتاء الشيشان، وحينها ستتزعزع فدرالية الأكاديمية، وإما الصداقة مع أحد مؤسسي الأكاديمية، الإدارة الروحية لمسلمي الإتحاد الروسي، وحينها سيكون دور الأكاديمية في توحيد القومية التترية موضع شك.

ابتعد منظمو الأكاديمية التتر عن الإسلام وحشروا انفسهم بين المطرقة والسندان.

image1.jpeg

رستام باطير

ترجمة: