والحصان والدولة هنا متلازمان، فقد كانت روسيا واحدة من البلدان الرائدة في تربية الخيول في العالم إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث بلغ إجمالي هذه الثروة قرابة 40 مليون رأس شكلت حينذاك نحو ثلث ما يمتلكه العالم منها.

واستخدمت هذه الحيوانات على نطاق واسع في الاقتصاد والنقل والجيش، كما كانت مصدراً للحوم والألبان والجلود ملبيةً احتياجات الصناعات الغذائية والتحويلية. 

قسمت السجلات الروسية القديمة،  جميع الخيول بطبيعتها وسلوكها إلى ثلاث مجموعات: رحيمة ومقدامة (مركزة) وبطيئة. وكلها من سلالات الفروسية الأولى.

خُصصت الخيول الرحيمة للأمراء فقط، مع إمكانية الأقرباء من حاشية الأمراء أو أصحاب الرتب العليا في الدولة والجيش بامتلاكها وحظرها على من عداهم وكانت تعتبر هدية باهظة  الثمن.

واستخدمت الخيول المقدامة أو المدركة (المركزة) للحملات العسكرية فقط.

أما الخيول البطيئة، فكانت تستخدم- فقط- لنقل الأشخاص أو الإمدادات سواء كانت عسكرية أو هندسية أو طبية لأنها غير قادرة على المناورة.

ولأهمية جميع هذه الأنواع فقد احتلت مكانة مرموقة في حياة الحكام، ففي القرن الحادي عشر أصدر الأمير ياروسلاف حزمة من القوانين للحد من قتل الخيول وفرض غرامة مالية على من يقتل حصانا، يدفع جزءاً منها إلى خزينة الدولة وجزءاً إلى مالك الحصان.

تم تصنيف الخيول في روسيا إلى سلالة مهجنة وسلالة أصيلة (غير مهجنة) تتحمل البرد القارس وتغوص في الثلوج دون تعب.

وجرى تهجين الخيول المهجنة بالخيول العربية والأمريكية والهولندية وغيرها، وسمي الواحد منها بحصان الدون وجواد السباق وحصان الركوب والسباق الروسي.

أما المجموعة الثانية فهي روسية الأصل ولم تهجن واستخدمت في حرث الأرض لقوتها ولوزنها الثقيل وقدرتها على تحمل البرد القارس، وسمي الواحد منها بالخيل الطبيعي وحصان الجر الثقيل والحصان الباشكيري. 

المجموعة الأولى :

1-   حصان الدون: اكتسب هذا النوع تسميته نسبة إلى  نهر الدون الذي ينبع من الجزء الشمالي من المرتفعات الروسية الوسطى، ويبلغ طوله 1870  كيلومتراً. هذا الصنف من الخيول ضخم وذلول وذو صحة جيدة - مثل القوزاق أنفسهم- وكأنها خُلقت خصيصاً للخدمة.

ومن هذه الخيول تتشكل أفواج الفرسان ودوريات الشرطة الخيالة، وهي تتحدر من سلالات تركية وفارسية وتركمانية وكاراباخية وجلبت إلى روسيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خلال الحروب الروسية التركية وتم تهجينها بالسلالة الأورلوفية، ثم بالسلالات العربية.

أحد الجنرالات الفرنسيين الذين شاركوا في حرب 1812 كتب أن خيول القوزاق  "ليست أقل شأناً منهم في الفن، ويبدو أنها جزء من أجسادهم".

2 - حصان أورلوفي: جاءت تسميته نسبة إلى مقاطعة أورلوف، ومؤسس فكرة تهجين هذه الفئة من الخيول هو جراف ألكسي أورلوف تشيسمينسكي الذي حلم بحصان هجين من الخيول العربية الجميلة والخيول الدنماركية والهولندية القوية، وكان أن اشترى الخيل العربي من السلطان التركي بـ 60 ألف روبل، وبعد ذلك انتشرت هذه الخيول في روسيا بكثرة.

3- حصان الركوب: يمكن القول إن هذا الحصان شقيق الحصان الأورلوفي، ومهجن هذا النوع هو جراف ألكسي أورلوف تشيسمينسكي الذي هجنها بالخيول الانجليزية والذكور العربية ثم ما لبثت أن تمتعت بشهرة  عالمية كبيرة.

 

3- حصان السباق الروسي: إذ كان حصان الركوب شقيقاً للحصان الأورلوفي فإن حصان السباق الروسي هو ابن له، وقد نشأت هذه السلالة في أوائل القرن العشرين إثر تهجين الخيول الأورويلية بالخيول الأمريكية والهولندية. وجاء الجيل الجديد أسرع من حصان أورويل وأبطأ من الخيول الأمريكية، والى الآن مازال هذا النوع من الخيول أكثر انتشارا في روسيا .

المجموعة الثانية

1- حصان الجر الثقيل: على الرغم من انه قصير القامة، إلا أن الفلاح  الروسي لا يمكن له العثور على أفضل منه للعمل في الحقول، بما له من قوة كبيرة ووزن ثقيل قد يصل إلى 20 طنا.

2- الخيل الطبيعي:  أو خيل الغابات كما يطلق عليه لأنه غير مهجن (انتقاء طبيعي) وظهرت هذه الخيول في القرن الرابع عشر وهي قادرة على تحمل البرد القارس والغوص في عمق الثلج وتتمتع ببرودة الأعصاب.

3- الحصان الباشكيري: من السلالات البدائية التي تعد روسيا بيئة أصلية لها، وهي وتشبه  حصان فياتكا؛ حصان الغابات المعتاد على الصقيع والشتاء القارص، وشارك هذا النوع من الخيول في الحرب الوطنية عام 1812 وهي من الحيوانات السريعة والشجاعة والمطيعة وذات العزم.

 

 

تسببت الحرب العالمية الأولى والأهلية في تقليص هائل لعدد الخيول الروسية. وأوشك العديد من السلالات المحلية على الانقراض، لكن السلطات السوفياتية الجديدة تمكنت من الحفاظ عليها، بل إنها ساهمت بفعالية في زيادة تكاثرها.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى الوقت الراهن، لم ينقطع الاهتمام بتربية الخيول إلا أن نسبة المهتمين بذلك ضعيفة جداً، لأسباب كثيرة منها استخدام المعدات والآلات الحربية العصرية لخدمة الجيش وقدرة المحتاجين على شراء وسائل النقل الأخرى بسهولة.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن إجمالي الخيول الروسية في نهاية عام 2015 في جميع المزارع الحكومية والخاصة بلغ مليوناً و374 ألف رأس.

ولعل الجميع فهم اليوم أهمية تربية الحصان بشكل خاص والحيوان بشكل عام، لهذا نظم أكثر من 180 شركة روسية وأجنبية في العاصمة موسكو في الفترة 26- 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 "معرض الفروسية "  عرضت فيه الأصناف المختلفة لسلالات الخيول من مختلف الدول، كما عرضت الشركات المشاركة في المعرض منتجاتها الخاصة بعشاق الفروسية وتربية الخيول ابتداء بالمواد الغذائية وانتهاء بالأدوية الخاصة بهذه الحيوانات. وتدفق الآلاف من عشاق الفروسية والمهتمين والزوار من جميع المناطق الروسية لمشاهدة هذا المعرض الفروسي.

  ترجمة من عدة مواقع الكترونية باللغة الروسية عن الفروسية والثروة الحيوانية

د / صادق علي محمد