دائما ما تكون المعرفة بالماضي وحتى بالحاضر محدودة الآفاق، وهي تخضع للرؤية المتأنية والطويلة المدى للذات المفكِّرة، التي ترصد وتوثق وتتأمل بالحدث في ظروف المكان والزمان الذي نشأت فيه.

والمقاربة الثانية للوعي بالتاريخ والحاضر، قد تستند إلى المقاربة الأولى وتستقي معارفها أيضا من الكم المعلوماتي الآتي من المصادر الأخرى، ومن تأويلاتها المتنوعة لهذا الحدث أو ذاك.

 

وهنا من الأهمية الكبرى بمكان، أن نذكِّر القارئ بأن وعي التاريخ يستند إلى ثلاث مرتكزات رئيسية:

- التاريخ العام ككل، الذي يجمع في طياته كل الأحداث التي مرَّت.

- علم التاريخ، الذي يتضمن مجموعة من المعطيات عن التاريخ، وعن كيفية تأويله في الأوساط العلمية، من وجهة نظر ابيستيمولوجية.

-   الذاكرة التاريخيّة، التي تتضمن احتفاظ الوعي الجماعي عن الماضي.

وانطلاقاً من هذا التوصيف، يمكن الحديث عن نوعين من الوعي الفلسفي للتاريخ. عن الرجع التأويلي الانعكاسي للتاريخ الذي تتصف به الدوائر العلمية، وعن التاريخ اليومي المعيش، الذي يرافق المسيرة الثقافية والاجتماعية للبشر.

بين هذا الوعي أو ذاك، يتأرجح التاريخ بين الرؤية الموضوعية والأخرى الذاتية، وهذا أمر معروف ، إلا أن مخاطر  "الموضوعيّة"  عند البعض تكمن في وصولها  إلى  الموضوعاتيّة، في حين تأخذ المقاربة الذاتية للتاريخ مداها الأقصى لتصل إلى الرؤية الذاتوية الضيقة الأفق.

وهذه مسألة مرتبطة بعلاقة الوعي التاريخي بالذات الإثنيّة أو القوميّة أو الدينيّة والمذهبيّة، وكذلك بالخيارات السياسيّة والحزبيّة والاقتصاديّة، ولكون الإنسان بحد ذاته كائن تاريخي، لا يمكنه أن يكون خارج تاريخ جماعته، وبالتالي خارج التاريخ العام للإنسانية، فصلتنا بالتاريخ هي كصلة الطفل برحم أمه.

تعلقنا بالتاريخ مرتبط بتعلقنا بمجموعة الرموز الروحيّة والمعنويّة، التي صنعها أجدادنا وآباؤنا ، متصلة برأس المال المادي والثقافي، بحدود  أوطاننا، بكل ما أنتجته مؤسساتنا الاقتصادية.  فالسيناريوهات التي يطويها كل وعي تاريخي لنفسه ترجع "إلى خياره الإيديولوجي وتصوراته عن العدالة، علماً بأن الموقف من العدالة تتغير مفاهيمُه مع الزمن، وبالتالي فإن السيناريو التاريخي للأحداث التاريخيّة المتنوِّعة، يكون  مختلفاً بالنسبة للإنسان نفسه".

وفيما يتعلق بالرؤية العلمية الابستيمولوجية عند المؤرخين عامة، فهناك مقاربات متنوعة ، منطلقة من مواقف مختلفة  من مسألة القيم! "فإذا كانت عند البعض تمثِّل الحقيقة، فإن البعض الآخر منهم تحركه أهداف أخرى، تحوي في طياتها معلومات خفيّة مرتبطة بأهداف سياسية مغامرة".  هنا الحديث قد يطول لنصل من خلاله إلى ما تتصف به فلسفة التاريخ الرّوسيّة عن حضارتها في الماضي والمستقبل . سنعرض هنا الخارطة التالية التي نبنى عليها العمارة العلميّة الرّوسيّة للتاريخ.

   

يمكن الانطلاق استناداً إلى هذه الخارطة  منها بالتحديد،  لمحاولة رصد التحولات الحضارية الرّوسيّة التي قد تساعدنا، في التعرف  إلى تاريخ الحقول المعرفيّة على حدة أو مجتمعة. وأيضاً على أشكال المقاربة المنهجية والعمليّة، التي سيجري التقيّد ببعض بنودها في هذا البحث.

إن كل علم تاريخي مرتبط بجغرافية معينة، وبتجربة تاريخية للنشاط الإنساني فيها، وبالعلوم والنماذج و الإحصائيات التي تصدر عن المؤسسات المختصة.

كما أن فلسفة التاريخ الرّوسيّة، التي سيتم التطرق إليها تركز هنا على الفلسفة والتاريخ وسوسيولوجيا الثقافة ونظريات الحضارات.

في تاريخ الحضارة الرّوسيّة ثمة فلسفات وآراء متنوعة، هيمنت واحدة منها على المشهد الفلسفي الرّوسي في القرن العشرين وهي المقاربة الماركسية للتاريخ، التي غلب عليها التأويل الاقتصادية والاجتماعي للتاريخ. وأعطت الاولوية للبعد المادي الطبيعي للأمور. واعتبرت الماركسية نفسها في نظرتها للنظام الاشتراكي - الشيوعي وكأنها النظرية النهائية للتاريخ. في أواخر القرن العشرين أصاب هذه النظرية الوهن ومن ثم التقهقر. وهناك نظريات فلسفية أخرى ارتبطت بفلاسفة نظروا إلى عصر الحداثة الليبرالية والنيوليبرالية.

   شغل الإنسان  الرّوسي محور  كل نظريّة من النظريات  المذكورة. بيد أن النظرة إليه وإلى دوره في التاريخ والحضارة تمايزت بين هذه وتلك. (يتبع)