إذن تدرسُ فلسفة التاريخ الرّوسي تكّون الحضارة الرّوسيّة، وتطورها الجغرافي والبشري والاجتماعي والثقافي، الذي احتضنها عبر مراحل التاريخ المتنوّعة ، ويشير إلى ذلك الباحث  الرّوسي مليوكوف ب. ن." من المهم دراسة الوحدة الداخلية والآليات الطبيعية لتطور كل عامل من العوامل الأساسية المكونة للحضارة الرّوسيّة. أي دراسة منظومة الأفكار المكونة لكل عامل أفقياً." (1)

   هناك مقاربات متنوعة، لا بل مختلفة حول العوامل الأساسية المكونة لفلسفة التاريخ الرّوسي ، يولي  بعض المفكرين الرّوس أمثال يكوفتس ي. المقاربة الوراثية للحضارة أهمية خاصة فهو يقول :" تربية الجنس البشري , عملية وراثيّة  وعضويّة ، عمليّة  وراثيّة بفضل التقاليد المكتسبة. والعمليّة العضوية تتم  بفضل الاستيعاب وهضم المكتسب . والتاريخ يحمل في طياته كل المشاهد المكونة في كل مرحلة. فعندما تبتعد عن الساحة معالم المرحلة الماضية، تظهر عليها معالم المرحلة الجديدة. عندما يتغير خط إيقاع تموجات تيار ما، وعندما تصل طاقة الموجة إلى أدنى نقاط قوتها، تتوقف الحركة الضاربة في العمق ، وتلوح بوادر نهوض حركيّة أخرى لموجات وتيارات أخرى". (2).

   فوجهة نظر ميلكوف تتقارب مع رؤية الفلاسفة و المؤرخين الأخرين أمثال يكوفنتس و كارامزين و تحديدا في مؤلف هذا الأخير الذي حمل عنوان "تاريخ الحضارة في الدولة الرّوسيّة"، و في أعمال المؤرخ المعروف سيلوفييف و بخاصة في مؤلفه "تاريخ روسيا منذ أقدم العصور".   لقد أشار كل منهما حسب مقاربته المنهجية  للدور الذاتي والموضوعي في التاريخ. في تلك المقاربات نشهد عند كارامزين بروز نزعة ذاتويّة للتاريخ الرّوسي تهدف  إلى تأصيل فكرة روسيا كدولة عظمى. في حين تميز سلوفيوف برؤية عقلانية فيها مساحة ظاهرة من الموضوعية، كانت تنظر إلى مسيرة التاريخ الرّوسي، كجزء لا يتجزأ من المسيرة التاريخيّة للحضارات الإنسانية بمجملها على هذا الكوكب. كان يركز على الدور الطبيعي والضروري للعامل البيوسوسيولوجي في نشاط الإنسان. إلا انه يؤكد أيضاً على  أهمية الدور الطبيعي الذي يقوم به فرد ما أو جماعة ما من داخل الحضارة نفسها بالتضحية  بالنفس والمصالح من أجل مصالح الجماعة ككل.

و لكي تكون دورة النشاط الاجتماعية والاقتصادية صحيّة داخل الجماعة؛ من الضروري أن يكون لكل منها خياراته واستقلاليّته في العمل من أجل صنع تاريخها وحاضرها ومستقبلها بموجب تجربتها في النشاط الحياتي والاجتماعي. تلك التجربة التي تترك تأثيراتها الملحوظة على مسيرة العمليّةالتاريخيّة. ولكن دون المساواة والتوازن والتفاعل مع مجمل أعضاء الجسم الاجتماعي فإن مسيرتها تكون مهدَّدة بالانكفاء والانعزال.

  ثمة مفكرون آخرون أمثال نوفيكوقا وسيزمبسكايا ويجورف غرانوفسكي وبلنجانوف وميجوييف ضمن دائرة التأويل الفلسفي للتاريخ,  فهؤلاء يشغلهم هاجس دور الشخص والجماعة في صنع التاريخ الرّوسي. فالبعض منهم يرى بأن للشخص,  القيصر مثل : الأمين العام، الرئيس، الزعيم الديني، الدور الأكثر فعالية في مجريات التحولات الراديكالية في التاريخ الرّوسي, وقد ركزوا مجمل كتاباتهم تركيز على الأقوال التالية: لولا الأمير فلاديمير, لما تركت روسيا الحقبة الوثنيّة ,ولولا القيصر بطرس لما دخلت روسيا عصر التنوير، ولولا لينين لما كانت هناك اشتراكية في روسيا ,ولولا ستالين لما حدث الانتصار في الحرب العالمية الثانية, ولولا غورباتشوف لما كانت نهاية النظام السوفياتي.

  وعلى الرغم من وجود نقاط تباين عديدة حول النهج الذي اختارته هذه الشخصيَّة, أو تلك في التاريخ إلا أن الجميع يقرون بالدور الحاسم للفرد في العمليّة  التاريخيّة . وهذا استنتاج قد نفهمه في ظل غياب التراث الليبرالي الديمقراطي في التفكير والممارسة الرّوسيّة. علماً بأن دور الجماعة أو روح الشعب لم ينكره أي واحد منهم.

    الا إن الهاجس الذي شغل ويشغل مجمل فلاسفة التاريخ الرّوسي هو فهم الدور الرّوسي في التاريخ ضمن سياق التاريخ العلمي وفي حيثيات اللقاء أو التمايز معه.

  لقد شغلت مفاهيم مثل: العضوية والتتابع والتزامن ، الموروث ، التحولات، النوعية في التاريخ، اهتمام فلاسفة و مؤرخين روس آخرين مثل : كتابات كل من بردييف وبوناكوف وكيزيفيتر وبلوتارسكي، وكانت من أبرز ما تصدّى لهذه الموضوعات، الا أن صورة روسيا المثال أو النموذج المرضي عنه، اختلفت بين هذا وذاك. فالبعض منهم رأى النموذج قد  تحقق في ظل حكم بطرس الأكبر، في حين رأى الآخر، أن النموذج تحقق في ظل حكم قيصر آخر، أو  في ظل النظام السوفياتي أو غيره، إلا أن صورة النموذج الأكمل أو المثالي كانت مشروعاً مؤجلاً بانتظار المستقبل.

   السؤال المهم الآخر الذي شغل و يشغل المفكرون الروس هو موقع روسيا التاريخي والمعاصر في الغرب والشرق. فمعادلة "روسيا – أوروبا – الغرب" أو "روسيا – آسيا – الشرق" هي المعادلة الأبرز في البحث عن الهوية الرّوسيّة. هذا السؤال يشغل الحيز الأهم في فلسفة التاريخ الرّوسيّة. والنظرة إليها كانت موضع سجال واسع بين أنصار "السلافياتية" و تيار "الغربنة" و مؤيدي " البيزنطوية"   عند مفكري روسيا في القرن التاسع عشر. كما إنها بقيت  موضع سجال واسع بين التيار  "المؤروب " المحض، والتيار "الأوراسي" في المرحلة المعاصرة. ومن هذا السؤال الكبير تتفرع الأسئلة الأخرى العديدة المتعلقة بمنطق التناقضات المنطقيّة  والعلميّة والإيديولوجيّة والسياسيّة المرتبطة بخيارات التاريخ والمستقبل, والتي تجد تربة خصبة للبحث عنها في إطار فلسفة الثقافة وفلسفة الحضارات.

رحلة التعبيرية الى الريف الروسى فى لوحات الفنان Bogdanov Belsky

   ولعل أبرز الشخصيات الفلسفية التي بحثت في عمق هذه الإشكاليّات هي: سولوفيوف، وبردييف، وبالأخص هذا الأخير الذي اشتغل كثيراً على ما يسمى "بالفكرة الرّوسيّة" . فهو لم يرَ كثافة حضورها لا في المجال الغربي البحت ولا في المدى الشرقي. إنَّهذا الفيلسوف الذي مرّ بتجارب فلسفية وحياتية عديدة، و تمكن من التعرف العميق إلى ثقافات الشرق والغرب؛ هو الذي قال إنّ الشعب الرّوسي هو شعب النهايات، لا شعب بداية أو وسط العمليّة  التاريخيّة. ومن هنا فإن التوق للنظام والتنظيم عنده يأتي في المؤخرة. من هنا , يتبين الخلل في توصيف  العمارة الثقافيّة والحياتيّة. فالروس كما يقول بردييف "عبثيون"؛ إنهم ينشدون دائماً النهايات . يفهمون بشكل خاطئ خصوصية كل حقبة في العمليّة  التاريخيّة. الفكرة الرّوسيّة ليست فكرة الثقافة المزدهرة والدولة القادرة. الفكرة الرّوسيّة هي فكرة نهاية العالم ، فكرة الملكوت السماوي. هي ليست الفكرة الإنسانية بالمعنى الأوروبي لها. من هنا فإن الفكرة الرّوسيّة عادة ما تسلم" أمرها لله" و ترى إدارة الدنيا من مهام الحاكم دون سواه، وهي ليست في سلم الأولويات الحياتية. توقها دائماً نحو الكوني، نحو المتسامي، غير الملتصق بشؤون التسيير العقلاني والحر لشؤون الدنيا . فالشعب  كان يرى في أعلى الهرم السلطة التي  تتمثّل في القيصر ، فهو يجسد فكرة "الملكوت السماوي"، و هذا ما يفسره بردييف بأنه مقصود من قبل الحاكم . فالتركيز على هذا من قبله, و من قبل المؤدلجين لحكمه, يعكس رغبته الدائمة في تثبيت وتأييد سلطة "ملكوته الأرضي".

    فكل حقبة تاريخية تمر بها روسيا هي ساحة للانطلاق  إلى تجربة أخرى وعالم آخر. وإرادة الانطلاق تحركها دائماً الرغبة في الإعادة الميكانيكيّة للتجارب الماضية، بل في عملية تأملها بعمق والكشف عن تناقضاتها ومكوناتها المادية والروحية. والسعي أيضاً لمدها بروح جديدة, تفتح نوافذ الوعي الرّوسي على كل جديد يأتي من متغيرات وتحولات الأزمنة المحلية والأوراسيّة  والعالميّة.

وهناك أيضاً, تيار فلسفي كوني روسي له وجهة نظر فلسفية أخرى, حول التاريخ الرّوسي و مستقبله. فكونيّته النابعة مرجعيّتها من الرؤية الشمولية الأرثوذكسيّة المسيحيّة لموقع الإنسان في الكون، لا تكتفي بالجانب اللاهوتي أو الميتافيزيقي في هذه المقاربة، بل إنها تسعى لتطعيمها بروح فلسفيّة وعلميّة تأخذ بعين الاعتبار أهمية حضور العقل العلمي المرتكز على دراسة علاقة الإنسان الرّوسي  بواقعه الأرضي الطبيعي وبمحيطه الكوني . هذه النظرة , عّبر عنها بشكل جلي فلاسفة أمثال فيدورف وبردييف وسلوفيوف ،  إلا أنها ظهرت بشكل أوضح عند الأب الروحي لعلم الفضاء الرّوسي، الفيزيائي والفيلسوف تسيلكوفسكي. شغلت هؤلاء الفلاسفة والعلماء الكونيين جميعاً فكرة كيفيّة التحكم بمسيرة العمليّة التاريخيّة للشعب الرّوسي بالتوافق والتناغم مع محيطه الإيكولوجي, والجيوسياسي والأرضي. وكيفية امتلاك المعرفة الإنسانية للمكونات المادية لعالم اليابسة, والمياه ,والفضاء، من أجل توظيفها للمزيد من تقارب التجارب الإنسانية لكل من شعوب الشرق والغرب . هذا الهاجس لم يحصر الاهتمام فقط في حيثيّات عملية التواصل المطلوب بين روسيا وأوروبا،  بل لكونه يتوق لأن يكون كوكبياً- كونياً فهو يشمل عملية التواصل والتقارب بين كل من الشرقين الأقصى والأدنى، وكذلك الأوسط. وتحديداً الصين ,والهند ,والعالم الإسلامي. في هذه المهمة يحدد المفكرون الروس، لروسيا نفسها دوراً ، لا بل رسالة كبرى لها حيويتها. وأهميتها تنطلق من كون روسيا تشغل الجغرافيا الأكبر على هذا الكوكب.

إنَّ هذه  الكونيّة في التفكير الرّوسي, من هذه الزاوية تريد أن تصل إلى النهايات، إنها توق ميتافيزيقي موجود عند فلاسفتهم نحو الانعتاق المطلق من القيود ، و هي أيضاً هاجس التلاقي مع الطموحات الإنسانية باتجاه  الكليانيّة الكونية. علماً بأن التطور الأمثل لعلاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي والتاريخي هو الذي يخضع الأشياء إلى مبدأين: النسبيّة والوسطيّة. وهذان المبدآن يشكِّلان في الحقيقة النقيض لكل نزعة إطلاقيّة. لأن التصور الإطلاقي هو التعلق المطلق بالحريّة ، وفي حال عدم الحصول عليها يحدث العكس؛ أي الاستبداد المطلق، والتماهي المطلق مع الطموحات الإنسانية التي تشكل المحبة سندها الأساسي ،وقد يحدث عكسه , إذا ما لقي ترجمته على أرض الواقع، أي ,يحدث رفض الآخر, وتعميم خطاب الكراهية.

    ففي تحليل بردييف ونقده للطابع القومي للروسي , ولوعيه ودوره في التاريخ، نراهُ يغمز من ناحية التصور الآخر , الذي يقول بأن كلَ التجربة التاريخيّة للحضارة الإنسانية الناجحة المتوازنة، هي التي تشير إلى دور حاملي الخيار النسبي والوسطي، وليس لوجهات نظر الآخرين المتعلقين بالإطلاقات و النهايات. ولعلَّ من يبرز هذه النزعة الإطلاقيّة، هم أولئك الذين ينطلقون من الرؤية الميتافيزيقية للتاريخ، والذين يقولون بأن الروح الرّوسيّة، دائماً على موعد مع الحرية الميتافيزيقية المطلقة، ومع خياراتها السماويّة  والأرضيّة. لهذا يرون بأن الروح الرّوسيّة , وثقافتها , وتاريخها ,تجد صعوبة في اختيار النسبي والوسطي في الأمور . في هذا السياق, يقول بردييف حرفياً: "عادة ما يلمس الروس العبوديّة في النسبي والوسطي، ويبررون ذلك بأنهم يكونون أحراراً في المطلق والنهائي السرمدي " (3).

  هذه النظرة الفلسفيّة للإنسان الرّوسي ولدوره في التاريخ، هي كمثيلتها من الكثير من النظرات الرّوسيّة التي تحضر في ذهنها عادة الصورة الأخرى، للأوروبي ، لفلسفته ، لدوره في التاريخ القاري والتاريخ العالمي. فرغم إقرار الكثيرين منهم بأن المسيرة التاريخيّة للإنسان ككائن عاقل هي واحدة على هذا الكوكب ، ورغم اختلاف وتيرة الحركة والنشاط عند هذا و ذاك. الا أن الهاجس الذي يضغط على هؤلاء  هو الأسباب  العقليّة والنفسيّة، والموروث الثقافي الرّوسي الذي يحول دون الركوب على قدم وساق في القطار الأوروبي الغربي بخاصة. هذا الهاجس أسهم بشكل ملحوظ في رسم الخطوط العريضة للإيديولوجيا الرّوسيّة المغربنة ، خلق بدوره عن نفسه , وعن الأوروبي صوراً فيها المزيج من الواقعي وغير الواقعي، من الحقيقي والواهم حول الذات الرّوسيّة والآخر الأوروبي. والمزيج الذي يجري الحديث عنه هنا، هو مجموعة من المفاهيم غير المنبثقة من التربة الثقافيّة والمحيط الاجتماعي والجيوسياسي الرّوسي نفسه.  فهي تبدو وكأنها إسقاطات من تربة أخرى ومحيط آخر لمدى أو مجال غير مجالها. كما تبدو وكأنها في بعض تحليلاتها خارج زمانها ومكانها، وهنا تكمن معضلة رؤيتها أو فلسفتها للتاريخ و للحضارة الرّوسيّة ؛ و يبدو الوعي التاريخي , وكأنه منفصل عن تجربته التي صنعها في الماضي، وبالتالي  فإن جسور تواصله مع الحاضر والمستقبل  تبدو وكأن لا وجود لها . مع أنَّ المفكّر الروسي برغ يقول: "إن المعرفة  التاريخيّة هي الجسد الروحي، الذي يكوّن نفسه من خلال حضوره في الزمان ، وهي الجسد الذي يعبر فيه الإنسان من الماضي إلى الحاضر" (4).

  وهكذا يبدو بطرس الأكبر ,لا قيمة له , لو لم يعتمد منظومة الفكر التنويري، التي من غيرها ما كان لروسيا من حظ  في دخول عصر الحداثة. وكذلك لينين بدوره , ما كان بإمكانه أن يؤسس لأول دولة اشتراكيّة في الوجود ، لو لم يستند على فكرة اشتراكيّة منعبها خارج الديار الرّوسيّة. وحتى يلتسين "الديمقراطي" الذي حمل راية "دمقرطة" و"لبرنة" الشعب الرّوسي، و قد استند بذلك على وصفات أتته من مستشارين جاء بهم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الغربيّة. (يتبع)

 

الهوامش:

1- مليوكوف ب.ن. خواطر حول تاريخ الثقافة الرّوسيّة المجلد الأول. موسكو 1993، ص 85.

2- يكوفتس . ي.ن. تفاعل حضارات الشرق والغرب، موسكو 2001 ، ص 8.

3- بردييف ن.ا. مصير روسيا ، موسكو، 1990 ص 248.

4- بيرغ م. أ. العصور والأفكار : تشكل التاريخيّة موسكو، 1987 ، ص 240.