لمحة تاريخية: بولغار مدينة في جمهورية تاتارستان، تقع على الضفة اليسرى لنهر الفولغا، وتبعد نحو 200 كليومتر عن عاصمة الجمهورية مدينة قازان. التركيبة السكانية: الروس 83.4%، التتر 12.9%، التشوفاش 2.1%. الديانات السائدة في المدينة: المسيحية الأورثوذوكسية (تقع في المدينة كنيسة القديس افرام العجائبي لبولغار وفلاديمير) والإسلام (السنة).

بالقرب من المدينة الحديثة، تقع مدينة بولغار القديمة، المكان الذي اعتنقت فيه شعوب حوض الفولغا، أجداد تتار قازان، الإسلام رسميا سنة 922 للميلاد.

بدأ منذ العام 2010، بمبادرة وبرعاية الرئيس الأول لجمهورية تتارستان مينتيمير شايمييف، تنفيذ برنامج صندوق الجمهورية، واسم البرنامج هو "النهضة"، ويتم بموجبه ترميم وإعادة بناء المباني الأثرية، وبناء منشآت ثقافية وسياحية جديدة. كما تم تشييد عمارات جديدة، كالمسجد الأبيض، ومجمع المرفأ النهري، وفنادق جديدة ومركز للمعارض والمعلومات ضمن متحف المحمية، ومتحف للخبز مع طاحونة وفرن، ومتحف للحرف اليدوية وفيه ورشة حدادة وغيرها.

 وقد تم ادراج اسم متحف تاريخ الهندسة الحكومي في بولغار في قائمة اليونيسكو عام 2014. ويعد هذا المتحف الأقرب إلى القطب الشمالي من بين المتاحف المعنية بالهندسة المعمارية الإسلامية في القرون الوسطى. وهو معلم وحيد وفريد من نوعه للهندسة المعمارية التترية في بولغار للفترة ما بين منتصف القرن الثالث عشر والرابع عشر.

مدينة بولغار

1-     يهمنا أن نعرف رأيكم أنتم كعمدة لمدينة بولغار في موضوع، كيف تمكنت المدينة من تجاوز الخلافات التي نشبت عبر التاريخ بين المسيحيين الأورثوذوكس والمسلمين، لتصبح المدينة ساحة لتجسيد أفكار التعايش والسلام؟

 

- كلمة التسامح المنتشرة في يومنا هذا لا تليق لا بمدينتنا، ولا بجمهورية تتارستان بشكل عام، فالتسامح هو أن تتسامح وتسلم بما لا يروق لك، أو بما هو غير مستحب لديك، بينما في تتارستان تسود الصداقة والأواصر العائلية. ربما لا يستطيع جميع سكان تتارستان فهم ذلك والجهر به، ولكننا نعيش في سلام من دون أن نشعر بذلك، من دون أن نبذل أي مجهود لذلك لأنه واقع ولأنه ضروري كما الهواء.

الخلافات القومية تنشب هناك حيث تتعارض مصالح الشعوب فتتواجه هذه، ويقف بعضها ضد بعض، أما في أراضينا، في أرض البولغار القدامى، فنحاول ألا ندع شعوبنا يعارض بعضها بعضاً، بل نشجعها على السير في اتجاه واحد. وإن كان هناك شيء ما يُنجز، فهو يُنجز على يد أبناء ديانتين أو ثلاث.

الجالية الأرمنية كبيرة جدا هنا، والمسلمون والمسيحيون الأورثوذوكس يتعاونون سويا، لا من أجل المظهر وإنما من أجل المصلحة العامة.

نثمن هذا الأمر، ولا نفخر لمجرد انتماء الشخص إلى القومية الروسية أو التترية، وإنما نفخر بأننا نعيش هنا في تترستان. نعي جيدا أن شعارنا الأساسي هو: لا توجد قوميات جيدة وقوميات سيئة، ولكن هناك أشخاص جيدون وأشخاص سيئون.

 

2-     هل يمكنكم أن تطلعوا قارئنا باختصار على حياة شهداء الكنيسة الأربعة في ناحيتكم، أولئك الذين كانوا سابقا مسلمين تتاراً، ثم اعتنقوا المسيحية وأصبحوا فيما بعد من قديسي الكنيسة المسيحية!

أشهرهم في جمهورية تتارستان القديس أفرام البلغاري، أحد قديسي روسيا الذين عاشوا في الحقبة التي سبقت غزو المغول. كان هذا الرجل تاجرا في حياته، وكان رؤوفا رحيما يساعد المحتاجين.

وبحكم عمله في التجارة، كان يزور المدن الروسية، فأثارت الديانة المسيحية اهتمامه.

اعتنق فيما بعد المسيحية، وتم نبذه لأنه ارتد عن دينه ومات قديساً معتصما بحبل الله.

بعد ذلك بفترة قصيرة، انفجر نبع ماء، حسب سجلات التاريخ، في المكان الذي أعدم فيه أفرام البلغاري، ومياه هذا النبع تشفي من الأمراض.

وتروي الحكايات المحلية، أن أول شخص شفي بفضل مياه هذا النبع، كان رجلا مسلما .

طلب الأمير المعظم غيورغي فسيوفولودوفيتش أمير مدينة فلاديمير تسليمه رفات القديس أفرام، فقام حاكم بولغار بتسليمها إلى المدينة تعبيرا عن حسن نية، ولم يعد إلا جزء من الرفات إلى بولغار وفي القرن التاسع عشر.

اليوم، هناك كنيسة باسم هذا القديس في المدينة، يوجد فيها بعض رفات القديس أفرام، وهي تم الحفاظ عليها في الحقبة السوفيتية بفضل جهود الناس المؤمنين.

ابواب الكنيسة مفتوحة، وعدد زوارها كبير، وهم من مدينتنا ومن مدن أخرى كذلك، من أوليانوفسك، من سامارا، من موسكو ومن مدن أخرى، ويعتبر القديس أفرام حاملاً لقوى فائقة في معالجة الأطفال المرضى، والصلوات التي تتلى على نية القديس أفرام تحسن الصحة، وتحل المشاكل المعيشية الصعبة.

 

3-     ما هي سياستكم المالية حيال المعالم التاريخية الإسلامية والأرثوذوكسية وتلك التابعة للديانات الأخرى؟

إنها سياسة المساواة التامة، فبالقدر نفسه الذي نساهم به ونساعد في إعادة ترميم أو بناء مسجد، نساعد المسيحيين الأورثوذوكس في أمورهم.

إنه موقف مبدئي، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكننا من أن نحافظ على السلام الهش الذي ربما لا نقدره حق قدره الآن، ولن نتعلم أن نثمنه إلا إن فقدناه لا سمح الله.

 

4-     ما هو طابع الوجه الثقافي لمدينتكم، أهي ذات طابع روسي عام، أم إسلامي أم مسيحي أرثوذوكسي؟ وفيم يتجسد هذا؟

طابع مدينة بولغار إسلامي، إنها مكان إسلامي على مستوى عالمي، لأن بولغاريي حوض الفولغا شعب فريد، كان الوحيد الذي اعتنق الاسلام بمحض إرادته . إنها المكان الذي لم يدخله الإسلام بالسيف، بل انتشر فيه بسلام وضرب جذوره فيه، وهذا لمسلمي روسيا مثل فريد من نوعه. ولا يجب أن ننسى، أن الدين والدولة أمران منفصلان، وأن الإنسان المعاصر يجب أن يعي هذه أو تلك من الأحداث بعين ناقدة، وأن لا  ينسى القيم الإنسانية العامة والقيم الإلهية.

5-     مدينة بولغار فريدة من نوعها. كيف يمكننا أن نقدمها كمدينة نموذجية للمسلمين في روسيا وفي العالم؟ ما هي سماتها الإيجابية؟

الأهم هو أنها نموذج للعمل الجماعي يقوم به أتباع جميع الديانات السماوية المنتشرة في مدينتنا وجمهوريتنا. ففي ناحيتنا ستة وعشرون قومية، إنها فسيفساء من القوميات والشعوب. ولكننا نسير معا في اتجاه واحد، نسير على دروب مختلفة ولكن إلى نفس الهدف.

المشاكل قد تظهر عندما نضع بعضاً منا في مواجهة البعض الآخر

يجب ألا ننسى، أن الإسلام في أصوله دين سلام وخير. للأسف، كثيرا ما توضع في يومنا هذا علامة مساواة بين الإسلام والإرهاب، وهكذا تظهر الإسلاموفوبيا أي كره الإسلام والمسلمين.

سكان مدينتنا من أتباع دين محمد يعيشون بأفكار الخير. فالخير سبيل مسلمي مدينتنا.

 

6-     كيف تتم إدارة الحوار بين ثقافة الإسلام والأورثوذوكسية في مدينتكم على أرض الواقع؟ هل توجد لديكم لجان أو منظمات لهذا الغرض؟

في جميع المنظمات على مستوى الناحية (المنطقة) هناك مسلمون وأورثوذوكس، صوت الأورثوذوكس مسموع كما هو مسموع صوت الإسلام ، وعدد أتباع هذا الدين أو ذاك لا يلعب أي دور، بل إننا ننظر إلى واقع وجود هذا الدين أو ذاك.

إنه العقل والحس السليم، وهو ركيزة تعايشنا السلمي.

 

7-     ما هو التحدي الأصعب في عمل عمدة المدينة؟ هل تتعاملون في عملكم مع مجموعات دينية صغيرة أو رؤى متعصبة؟

التحدي الأصعب هو العمل مع الناس، فكل واحد يأتيني بمشكلته.

قلما يأتي أحد بأمر سار، في الغالب يأتي بما يجب التعامل معه لمعالجته أو تغييره، أو بما يتطلب تدخل السلطات.

أنا بصفتي الشخصية، مستعد لمساعدة كل واحد منهم، ولكنني كمسؤول أفهم أنني لست قادرا على فعل كل شيء لهم.

وهذا هو الأمر الأصعب.

أعمل في أجهزة السلطة منذ نحو 11 عاما، وخاصية هذا العمل هي حل مشاكل المواطن منذ ولادته وحتى وفاته.

على سبيل المثال: قوانين الدفن على أراضي الإتحاد الروسي لا تأخذ بعين الاعتبار أحكام الدفن في الاسلام. لا يوجد تضارب، ولكن هناك فارق بسيط، ولا يمكننا أن نتصرف بشكل صريح وواضح بسببه.

ليس هذا أمرا جيدا، وليس سيئأ في نفس الوقت، ولحسن الحظ هذا الفارق الوحيد هو أساس المشكلة حاليا.

  • رئيس بلدية بولغار مع رئيس تحرير موقعنا
  •  

8-      أنتم رجل أرثوذوكسي، علماني، تشغلون منصب عمدة مدينة بولغار- قلب الإسلام في روسيا، مدينة لها خصائصها الاثنية والدينية. والكثير يعتمد على سياسة فريقكم الحكيمة، واليوم، بفضلكم وبفضل من معكم، الحياة في بولغار تعتبر نموذجا للكثير من الدول. ماذا تودون أن تتمنوا لهم في ختام حديثنا؟

الإنسان بطبيعته بعيد عن الكمال. للأسف، يعيش في غالب الأحيان وهو ينتقد ويدين ويقيم الآخرين. ولكن، هل يعيش هذا الشخص كما يجب، أو هل اقترب من الكمال؟ هو لا يفكر بهذا.

أعتقد، أن علينا قبل انتقاد أحد أن نبدأ من أنفسنا، أن نكون أشخاصا طيبين، خيرين ومتعاطفين مع الآخرين.

حينها سيصبح المجتمع طبيعيا، وخيرا ومتجاوبا، سيصبح المجتمع كما سيصبح كل فرد منا هكذا. يجب الابتعاد عن الـ"أنا" الهدامة، عن الشخصنة الزائدة عن اللزوم والتي أصبحت للأسف أولوية في عالمنا المعاصر، عالم العولمة والمعلوماتية، بينما ينبغي أن تكون الأولوية للتفكير في القيم الإنسانية والأخلاقية.

رئيس ناحيتنا مسلم، ولكنه يحاول أن يكون أول من يهنىء الموظفين المسيحيين بأعيادهم. هو يعتبر هذا أمرا واجبا عليه، ويحترم ويبجل مقدساتنا. مثل هذا الاحترام لا يتطلب أي نفقات مادية، وهو ينبع من معدن الشخص، من روحه، إنه تعبير عن ثقافة الشخص.

نسبة الأورثوذوكس في ناحيتنا هي الأعلى على صعيد جمهورية تتارستان. 90% من سكان الناحية هم من الأورثوذوكس، وهي الجالية الأكثر تنظيما. إنه للغزٌ أن يكون قد ولد قلب الإسلام في روسيا في ناحية تعيش فيها أكبر نسبة من الأورثوذوكس على صعيد جمهورية تتارستان.

 

  • باسم أسرة تحرير الموقع، أتمنى لكم ولمدينتكم الازدهار والسلام والخير. وآمل أن يعطي نموذجكم العالم دروسا جديدة من التاريخ، وصفحات جديدة ناصعة من هذا النموذج الفريد للعلاقة بين الإسلام والمسيحية.