سنوات جمال الدين الأفغاني في روسيا

وضع الباحثون والكتَّاب المهتمون بشخصية داعية “الجامعة الإسلامية”، المصلح الدينـي جمال الدين الأفغاني (1838-1897) وحياته وأوجه نشاطاته الفكرية والسياسية والدينية... عدداً كبيراً من الكتب والدراسات والمقالات بلغات مختلفة:عربية، وفارسية، وفرنسية، وإنجليزية، وروسية... وقد غطت هذه الكتابات مساحة واسعة من حياته التي أمضى معظم سنواتها متنقّلاً، رغماً عنه، بين دول كثيرة كإيران، وأفغانستان، والهند، ومصر، وتركيا، والعراق، والحجاز، وفرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وروسيا... ولعل المدة التي أمضاها جمال الدين الأفغاني في روسيا (زهاء ثلاث سنوات 1887-1889) هي المرحلة الزمنية الأكثر غموضاً، والأقل دراسة في سيرته الخصبة. إذ لم تفرد لها حتى الآن دراسة متخصصة، وافية، تحيط بها، وتلقي الأضواء اللازمة والضرورية على نشاطاته، ولقاءاته، وحواراته، وحركة فكره السياسي والإصلاحي، إبان تلك السنوات. فعقب خلاف بين الأفغاني وناصر الدين شاه في إيران ، بعد أن دعاه الشاه لمقابلته و“احتفى به، وأعجب بأفكاره الإصلاحية (...)، وأراد تعيينه وزيراً للحربية، ثم رئيساً للوزراء”، أوقعت به دسائس الحاشية، وأراد الشاه إبعاده، فاستبق الأفغاني الأمر، وطلب إذناً بمغادرة البلاد إلى أوروبا في نيسان/أبريل 1887.

وصل جمال الدين الأفغاني إلى موسكو، قادماً من بلاد فارس عبر القوقاز، يوم 10/5/1887، وذلك بصحبة صديقه في حكومة الشاه، محمد حسن (أمين الضرب)، وخادم الأفغاني، ميرزا رضا كرماني (الذي قتل الشاه فيما بعد)، وآخرين. وكان غرض هذا الوفد التفاوض بشأن إقامة خط حديدي بين مازندران (شمال إيران) وطهران..كانت فكرة القيام بزيارة روسيا تراود الأفغاني منذ مدة طويلة، إذ اجتمع خلال إقامته في باريس (1883-1885) مع سياسي وناشر روسي اسمه (كاتكوف)، كان يصدر جريدة “أنباء موسكو” (موسكوفسكيي فيدوموستي)، وكان صديقاً للقيصر الروسي ألكسندر الثالث. ويتردَّد في مصادر كثيرة أن كاتكوف هذا هو من دعا الأفغاني إلى روسيا، في حين اقتصرت جهود كاتكوف، في تقديرنا، على تقديم الأفغاني للمجتمع الروسي والنخبة الحاكمة فيه والصحافة، وعلى تيسير إقامته في روسيا أيضاً. وعلى أية حال، فقد أمضى الأفغاني قرابة عام في موسكو، و18 شهراً في بطرسبورغ (بتروغراد يومها)، وزار كييف (عاصمة أوكرانيا اليوم)، وقام بجولة في شمال القوقاز الروسي، حيث يوجد عدد من الشعوب الإسلامية. وجدير بالذكر أن جريدة “القوقاز” كانت نشرت مقالاً عن الأفغاني، وهو بعدُ في طريقه إلى موسكو عبر المنطقة، (يوم 7/5/1887). لقد أولت الصحافة، والنخبة السياسية، والعسكرية، والإسلامية في روسيا جمال الدين الأفغاني اهتماماً جدّيَّـاً وكبيراً. فقد جاء إلى تلك البلاد وشهرته تطبق الآفاق، بعد أن عاش في باريس، حيث أصدر “العروة الوثقى” مع الإمام محمد عبده، ودخل في حوار حول الإسلام مع إرنست رينان الشهير... ودعاه الإنجليز إلى لندن للتشاور معه بشأن ثورة المهدي في السودان، فالتقاه هناك سياسيون بارزون: وزير الخارجية اللورد سالسبري، ودارموند وولف، وراندولف تشرشل... أما في روسيا فدعاه القيصر ألكسندر الثالث لمقابلته، واستقبله وزير الخارجية غيرس، وكانت لـه لقاءات مع رئيس القسم الآسيوي في وزارة الخارجية زينوفيِف، والجنرالين المرموقين في روسيا: ريختر وأوبريتشِف، وأعلام المسلمين هناك: الكاتب التتري موسى جار الله بيغييَّف، والرحالة عبد الرشيد ابراهيموف صاحب الكتاب الدوري “المرآة” (الاسم بالعربية أصلاً). وتظهر نغمة الإكبار للـ أفغاني منذ البداية، في مقالة بجريدة “موسكوفسكيي فيدوموستي” (1/7/1887)، رغم ما فيها من مغالطات جلية: “يقيم الآن في موسكو أفغاني هو جمال الدين. إنه عربي الأصل، ولد في كابول عام 1838، وينتمي إلى السادة، أي إلى سلالة محمد مؤسس الدين الإسلامي. وقد غادر هذا الشيخ بلاده منذ عشرين عاماً، عقب حرب بين القبائل لم يكسبها، وخاضها بصفته زعيماً لقبيلته”...

كان الأفغاني مهتماً بنشر أفكاره بين المسلمين في أرجاء الإمبراطورية الروسية، وبمعرفة أوضاعهم، وجمع معلومات عن أعدادهم ومشكلاتهم، وكذلك بالقضايا السياسية الخاصة بالعلاقات بين روسيا والبلدان الإسلامية، من زاوية السعي لإقناع روسيا بالتصدي معاً للدور الاستعماري البريطاني في المنطقة. أما روسيا فكانت بالغة الاهتمام بـ الأفغاني الذي كان يناصب عدوتها بريطانيا العداء بفاعلية تقوم على قواعد واسعة في مجمل العالم الإسلامي يومذاك. ثم إن السنوات التي قضاها الأفغاني في روسيا كانت تتسم بوجود خلافات شديدة وواسعة على المصالح بين الروس والإنجليز في إيران، وحول قضايا تخصّ باكستان وأفغانستان، بقصد تقسيم هذه الأخيرة، وضمّها إلى المستعمرات الإنجليزية. وهكذا فتحتِ الصحف الروسية صفحاتها لموادّ كثيرة، كان بعضها عن الأفغاني وشخصيته وأفكاره... وبعضها مقابلات معه، ومقالات له عن الاستعمار الإنجليزي والأوضاع في البلدان الإسلامية. وفي طليعة تلك المنابر “نوفويه فريميا”، و “موسكوفسكايا غازيتا”، و “موسكوفسكيي فيدوموستي”. وجدير بالذكر أن الأفغاني تعلّم اللغة الروسية هناك، وفي غضون سنة كان يجيد التحدث بها، والحوار مع أبنائها دون حاجة إلى مترجم.

كان الأفغاني يتابع الصحافة الروسية متابعة دقيقة في عاصمة القياصرة بطرسبورغ (بتروغراد) حين نشرت الصحف، في صيف 1887، المفاوضات الخاصة بترسيم الحدود بين روسيا وأفغانستان بوساطة إنجليزية. فانبرى لهذا الموضوع بمقال غاضب، في “نوفويه فريميا” (15/8/1887)، تحت عنوان “حول موقف إنجلترا من روسيا”، مطالباً بضرورة التفاوض مباشرة مع البلدان الإسلامية، دون وساطة إنجليزية، وتساءل باستنكار: “كيف خطر للروس أن يسمحوا بقبول وساطة الإنجليز في مفاوضاتهم مع الأفغان؟ وما الداعي لأن تسمح روسيا لإنجلترا بأن تكون ساعيَ خير، ونصيراً للأفغان الذين يكرهونها في الصميم؟‍! إن روسيا، بفعلها هذا، تمنح إنجلترا فرصة لاستمالة الأفغان تدريجياً، والوصول مع الزمن، حتى إلى فرض نفوذها عليهم، كما على كثيرين آخرين”. وتوالت مقالات الأفغاني: “حول أسباب الأحداث الحالية في أفغانستان”، و“حول الشؤون الأفغانية”... وكتب صحفي في “موسكوفسكيي فيدوموستي” يقول: “وردَّا على سؤالي عن الأسباب التي حدت به إلى القيام بهذه الرحلة البعيدة، أجاب الشيخ، بشيء من الدعابة، إنه كان في لحظات الفراغ يتمنّى أن يرى بأم عينه هذه البلاد التي يعلق عليها ستون مليون مسلم هندي آمالهم بأن تشملهم بعطفها، وتحررهم من الظلم الفادح الذي يوقعه بهم الإنجليز المتغطرسون القساة” .

لم ينِ الأفغاني يشنّ حربه الإعلامية على المستعمرين الإنجليز ويفضحهم، مبيناً أنهم ينتهجون سياسة دائمة، وفي كل مكان، وَفقاً لخطة واحدة تبدأ بتغلغلهم، أوَّلاً، بصفة مستشارين ووسطاء، وأنصار، ومساعدين... ثم يكونون، بعد ذلك، مستعدين للصبر عشرات السنين، أحياناً، كي يصبحوا هم الحكّام الفعليين. وهو يصف هذا السلوك الماكر بأنه “سياسة جزويتية” يمارسها الإنجليز تكراراً، وبحذافيرها، في كل مكان، إزاء جميع الفرق والمذاهب في الهند، وعلى المنوال نفسه ينسجون، ساعين لكسب ودّ القبائل في شبه الجزيرة العربية وغيرها، كما في دول كبيرة، مثل تركيا، وبلاد فارس اللتين كانتا محطّ اهتمام الإنجليز. ويظهر واضحاً كم كان هذا المصلح الديني والمفكر، جمال الدين الأفغاني، منغمساً في السياسة حتى أذنيه، ما جعل أحد أبرز أنصاره، محمد رشيد رضا، يقول عنه: إنه كان رجل دين انتصر فيه السياسي.

خلاصة نشاط الأفغاني تتمثّل في سعيه الدؤوب لنشر أفكاره الإصلاحية الداعية إلى نهضة الأمة الإسلامية ووحدتها (على أساس الوحدة الروحية التي تجمع بين مختلف البلدان الإسلامية)، وتحررها من الاستعمار، والتعصب، والتخلف. فقد صرّح أمام علماء المسلمين في موسكو قائلاً: “إن الأمة الأوروبية تفاعلت مع العلم، واكتسبت المعارف، واستوعبت التقنية، فأصبحت بذلك من أمم العالم المختارة والمتقدمة. وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا لكي لا يسمينا الأوروبيون متزمَّتين”. ولما كانت مواقف الأفغاني إزاء قضايا حساسة في السياسة الدولية، هي على هذا القدر من التأجج والوضوح والقوة، ونظراً لشعبيته في العالم الإسلامي، وبين مسلمي الإمبراطورية الروسية خاصة، رغب القيصر ألكسندر الثالث بمقابلته، فدعاه إلى قصره.

 اللقاء بالقيصر 

تحدث جمال الدين الأفغاني، في حضرة القيصر، عن الجوهر الاستعماري للسياسة الإنجليزية في بلدان الشرق الإسلامي، وناشد القيصر تحسين أوضاع المسلمين في إمبراطوريته بفتح مدارس لهم، وطباعة كتب وصحف بلغاتهم الأم... كان القيصر ينصت إليه ببالغ الاهتمام، ثم سأله عن سبب خلافه مع ناصر الدين شاه، فقال الأفغاني إنه طالبه بالاستعاضة عن الحكم المطلق بملكية دستورية. وردَّ عليه القيصر بأنه ما من حاكم في الدنيا يقبل طوعاً بأن يدير الشعب شؤون دولته. وعندئذ أجابه الأفغاني: “أعتقد، يا جلالة القيصر، بأن عرش الملك يكون أكثر ثباتاً، إذا كان يتمتّع بتأييد ملايين الرعايا الأصدقاء، فذلك خير من أن يكون أولئك أعداء له، يتربصون به، ويُضمرون له في قلوبهم سموم الحقد ونار الثأر...”. عندها قطع القيصر اللقاء، وأفهم الأفغاني أنه غير مرغوب فيه، فاضطر لمغادرة روسيا في 4/11/1889، عائداً إلى إيران.

خلَّف الأفغاني في روسيا عدداً كبيراً من التلاميذ والأنصار، منهم الكاتب موسى جار الله بيغييَّف الذي روى عن الأفغاني قوله مرة: “إنني أذوب إعجاباً بفن الغرب وعلمه وتنويره، ولا سيما بعلومه الرياضية، ولكنني أنظر بريبة إلى أفكاره الاجتماعية، ونظمه الاجتماعية”. وفضلاً عمَّا هناك من مواد ووثائق عن الأفغاني، تحتفظ بها المكتبات الحكومية ودور الأرشيف الروسية، ثمة أيضاً مقالات وشهادات ثمينة وغنية بالمعلومات أحياناً، تضمها مجلات وكتب، كانت تصدر ما بين 1905 و 1917، في بطرسبورغ، وقازان، وأورنبورغ باللغتين العربية والروسية. إنها تتضمّن تفاصيل قيَّمة عن حياة جمال الدين الأفغاني، ونشاطه الفكري، والسياسي، والديني في البلدان التي قُدَّر له أن يقيم فيها مدة من الزمن، تفاصيل تلقي مزيداً من الضوء على آرائه الإصلاحية، وعلى مضمون كتيّبه “الرد على الدهريـين”، ومقالاته المنشورة في “العروة الوثقى”... نشرت مجلة “الشورى” (باللغة التـترية، العدد 5 عام 1916) رأي الأفغاني بالتعليم في بلدان الشرق الإسلامي، إذ يقول: إن الأفكار، والتقاليد، والاقتناعات التي كانت سائدة في البلدان الإسلامية، لم تكن تساعد على تطور العلم. وإنه لأهون، في الوقت الحاضر، أن تسافر إلى البرازيل، وتؤسس هناك دولة إسلامية مثقفة، من أن تُصلح بُخارى المعاصرة. ولا عجب أن العرب الذين بنوا حضارة في الأندلس لا يستطيعون اليوم أن يفعلوا شيئاً في مراكش، وفاس، أو في الجزائر... لئن كانت شجرة العلم قادرة في عالم العلم أن تثمر، فإن ذلك متاح قبل كلّ شيء لمسلمي روسيا، بفضل الثقافــة الروسية".

ولم يتخلَّ جمال الدين الأفغاني عن حلمه ومسعاه باتجاه استدراج الإمبراطورية الروسية إلى تحالف مع المسلمين ضد الاستعمار الإنجليزي، فعاد بعد سنتين وخطّ رسالة طويلة إلى القيصر، يحثّـه فيها على تخليص إيران من ربقة الإنجليز. وفي حدود تقصياتنا، لم تنشر هذه الرسالة بأيّ من اللغات حتى الآن. وها نحن نقدم هنا إلى القارئ العربي أول ترجمة لنص هذه الرسالة من الأفغاني إلى القيصر الروسي.

 

نص الرسالة

"جلالة إمبراطور سائر أراضي روسيا ألكسندر الثالث عظم الله شوكته، آمين 13 نوفمبر 1891

مولاي. إن طغيان الحكومة الإنكليزية في بلدان الشرق المترامية الأطراف، وتوسعها اليومي الجشع في تلك المناطق لابد أن يرغما أي شرقي شريف النفس على بذل قصارى جهده في سبيل منع هذه الحكومة من المضي قدماً في هذه القسوة والفظاظة، وتخفيف خشونتها في التعامل مع شعوب الشرق في مستعمراتها، بل وخلع هذا النير الثقيل، إذا أمكن. إن أهل العقل في الشرق، المطلعين على الأوضاع في العالم، واثقون من أننا لن نستطيع بلوغ هذه السعادة إلا إذا اتحد جميع أهل الفكر في الشرق، وأجمعت الدول المستقلة في هذه المنطقة على رأي واحد، وبذلت كل مافي وسعها في سبيل تعزيز نفوذ روسيا السياسي في الشرق، وتنسيق النهج السياسي معها. ولما كان نشر هذه الفكرة السامية، فكرة إنقاذ شعوب الشرق، وكذلك إيصال هذا المطلب إلى جميع أهل الفكر التحررين في الشرق عن طريق الجرائد، مهمة عسيرة، فإن ذوي الاقتدار في الهند وأفغانستان ومصر، الموافقين على هذا الرأي، كلفوني بالسفر إلى باريس، والقيام بإصدار جريدة مجانية باللغة العربية هي “العروة الوثقى”، سعياً لنشر الفكرة المعنية عن طريق هذه الجريدة، وعن طريق المطبوعات الأجنبية أيضاً، لكي يقدِّر جميع الناس في الشرق حسن مقصدنا السامي، ويبذلوا قصارى جهدهم لبلوغه، وكذلك لإطلاع الحكومة الروسية على آمال شعوب الشرق. وعلى امتداد أربع سنوات اشتغلت في باريس بهذه القضية الهامة، وفقاً للمطلوب. وليكن في علم جلالتكم بالطبع أن أهل الاقتدار الذين اختاروني للقيام بهذه المهمة وجدوا أن إصدار الجريدة كان له نتائج إيجابية في الشرق. فقد أيقظت العقول، وأزالت الشكوك بروسيا، وقرَّبت بين آراء شعوب الشرق. (مثلا: بخصوص مشكلة كشمير، ومشكلة هشتاوان وخرسان، وتفاعلات جديدة أخرى لتوسع إنجلترا في إيران). لذلك نصحوني بأن عليَّ: أولآً: من أجل نشر هذه الأفكار أن أسافر في البداية إلى إيران، ثم إلى بطرسبورغ، لكي أعمل ما في وسعي من أجل إحاطة جلالتكم علماً بأفكار العقلاء في الشرق. وحال وصولي إلى طهران رأيت أن جميع فئات المجتمع، من وزراء وعلماء وتجّار وغيرهم، يتعطشون لتقوية سياسة روسيا في الشرق. وخلافاً لذلك، رأيت أن تأثير روسيا على إيران بلغ الحضيض في الواقع، في حين تعاظمت هيمنة إنجلترا إلى درجة تجعل من الضروري أن نسمي تلك الهيمنة استعماراً، وليس نفوذاً سياسياً. ويعود السبب في ذلك إلى فكرة الشاه الباطلة بشأن الفكرة التي طرحها العثمانيون قبل خمسة عشر عاماً أيضاً بأنه يجب إرضاء الإنكليز بجميع الوسائل الممكنة، ليقفوا سداً منيعاً أمام روسيا. ولبلوغ هذه الغاية سلّم (الشاه) زمام الأمور كلّية لجاهل غِرّ طمّاع، إذْ لم يؤيد الشاه في هذا التوجه غيره. إلا أن هذا الغِرَّ الفاسد الأخلاق لا يتصرف وفقاً لآراء الشاه، وإنما يدفعه فساده إلى خدمة أطماعه الخاصة، انطلاقا من أن لدى الإنكليز أموالاً كثيرة، فيحاول الحصول على تلك الأموال بشتى السبل، دون أن يفكر إطلاقاً بعواقب ذلك على الدولة الإيرانية. لقد رأيت أن القوى السياسية في الوقت الحاضر، أعني الجميع، باستثناء الشاه وهذا الوزير الفتي، مستعدة لإلغاء كل ما هو قاتم حالياً من عقود واتفاقيات هبطت بالوضع السياسي لدولة إيران إلى مستوى الولايات الهندية. ولكن، قبل البدء بتطبيق هذه المسألة الهامة، وتفادياً للخسائر البشرية والمالية الممكنة، فإنهم يرغبون بتلقي دعم أدبي ومعنوي من روسيا. وقد جئت إلى روسيا بعد أن عقدت اتفاقاً مع هذا الحزب العظيم. فالتقيت مع السيد كاتكوف في موسكو، وعرضت عليه بالتفصيل جميع آراء حلفائي في الهند وأفغانستان ومصر وإيران. وبعد أن نشر في جريدتة مقدمة مستفيضة عني وعرض فيها آراءنا، وهذا مقصدي، كتب رسالة مفصلة عني إلى السيد بوبيدونوسوف. وعندما وصلت إلى بطرسبورغ، والتقيت بالسيد بوبيدونوسوف وجّه إلى جلالتكم رسالة أرفق بها مقالة السيد كاتكوف، بينما كنتم جلالتكم في الدانمرك. وبعد ذلك التقيت بالجنرال إغناتيِف، وأوبروتشِف، وتشيرنيايِف، وميتشيرسكي، والسيدة نوفيكوفا، والعقيد كاماروف، والسيد زينوفيِف، واستعرضت أمامهم مقصدي بإيجاز، كما أعلنت في جرائد بطرسبورغ بعض أفكاري التي لم تكن تنطوي على أي ضرر سياسي. وطبيعي أن تكون هذه المعلومات قد وقعت في حقل نظر جلالتكم. وبعد بعض الوقت أتيح لي أن ألتقي مع الجنرال ريختِر. فقد استفضت أمامه في عرض أفكارنا وأهدافنا، ورجوته أن يساعدني في تأمين عقد لقاء مع جلالتكم. وقال لي إن له الشرف أن يكون أذناً لجلالتكم: “اعلمْ أن كل ما قلتَه لي إنما قلتَه لجلالته”. إلا أن هذا اللقاء بالغ الأهمية في الوقت الراهن. وسيتحقق حين يأتي وقته. فالإنجليز متنبِّهون اليوم كما لم يكونوا متنبهين من قبل. وفي هذه الأثناء قدمت لوزارة الخارجية عددا من الخطط الصغيرة والكبيرة التي وضعها حلفائي في الهند وأفغانستان ومصر وإيران. ولما كانت إقامتي في بطرسبورغ قد طالت لمدة ثلاث سنوات، دون أن تسفر عن أي نتائج، فقد كتب لي حلفائي من إيران أن هاشتادان ضاعت، ويجري عقد معاهدة سرية مع الأمير قاين (أي أن أبواب خراسان مفتوحة). والطريق مفتوحة من كوادر إلى كرمان، بينما يشتري الإنكليز القرى في تلك الأماكن (أي أن مجمل منطقة كرمان الشاسعة وحتى بندر عباس أصبحت تحت سيطرتهم). لقد ضاعت كارون (أي أن الأهواز وشوشتر حتى زردكوه في قبضة الإنجليز). وقد سُلّمت الطريق من الأهواز حتى طهران، بالإضافة إلى البنية التحتية كاملة (وهذا يعني أن العراق كله أصبح ضمن مجال السيطرة الإنجليزية). كما ضاعت معادن (أي أن سيطرة الإنجليز شملت جميع مناطق إيران). وضاعت نبك (ومعنى ذلك أن الروح الحية للمروج الإيرانية وقعت في قبضة الإنجليز). وضاعت تنباكوه (مايعني أن ثلث أرزاق الإيرانيين اليومية أهدي للإنجليز). وهذا ماسيحل فيما بعد، تدريجياً، بمئات المناطق الأخرى. وإجمالاً، فإن إيران كلها وقعت تحت سيطرة الإنجليز. ولن تمضي مدة طويلة حتى يصبح الشاه في واقع الأمر شبيهاً بأحد النواب الهنود، وتصبح إيران جزءاً من دولة الهند. فمتى نستطيع أن نحصل من روسيا على دعم لنا لتغيير الأوضاع، وقطعِ الطريق على سياسة بيع الأوطان بهذه الطريقة الشنيعة. إن الأحياء هم القابلون للعلاج وليس الأموات. ولاشك في أن روسيا، إذا ماقدمت لنا الدعم، سوف تستعيد نفوذها ومصالحها في إيران، علماً بأن نفوذها السياسي الآن، وقدرتها على حماية مصالحها في تلك البلاد، أصبحا معدومين عملياً. وحتى أولئك الأشخاص الذين كانوا في الماضي ينظرون باحترام إلى عظمة دولة روسيا، ووزن كلمتها السياسية في الشرق، أصبح في مقدورهم أن يغيروا أفكارهم كلية في وقت قريب. ولكننا نعتقد أن السفير الروسي، وبسبب الهزيمة النكراء التي منيت بها روسيا في الميدان السياسي، يخجل من أن يرفع لجلالتكم صورة صادقة وكاملة عن حقيقة الأوضاع. على أننا لانستطيع أن نتصور أن روسيا عاجزة حقاً. وفي هذه الأثناء وصل الشاه إلى بطرسبورغ، وكان أكثرية وزرائه وحاشيته من حلفائنا الذين كتبوا هذه الرسائل بالذات. وقد أكدوا لي من جديد أن علّي أن أسعى للحصول على دعم أدبي من الدولة الروسية، من أجل الدفاع عن حياتهم وممتلكاتهم، لكي يستطيعوا توجيه مجمل قواهم ضد سياسة بيع الأوطان، ووضع حد لاستمرار سيطرة الإنجليز. وقالوا إنهم إذا هم طالبوا في بطرسبورغ بالدفاع عن أرواحهم وممتلكاتهم، قبل أن تصدر دولة روسيا مرسوماً يقضي بحمايتهم، فإن أفراد عائلاتهم في إيران سوف يقتلون عن بكرة أبيهم. ولذلك فإنني التقيت مراراً بالسيد غيرس، وشرحت له حالة الوزراء الإيرانيين، وسلَّمت باليد للسيد غيرس وفيلينكالي بعض الخطط. كما أوضحت على نحو مفصَّل للسيد زينوفيِف أن الوزراء والعلماء والتجار في إيران يعتقدون بأن الدولة الروسية ستشملهم برعايتها، وتحمي أرواحهم وأموالهم، وسيكون في وسعهم تغيير الاتفاقيات القائمة مع الإنكليز، أو إلغاؤها كلياً. لقد وعدني السيد زينوفيِف وعداً لا لبس فيه بأن روسيا ستدافع عن أرواح وأموال من سيقومون بهذا العمل. وقال لي أيضا إنه سيكتب في الحال رسالة إلى سفارة روسيا في طهران. وقد قدَّمتُ له قائمة بأسماء بعض الوزراء والعلماء والتجار والأعيان الذين ساهموا مساهمة فعالة في هذا الأمر. إن الشاه أخذ مني وعداً بأن أسافر إلى طهران نزولاً عند طلبه. واعتمادا منّي على تطمينات السيد زينوفيِف فقد سافرت إلى طهران، وأخبرت حلفائي بأن روسيا، وَفقا لكلام صريح من السيد زينوفيِف، ستقدم لهم دعمها (الدفاع عن أرواحهم وممتلكاتهم) من أي طبقة كانوا، وبوسعهم الآن أن يستخدموا جميع الوسائل لتغيير السياسة التي تنتهجها بلادنا حالياً. وقد تجرأ حلفاؤنا وكتبوا إلى المناطق الإيرانية، وطمأنوها إلى أن روسيا ستدافع عنا جميعاً، ولم يعد ثمة من داع لخوفنا الآن. إننا اليوم يجب أن نتَّحد ونبذل أقصى جهودنا للدفاع عن حقوق دولتنا ومصالحها، لكي لا نسمح لهذا الغِرّ الجاهل أن يبيع إيران لإنجلترا بثمن بخس. وكانت أول حادثة نجمت عن ذلك هي أنْ أصدر الوزير الفاسد الأخلاق أمراً يقضي بنهب ممتلكاتي، وطردي باتجاه بغداد بمنتهى الوحشية والخشونة، فتحملت عذابات رهيبة، وبقيتُ دون لباس شتوي. وكتب إلى الدولة العثمانية زاعماً أنني أقوم خارج حدود البلاد الإسلامية بدعوة الشعوب للاحتماء بروسيا، وأنه يجب الحذر مني. ومن دون تبصر بحقيقة الأمر أرسل الصدر الأعظم العثماني برقية إلى والي بغداد، أمره فيها باعتقالي في إحدى ولايات العراق. ولهذا السبب ألقوا بي في السجن مدة سبعة أشهر في مدينة البصرة. ولم أتمكن من النجاة والهرب إلى لندن إلا بعد اللجوء إلى ألف حيلة عجيبة. أما الحادثة الثانية فهي أن جماعة حلفائي اعتقدت بأن ما وقع لي كان مباغتاً، وأن سفارة روسيا لم تتلقَّ معلومات عن ذلك، وإلا لكانت دافعت عني وَفقاً لوعدها. ولذلك فإنهم، بناء على تطمينات السيد زينوفيِف، أعلنوا مجدّداً أن نفوذ الإنجليز في إيران يُلحِق الضرر بجميع الإيرانيين، أما الاتفاقيات والمعاهدات التي يعقدها الوزير الأعظم مع إنجلترا فإنها في الواقع تعني تسليم إيران كلياً لإنجلترا. لقد تقدموا إلى الشاه بعريضة ضمّنوها شكواهم من سياسة الوزير لتفريطه بحقوق الشعب ومصالحه. وإذْ لم يدرك الشاه أن هذا الطلب من جانب رعاياه هو الطريق إلى ضمان دوام دولته وصلاح رعيته، فإنه سلَّم هؤلاء المظلومين لوزيره الجلاد كي ينكِّل بهم. وهذا الجاهل الفاسد الأخلاق قام خفية بإعدام ستة منهم في السجن، كانوا يحبونني أكثر من حبهم أي شيء. وأستطيع أن أذكر أسماءهم واحداً واحداً، وأقدِّم الأدلة على إعدامهم. أما الآخرون فقد أودعهم السجون في قزوين وأماكن أخرى، بعد نهب ممتلكاتهم، وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب. بينما طرد بعضهم من إيران ونفاهم إلى بغداد. ولكي يهدئ اضطرابات العامة، ويقطع الطريق على احتجاجات الأجانب، قال بعد ذلك إنهم كانوا من البابيين (أي أعداء ألدّاء للشاه). علماً بأنه لم يكن لهم أية علاقة بالبابيين. ولم يكونوا، في الحقيقة، إلا خصوماً لأساليب الوزير ولتدخل الإنجليز، وأنصاراً لسياسة روسيا، ويشهد على ذلك ما أعلنوه بأنفسهم. ولشديد الأسف، فإن روسيا لم تقم، حتى هذه اللحظة، بالدفاع عن أولئك المظلومين الذين يلاقون العذاب في سبيل قضية عادلة، بسبب وعد من السيد زينوفيِف وسياسة روسيا في الشرق. إن سفير روسيا في طهران يستطيع أن يعرف الحقيقة عن طريق الوزراء الآخرين وعامة أهالي طهران. غير أن المترجمين الشرقيين (عرباً وفرْساً) قد لا يفصحون عن الحقيقة كما يتوجب عليهم، وذلك حرصاً منهم على مصالحهم. فإذا ما كانت روسيا ستواصل في المستقبل موقفها اللامبالي إزاء هذه المسألة، فإن تلميحاً واحداً من جانبِ إنجليزيٍّ، أو تعبيراً غامضاً من قبل سفير إنجلترا، يمكن أن يصبح بالنسبة لهذا الوزير الغر سبباً للقضاء على المصالح القومية الروسية ومصالح الأهالي، ولإلحاق ويلات لاتحصى بأولئك المظلومين الذين يتجرَّؤون على الجهر برأي مخالف. وإذا ما واجهت روسيا صعوبات في أوربا، فليس مستبعداً أن يقوم هذا الوزير الجاهل، مدعوماً من إنجلترا، بإثارة اضطرابات في القوقاز وتركمانستان. وبناء على ذلك، فإنني على ثقة من أن كلمة صارمة من جلالتكم، أيها القيصر العظيم، لن تقتصر على تخليص الناس الأبرياء من آلامهم، وصونِ أرواح جميع الإيرانيين وممتلكاتهم، بل وبعد إسقاط هذا الوزير الجاهل ستحيي السياسة الروسية السابقة، وتعيد إلى سابق عهده نفوذَها الذي يعيش انحطاطاً تاماً في الوقت الحاضر (اللهمّ اجعل مرسوم جلالتكم عادلاً). فإذا ما قدِّر لي أن أكون جديراً بهذا الشرف، فإن جلالتكم ستصدر أمراً لأحد الوزراء كي يرسل رداً على هذه الرسالة إلى سفارة روسيا في لندن.

مع أسمى آيات الاحترام.

خادمكم المطيع الشيخ جمال الدين الأفغاني ـ لندن - لا دبروك غرود /32/".

 

د. نوفل نيوف (كندا)