الخطر عند تلك النخب لا تراه في قيم العولمة المادية والسياسية فقط بل أيضاً في انتشار المذاهب المسيحية الغربية كالبروتستنتية والانجيلية... وفي الحقيقة يعيش الوعي الرّوسي بمجمله حالة توتر كبير بعد القطيعة المعرفية والأيديولوجية السريعة والمفاجئة مع مضمون الإيديولوجيا التي سادت في الفترة السوفيتية. فلم يعد الانتماء منحصراً في ايديولوجيا واحدة

أو خيار اقتصادي واحد أو حزب واحد، لقد أضحى الانتماء الفكري والوجداني والروحي لدى المسلمين والأرثوذكس والبوذيين وغيرهم موزعاً.

  فعلى المستوى الإسلامي يتوزع الانتماء على أربعة تيارات أساسية: الإسلامي الذي يتداخل فيه الديني مع الإثني ويقترب في جانب منه أو يتقاطع مع الانتماء الأوراسي العام للاتحاد الرّوسي. والإسلامي الذي تشده الرغبة نحو إعادة بعث ثقافة "نيوسوفياتية"، والإسلامي الذي يجد نفسه منسجماً مع ما تفرزه العولمة الغربية من أنماط تفكير وسلوك جديدة، والإسلامي الراديكالي المتأثر بموجات التطرف لدى بعض متطرفي الإسلام السياسي عربياً ودولياً.

  أما الحديث عن ظاهرة إسلامية سياسية عامة في دولة الاتحاد الرّوسي، أو بمعنى أدق في روسيا الاتحادية، فهو أيضاً فرضية لا تزال بحاجة إلى مرحلة معينة من الزمن للإقرار بها أو لاستبعادها. بيد أن الأحزاب الإسلامية أو المزاج الإسلامي العام أضحى يشكل قوة، أو شخصية معنوية ملحوظة بين التتار والشيشان والانغوش والبشكير والمسلمين الآخرين الموزعين على موسكو وحوض الفولغا وسيبيريا.

  والقول أيضاً إن هناك مجموعة إسلامية واحدة متراصة لا يملك أي معطيات واقعية. فهناك توزّع بل تناقض وأحياناً تصارع على رباعي المال والقوى والسلطة والمعرفة الدينية، ولعل هذا يرجع إلى مسببات وحيثيات عديدة أبرزها:

  أولاً: إن التباعد الجغرافي والتفاوت العددي بين هذه المنطقة وتلك يضع عقباته الموضوعية أمام الجهد الحثيث الوحدوي الذي تبذله منظمة اتحاد مسلمي روسيا.

 ثانياً: إن الاختلافات الإثنية والتضارب في المصالح والأهداف حيال الموقف من سياسة الدولة المركزية، ليس فقط أمام المسألة الشيشانية المعقدة، بل أيضاً أمام نزعات انفصالية في تترستان وغيرها، هو الذي جعل الصوت الإسلامي لا يتحكم فيه التعدد فقط، بل التناقض إلى درجة الصراع أحياناً.

   ثالثاً: صراع النخب الدينية الإسلامية على المرجعيات، وعلى مسائل دينية ودنيوية كثيرة، هو الذي أحدث انشقاقاً بدا ظاهراً للعيان. شق يمثله رئيس الإدارة الروحية لمسلمي القسم الأوروبي الرّوسي الإمام (راويل عين الدين) وآخر يمثله الممثل الرسمي لمسلمي روسيا في منظمات "المؤتمر الإسلامي" واليونسكو ورابطة المسلمين الأوروبيين الإمام طلعت تاج الدين. وشق ثالث موزع على رؤساء الإدارات الدينية في الجمهوريات التي يغلب على سكانها اللون الإسلامي، وشق رابع شعبوي راديكالي شاب متمرد على الفروع الثلاثة للمرجعيات الإسلامية الرّوسيّة.

   رابعاً: الخلافات التي بدأت تظهر للعيان بين قاعدة الأحزاب الإسلامية وقياداتها حيال العديد من المسائل. واحدة منها التحدي القائم بين الانفصال عن الدولة المركزية الرّوسيّة، والاندماج فيها. ولكل خيار أو تحدٍ أحزابه وسنده لدى المؤسسة الإسلامية الرّوسيّة الرسمية. وعلى الرغم من تواجد غالبية المسلمين خارج العاصمة موسكو، فإن المايسترو الذي يحرك خيوط التحرك الإسلامي الرّوسي ينطلق من العاصمة نفسها وليس من الأطراف. وهناك كثير من المحاولات والتوجهات الوحدوية انطلقت، ولا تزال تسعى لتوحيد كلمة المسلمين من خلال اختيار رأس واحد لهم كما حدث عام 1996 عندما تم ولفترة لا تتعدى ستة أشهر اختيار الشخصيَّة الرّوسيّة الإسلامية المعتدلة رمضان عبد اللطيبوف كمنسق عام لاتحاد المنظمات الإسلامية الرّوسيّة، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح. علما بأن التوجه الرسمي العام للمسلمين الروس يتفاعل مع التوجه العلماني المرتكز على القيم التقليدية لمجمل أطياف التنوع الروسي. وهذا ما يلمسه المراقب في تتارستان وبشكيريا والشيشان وغيرها.

ورغم هذا التنوع والتناقض والصراع؛ إلا أن حالة إسلامية بدأت تعبر عن نفسها في الحاضرة الرّوسيّة على أكثر من صعيد سياسي وثقافي واقتصادي. وهذه الحالة تطمح إلى أن يتوسع حضورها ليشمل الدائرة الإسلامية العالمية من خلال منظمة التعاون الإسلامي. وفي هذا السياق فإن انضمام روسيا الرسمية كعضو مراقب في هذه المنظمة يحمل العديد من الدلالات والمعاني. أو من خلال إقامة مصارف إسلامية ومراكز تعليمية وثقافية تستند إلى قدراتها الذاتية حيناً وأيضاً إلى دعم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية والكويت وإيران وتركيا وغيرها. وتهدف كلها لدعم مواقفها ليس فقط من أجل تأكيد خصوصيتها بل لتوفير المعطيات الواقعية لاستمرارها ولزيادة نفوذها.

 علما أن مبادرة الرئيس بوتين في عام 2006 لتأسيس المجموعة الاستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي" واختيار الشخصية السياسية الروسية المرموقة يفغيني بريمكوف مثابة الوجه الأول لها لفترة من الزمن، ثم ترؤسها من قبل رئيس جمهورية تتارستان رستم مينخانوف في الفترة الراهنة، دليل على تفعيل الاهتمام الروسي بالإسلام الروسي في الداخل والانفتاح الواسع على العالم الإسلامي ككل.

  وفي ختام هذا البحث لا مانع من الدخول في مغامرة التنبؤ بمستقبل بعض جوانب الظاهرة الإسلامية في روسيا وطرح الفرضيات أو الاحتمالات الآتية:

  أ- إن مستقبل الإسلام كدين في روسيا مرتبط بمستقبل الظاهرة الدينية فيها ككل.

  ب- إن تبلور الخطاب السياسي لهذه المجموعة الإثنية والدينية الإسلامية قد يرشحها للعب دور معيّن في بناء المجتمع المدني الرّوسي إذا ما كتب النجاح للتطور الديمقراطي العام في روسيا، وإذا ما أفلحت هذه المجموعة في التوحيد العقلاني لقواها الداخلية وسعت برؤية بعيدة الأفق لتمتين العلاقة في شكل براغماتي حكيم مع المجموعات والقوى الأخرى في الحاضرة الرّوسيّة.

  ج- إن استمرار الصراعات بين النزعات الانعزالية، المدعومة من قواعد شعبية ومن أطراف داخلية وخارجية، والقوى المعتدلة والمرجعيات الدينية والسياسية، وأيضا نمو بعض التيارات الراديكالية قد يؤدي إلى إضعاف النمو الديناميكي للظاهرة الإسلامية ويؤدي تالياً الى إخراجها من مسرح الأحداث السياسية.

   د- إن استمرار اللجوء إلى خيار العنف، لدى الخط الراديكالي، وبالذات الأصولي منه، لا يؤجج روح الخلاف والصراعات داخل المجموعات الدينية فقط، بل يترك انعكاساته على التركيبة الإثنية المتنوعة للمجتمع الرّوسي، ويساهم في إضعاف الدولة الرّوسيّة بأسرها.

  سير الامور في المستقبل لا يرجع فقط إلى طبيعة النشاط الذي ستقوم به المجموعات الدينية والسياسية، بل هو مرتبط على المستوى المعرفي بالعقلنة الحكيمة للظاهرة الدينية الرّوسيّة عامة. وهو على المستوى الثقافي والسياسي بخلق قاعدة صحية لحوار هادئ وناجع بين الأديان يرتكز على فلسفة وثقافة الحوار والتعاون بين المجموعات الدينية والحضارية المتنوعة.

___________________________________________________

 

الهوامش

1- ترويتسكي ن. س. روسيا بين آسيا وأوروبا، موسكو، 1999، ص. 56.

2- المنبر الإسلامي. موسكو 1-6- 1995.

3- كارامزين تاريخ الدولة الرّوسيّة، موسكو 1983، ص 87.

4- راجع العددين 1 و3 من مجلة الإسلام في العالم المعاصر، نيجني نوفغورد، 2005.