مقارنة مع معظم البلدان الأوروبية الغربية تتميز روسيا بعلاقتها الخاصة مع شعوب الشرق الاسلامي. فهي ليست أقرب إليه من ناحية الجغرافيا فقط، بل إنها أكثر إدراكاً لعقليته. وذلك بسبب خصوصيتها الجيوسياسية والسوسيو-ثقافية والدينية. فيها يتفاعل الأوروبي مع الآسيوي، الغربي مع الشرقي، المسيحي مع المسلم. يشير إلى ذلك أحد مفكري التيار الأوراسي الرّوسي ترويتسكي ن.س. فيقول: "إن السلاف الشرقيين الذين تمكنوا من الامتداد والانتشار على كل السهوب الرّوسيّة كانوا على علاقة تواصل وتفاعل مع جيرانهم في الجنوب والشرق. ومن خلال الاختلاط الحياتي في كل مجالات الحياة بين المجموعة السلافية والمجموعة التركية، نُسج الخيط الأحمر للتاريخ الرّوسي بأسره" (1). وفعلاً، فإن الدور الكبير للمجموعة السلافية على مستوى تشكل الوجه التاريخي الخاص للثقافة الرّوسيّة، ودور الأرثوذكسية كحاضن ديني وروحي أساسي لهذه الثقافة، يجب ألا يوقعا المرء في النظرة "الذاتوية السلافيانوية- الأرثوذكسية" للتاريخ الرّوسي. فكثيراً ما يصطدم الباحث الموضوعي بتلك الرؤية التي تحجم عن إعطاء الحجم الطبيعي للمجموعة التركية والآسيوية الإسلامية التي ساهمت بشكل ملحوظ في تكوين النسيج الثقافي العام للمجتمع الرّوسي.

 فهناك الكثير من المعطيات والوقائع والأرقام التي تؤكد، وعلى مراحل تاريخية متعددة، الدور الملحوظ لهذه المجموعة في أكثر من مجال حساس. ولعل من الأهمية بمكان التذكير بأهم محطاتها. ففي عدد مثير للانتباه من جريدة "المنبر الإسلامي" نشر عام 1995، وهي الناطقة بلسان الإدارة الدينية لمسلمي القسم الأوسط من أوروبا، تشير الجريدة إلى الوقائع الآتية: "لقد كان للحضور الآسيوي في أعلى هرم الحكم الرّوسي مكانة مرموقة. فالقيصران بوريس وفيودور غودونوف وغيرهما هم من أصل تتري مسلم. وهناك خمس سيدات كن زوجات لخمسة من القياصرة هن: سليمة صابوروفا، الزوجة الأولى للقيصر فاسيلي الثالث، ويلينا غالسكايا الزوجة الثانية للقيصر نفسه، وناتاليا ناريشكينا، الزوجة الثالثة للقيصر اليكسي ميخايلوفيتش ؛ وتلك، كانت أم القيصر بطرس الأكبر، ومارفا أبراسكينا زوجة القيصر فيودور الكسيفيتش" ( 2).

 كذلك اختلط عبر الزيجات المتنوعة الدم الإسلامي بالدم المسيحي، وتجسد ذلك في مظاهر متعددة. واحدة منها دخلت في أقدس مقدسات الروس الأرثوذكسية، وأعني بذلك القديسين الرّوسيين الأولين بوريس وكليب. فيشير المؤرخ الرّوسي المشهور كارامزين بهذا الصدد قائلا: "إن زوجة الامير فلاديمير (التي تنصرت في عهده روسيا) كانت من البلغار المسلمين. وهي أم الأميرين بوريس وكليب اللذين رسمتهما الكنيسة الأرثوذكسية الرّوسيّة أول قديسين لها" (3).

 هناك كلام كثير بين المؤرخين الروس حول الحقبة التي استمر فيها الغزو التتري – الرّوسي. فمنهم من يرى فيها المرحلة الأكثر سواداً في التاريخ الرّوسي، وهي المرحلة التي أتت بفكرة الاستبداد الآسيوي، وأثرّت في العمق على العقل السياسي للحاكم. وآخرون يرون فيها نوعاً من التفاعل الذي لم يكن في حصيلته النهائية مدموغاً بالسلبية.

وهذه الفكرة سنتناولها بشيء من التفصيل في أماكن متنوعة من هذا البحث.

 المسألة الهامة، التي نود الإشارة اليها هي أن البرنامج الوراثي للأمة الرّوسيّة جرت عليه إضافات وتعديلات ونتائج تركت أثرها على التركيبة الإثنية والفيزيولوجية لعدد كبير من الروس. فلقد حدثت في التاريخ الحديث والمعاصر ملايين عديدة من الزيجات المختلطة أدت إلى تكوين أجيالٍ لا هي سلافية بحتة، ولا هي تترية أو منغولية أو فنلندية أو سامية-يهودية أو تركية بحتة.

بيد أن الحقيقة التاريخية التي أفرزها كل من الاتنوغرافيا والدين والثقافة، لهاتين المجموعتين الأساسيتين أدت إلى طبع نمط تفكير عدد كبير من سكان المدن والأرياف الرّوسيّة وحياتهم. الأمر الذي جعل من روسيا، قبيل وصول القيصر بطرس الأكبر، أقرب إلى نمط الحياة الحضارية للمجتمعات الشرقية.

 إلا أن إحياء العامل السلافي - الأرثوذكسي قبل هذه الفترة بقرنين، وتنامي الاهتمام بالنمط الأوروبي الغربي للحضارة، جعل الحضارة الرّوسيّة تبتعد كثيراً عن الجانب الشرقي في شخصيتها. والبداية الجلية كانت أثناء حكم القيصر بطرس الأكبر في أوائل القرن الثامن عشر. فقد حاول أن ينفخ في الروح الرّوسيّة نوعاً من العقلنة والعلمنة ويجعلها أقرب إلى الدخول في فضاء العصرنة الأوروبية. ولم تكن الشعوب الإسلامية الرّوسيّة المنحدرة من أصول تركية وتترية في منأى عن هذه التحولات التاريخية. فلقد لفحت رياح العصرنة عقول الكثيرين من أبنائها. وتكونت فئة من الإنتليجنسيا حملت قيم الحداثة.

 ولعل الدور الأبرز الذي لعبته مؤسسات التعليم الرّوسيّة، وازدياد الاهتمام الرّوسي في المرحلة القيصرية والسوفياتية بشكل أوسع بالثقافات العالمية كانا السبب الأهم في مساعدة هذه الشعوب على تأمين انفتاح أفقها الحضاري على مجال أرحب وأوسع. الأمر الذي كانت محصلته العامة انتقال الذهنية الرّوسيّة إلى مرحلة بعيدة باتجاه " الأوربة" وبالتالي العلمنة.

غير أن تياراً آخر تمثل في موجات الحنين الملحوظ لأصوله الإثنية والدينية، وبالذات الإسلامية منها. وكان الخيال الاجتماعي والثقافي عنده، في المرحلة القيصرية والسوفيتية، يغتنم أية فرصة تاريخية ليعبر عن نفسه ويحاول إبراز خصوصيته من خلال إعلاء دور هذا العامل أو ذاك في ذاتيته. ونتيجةً لصعود العامل الديني في السنوات الأخيرة في العالم، كاد الإسلام لدى المجموعة التركية - التترية والآسيوية يحل مكان سائر العوامل الأخرى المكونة للذاتية الثقافية والحضارية.

فبعدما كان لقرون عديدة، مهمشاً أو مبعداً، وبعد أن بدا للبعض، في فترة زمنية معينة، أنه أصبح من مخلفات التاريخ، برز في السنوات العشر الأخيرة ليشكل حالة أو ظاهرة بدأ حضورها يتجاوز في انعكاساته الساحة التركية والتترية والآسيوية الرّوسيّة ليؤثر على جوانب معينة في الحياة الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية الرّوسيّة العامة. وفي المرحلة الراهنة تشهد المجموعة الإسلامية الرّوسيّة حالة من الديناميكية في معظم المجالات مما يجعلها تشكل واحدة من أبرز المجموعات التي تشهد حركتها نمواً أفقياً انشطارياً وعمودياً في الجسم الرّوسي.

 ولنترك لبعض الأرقام والوقائع والمعطيات المجال لِتعبّر عن نفسها في الحقبة الأولى ما بعد السوفيتية: حتى عام 1999 وصل عدد المساجد في روسيا إلى حوالي أربعة آلاف. وحتى عام 1998 أخذت 2734 جمعية إسلامية و106 مدارس تعليم دينية تتضمن معاهد عالية للتعليم الإسلامي العلم والخبر من وزارة العدل الرّوسيّة (4).

 عدد السكان المسلمين لم يعرف حتى الآن بدقة، فبين رقم مضخم يصل الى 30 مليوناً يكرره البعض من المسلمين الروس وكان يكرره دائماً في خطبه واحد من أبرز الزعماء الراديكاليين الإسلاميين الروس، هو حيدر جلالوف، ورقم محجّم تروجه بعض المؤسسات السوسيولوجية التابعة للدوائر الرسمية ويستقر عند حدود 12 مليوناً. لكن هناك رقم واقعي ترجحه الإدارة المركزية لمسلمي روسيا يتراوح بين 17 و18 مليون مسلم في الاتحاد الرّوسي من أصل حوالى 148 مليون نسمة.

  فاذا ما استثنينا الملحدين أو غير المتدينين الروس، وعددهم ليس بسيطاً وأنصار الديانات غير التقليدية يأتي الإسلام في المرتبة الثانية بعد الأرثوذكسية، ولعله يتمايز عنها بديناميته واستمراريته على صعيد ممارسة الطقوس الدينية.

أما المشهد السياسي لهذه المجموعة، فإنه لا يقل دينامية عن مشهدها الديني. فهناك جمعيات يتداخل فيها الديني والسياسي وهي ليست قليلة. وهناك جمعيات وأحزاب يغلب على نشاطها الطابع السياسي، لعل أبرزها الأحزاب الآتية: "نور" و"اتحاد مسلمي روسيا" و"حزب الدعوة الإسلامية". الحزبان الأولان يعبران في الواقع عن المزاج السياسي لمعظم المسلمين الروس، ويحرصان على تقارب وثيق مع كل الأحزاب والأديان والإثنيات الناشطة على الارض الرّوسيّة. وهما على تواصل دائم مع الكنيسة الأرثوذكسية والنظام الحاكم.

 والسؤال المُلحّ هنا هو: ماذا حول مستقبل الإسلام في روسيا؟

(يتبع)