هل بإمكانكم أن تطلعوا قارىء موقع "روسيا العالم الإسلامي"، على دوافع وأهداف تأسيس الجامعة الروسية الإسلامية؟

من المعلوم، إن المسلمين في المرحلة السوفيتية من تاريخ بلادنا، كانوا محرومين من إمكانية الحصول على العلوم الإسلامية، فجميع المساجد كانت مغلقة تقريبا، ولم يكن هناك سوى بضعة مساجد، والعلوم الإسلامية كانت تتناقل أو تنتشر من خلال الحلقات السرية غير العلنية والملاحقة من قبل السلطات، أما طالبو العلم، فكانوا يحصلون على فتات العلوم والشيء البسيط من المعارف التي تمكنت من البقاء حتى ذلك الوقت ولم تندثر. كان هناك رجال دين مثقفون ومحترمون من الخزر لا شك، ولكن عددهم كان قليلاً جدا. بهذه الطريقة، تمكنت شعوب المنطقة من الحفاظ على الإسلام وتوريثه للخلف، لنا.

في التسعينات من القرن الماضي، عندما رفع الحظر عن الدين، ظهر طلب في المجتمع على تعلم الإسلام، وبدأ الشباب بالسفر إلى خارج البلاد لهذا الهدف، إلى الدول العربية. حينذاك، توصلت المراكز الإسلامية في روسيا إلى فكرة إحياء وتطوير التعليم الإسلامي داخل روسيا.

أولى الجامعات الإسلامية بدأت تظهر في روسيا نهاية التسعينات من القرن الماضي. تكوين هذه المراكز وتحولها إلى جامعات تابعة للتلعيم العالي تطلب نحو عقد من الزمن، قبل بلوغ هذه النقطة، شهدت المرحلة العديد من العقبات التنظيمية، من الوضعية القانونية وحتى غياب البرامج التعليمية وقائمة التخصصات. وقد تمكنا من تجاوز هذه العقبات. تجدر الإشارة إلى أن تكوين الجامعة الروسية الإسلامية في قازان تم بدعم كبير من مؤسسي الجامعة: الإدارة الروحية لمسلمي جمهورية تاتارستان، ومعهد التاريخ في أكاديمية العلوم بجمهورية تتارستيان، ومجلس الإفتاء في روسيا. وكان المفتي عثمان خزرت أول عميد لجامعة روسيا الإسلامية، وبفضل جهوده وعلاقاته في الدول الإسلامية، حصلت الجامعة على مكانتها وسمعتها كمركز تعليمي مرموق في روسيا.

هدفنا الرئيس، أن نكون مركزا لتأهيل علماء ذوي معارف جامعة. علينا أن نكون منطلقا للنخبة الإسلامية المثقفة. وشعارنا هو أن أن يكون المسلم المثقف في كل مكان.

لذلك نحن اليوم لا نعد الأئمة فحسب، بل وعلماء وخبراء في شتى المجالات. لدينا فروع في علوم الفقه، واللغة، والاقتصاد الاسلامي، والصحافة الإسلامية. فنحن في بلد علماني، لذلك من الخطأ الإنطواء على ذاتنا والانعزال عن الباقين.

 

لماذا تم اعتماد صفة الجامعة

تقرر في حينه في إطار مجلس المؤسسين أن تعتمد صفة أو صيغة الجامعة ، وهكذا جرى الحال، كان ذلك مدى عقد من الزمن، لكن ظهرت في فترة من الفترات بعض المشاكل، بما فيها تسمية الجامعة. فالحفاظ على هذه المكانة وتسليم الشهادات الحكومية في يومنا هذا ليس بالأمر السهل، ويمكننا القول، إن جامعتنا هي الوحيدة التي ترقى إلى مستوى الجامعة من بين جميع مراكز التعليم الإسلامية في روسيا، وهي الوحيدة التي تتوفر فيها جميع شروط الجامعة حسب القانون الروسي. إذ إن على الجامعة أن تدرس خمس اختصاصات على الأقل، وأن تتوفر فيها الدراسات العليا للحصول على درجة الدكتوراه، وأن يكون فيها طاقمها من الأساتذة وغيرها من الشروط. لذلك، حينما وصل الأمر إلى الحصول على اعتماد (ترخيص) من وزارة التعليم، حصلنا بحق على الوضعية القانونية للجامعة، ومن حق جامعتنا الآن منح شهادات معترف بها رسمياً.

نحن أول مؤسسة تعليمية إسلامية في روسيا حصلت على اعتماد حكومي. ولا يقتصر هدفنا على العمل في المجال الديني فقط، بل يتعداه إلى الحضور في مجال التعليم في روسيا، ورغم أن الاسم الرسمي المعطى لنا هو معهد، ولكن في واقع الحال، نحن بتنا مركزاً جامعياً، ولدينا عملياً معهدان تعليميان عاليان. فالجامعة هي مركز لتعليم الدين، أما فيما يخص العلوم والاختصاصات الدنيوية، فيتم تعليمها في إطار المعهد.

حتى اللحظة، لا يوجد في روسيا خيارات أخرى لمراكز التعليم الإسلامية، مثلا، جامعة موسكو الإسلامية حصلت على اعتماد من وزارة التعليم، ولكنها تواجه ذات المشكلة. وهناك جامعة إسلامية في أوفا، ولكن مسألة الحصول على اعتماد من وزارة التعليم لم تطرح هناك بعد. وعلى نفس الحال تعمل جامعة الشيشان الإسلامية، وهي تواجه نفس المشكلة أيضا. في محج قلعة مثلا، التعامل مع هذه المسألة كان أكثر حكمة، إذ أنشئ فيها مجمع جامعي أولا، وفيه جامعة محج قلعة الإسلامية، وهي جامعة دينية ولديها ترخيص ولكنها لا تنوي الحصول على اعتماد، كما يوجد في محج قلعة معهد العلاقات الدولية ومعهد علوم الدين. ونحن أيضا سنعمل في المستقبل في إطار مجمع جامعي. على خلفية كل هذا، يمكنني الجزم بأننا حسنا من مكانتنا، ولكن واقع الحال يملي علينا إنشاء مراكز جامعية إن أردنا الحفاظ على مكانتنا ووضعنا القانوني كجامعة.

 

كيف تدرس العلوم الدينية والعلمية والعلمانية في الجامعة؟

من المهم في يومنا هذا الدمج ما بين التعليم الديني والتعليم العلماني وإدراج مواد مختلفة في المناهج الدراسية، اذ درس أولادنا في مدارس علمانية. وقد تم تعليمهم لعشر سنوات أسس الرياضيات والفيزياء والكيمياء، ولذلك علينا أن نعطي التعليم الديني اهتماما أكبر. ولكن هناك بعض العقبات المرتبطة من جهة بالتبحر في العلوم، ومن جهة أخرى بالحصول على اختصاص، يمكن حامله من أن يجد مكاناً له في الحياة ويستفيد من معارفه ويجد عملا في مجال اختصاصه.

وهذا أمر ليس بالسهل، خاصة للشباب. لذلك إن منحت الجامعة الدينية علوماً دينية وفي نفس الوقت اختصاصا، في علوم الدين ذاتها مثلا، فهذا سيمكن الخريجين من الحصول على عمل جيد. وعلى سبيل المثال، خريجو جامعتنا خبراء في جهاز رئيس جمهورية تاتارستان، وفي الإدارات المحلية، ومنهم من أصبح إماما، أي أن الخيارات واسعة أمامهم.

من المهم اليوم أن لا نقتصر على أن نزود الشباب المسلم بالمعرفة، بل علينا أن نهيئهم للحياة، ومن دون الاختصاص سيكون ذلك في غاية الصعوبة.

فلنأخذ على سبيل المثال المدارس الدينية التي كانت موجودة قبل الثورة البولشيفية. المشكلة التي نواجهها اليوم هي أننا لا نستطيع أن نقارن بين تلك المدارس ومراكز تعليم الدين المعاصرة، فمسلمو الامبراطورية الروسية كانوا يتعلمون في مراكز تعليم الدين التي كانت لا تعلم شيئأ آخر، أي أنهم لم يتعلموا المواد والعلوم الدنيوية الأخرى في تلك المراكز.

لذلك نسعى لتزويد طلابنا بمجموعة من المواد الدنيوية، مع التركيز أكثر على المواد الدينية البحتة. وإن تحدثنا عن كلية علوم الدين، فسوف نجد أن المواد الدنيوية فيها ليست أكثر بكثير مما هي عليه في كلية العلوم الإسلامية. مع العلم بأن هذه المواد مرتبطة بشكل أو بآخر بالعلوم الإسلامية. على سبيل المثال: اللغة العربية، الفلسفة الإسلامية، تاريخ الإسلام، القانون الإسلامي، وطبعا العلوم الإسلامية، كالسيرة –هي مجموعة المواد التي تدرس في جميع الاختصاصات. ولكن حجم المواد المذكورة لدى المختصين بعلوم الدين، ومن يدرس علوم الشريعة، أكبر مما لدى من يدرس اللغات، أو الاقتصاد أو الصحافة في جامعتنا.


ما هو الدور الذي لعبته جامعتكم في إعادة إحياء الثقافة التتارية؟

للإسلام والمسلمين، كأحد المجتمعات الدينية التقليدية في روسيا، دور متزايد في الحياة السياسية والاجتماعية. وهذا أمر طبيعي، إذ إن العادات والتقاليد المحلية المتكونة خلال القرون الماضية تنعكس على مجريات الحياة المعاصرة. والعادات والتقاليد الإسلامية تختلف من منطقة إلى أخرى، ولها ملامح مختلفة، فالإسلام دين شامل، يتطور في ظروف مختلفة كل الإختلاف.

 ونحن لسنا سوى إحدى حلقات عودة الإسلام في سائر روسيا، وفي تتارستان تحديدا، أقصد جامعتنا. ثقافة الشعب التتري مرتبطة بشكل وثيق بالإسلام، وإننا لنشهد اليوم كيف أن التتر الذين كانوا مجردين سابقا من إمكانية الحصول على علوم الدين، يدرسون في جامعتنا، كما أن هناك عدداً لا بأس به من كبار السن، ممن بلغوا سن التقاعد، يدرسون غيابيا أو في الفترة المسائية في جامعتنا، مع العلم بأن جامعتنا تدرس التتر من سائر أرجاء روسيا.

كما تجدر الإشارة، إلى أن النخبة التترية، تعلق آمالا كبيرة على رجال الدين في مسألة الحفاظ على اللغة التترية. وثمة الكثير من شباب التتر لا يجيدون لغتهم الأم، ويستخدمون في حياتهم اليومية اللغة الروسية، وعليه  قررت الإدارة الروحية لمسلمي تتارستان، أن تكون خطب الجمعة في المساجد باللغة التتارية، أما نحن، فنأخذ بعين الاعتبار بدورنا هذه النقطة وندرس اللغة التترية في أثناء إعدادنا للأئمة.

 

ما هي آفاق التعاون مع الجامعات والمعاهد العربية الإسلامية؟

منذ سنوات عديدة ونحن نتعاون مع مراكز التعليم الإسلامية الرائدة حول العالم. فبإمكان طلابنا، مثلا، مواصلة تعلمهم في جامعة الأزهر في مصر، وفي جامعة القيروان في المغرب، وكذلك في جامعات تركيا وماليزيا وإندونيسيا. وخلال العام، نستضيف خبراء من تلك الجامعات لإلقاء المحاضرات حول بعض العلوم الإسلامية في جامعتنا. بالإضافة إلى ذلك، يتعلم أساتذة جامعتنا وطلابها اللغة العربية في دورات صيفية سنويا بجامعة القيروان,

مع جميع الجامعات المذكورة وقعنا اتفاقيات تعاون في مجال التعليم. ولا يمكن لأي جامعة معاصرة أن تنغلق على نفسها في إطار محدود، فتبادل الخبرات والتعاون أمر هام، وهذا ما نقوم به فعلا.