- ما هي من وجهة نظركم أسباب قطع خمس دول عربية علاقاتها مع قطر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاتهامات بقيام هذه الدولة بتمويل الجماعات المتطرفة يجري الحديث عنها منذ فترة طويلة؟

 

- قطر قامت، ولا زالت تقوم، بتمويل جماعات إسلامية متنوعة، منها ما هو ذو طابع إرهابي، ومنها ما لا يندرج في هذا الإطار، ولكنه يتمسك بالمعتقدات السلفية. إلا أن جيرانها العرب، الآن، يصبون جام غضبهم على الدوحة ليس لأنها تساعد "داعش" و"القاعدة" (جماعات إرهابية محظورة في روسيا) على الرغم من التصريحات تبدو على هذا النحو، ولكن لأن قطر تغذي جماعات مكروهة من هؤلاء الجيران العرب، ومن غيرهم أيضا.

الحديث يدور، قبل كل شيء، عن حركة "الإخوان المسلمين" العدوة اللدودة للإمارات العربية المتحدة ومصر، وإلى حد ما المملكة العربية السعودية، ويدور كذلك حول حركة "حماس" الفلسطينية التي انفصلت عن "الإخوان المسلمين"، ولكنها لا تروق لدول الخليج.

علاوة على ذلك، وكما أصبح معروفا بسبب تسرب المعلومات، أعلن حاكم قطر الأمير تميم في 23 مايو الماضي اعترافه بشرعية نضال ليس فقط "حماس"، ولكن أيضا "حزب الله"، المرتبط بإيران. وبالتالي، يُنظر إليه على أنه عدو كل الأنظمة السنية. إن دعم قطر هذه الحركات أصبح بالنسبة لممالك الخليج (باستثناء عمان) حجة لقطع العلاقات أكثر من الرسائل التي تتحدث عن تمويل الجماعات المتطرفة مثل "داعش"، والجماعات الأخرى في سوريا والعراق.

الجدير بالذكر هنا، هو أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تقاتل في سوريا والعراق، تتلقى المساعدات من جميع دول الخليج عمليا، باستثناء عمان، على الرغم من أن هذه المساعدات في كثير من الأحيان تأتي ليس من الجهات الرسمية، بل من المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الخيرية والأفراد. لذلك، يمكن توجيه الاتهام عمليا لكل دول المنطقة بتمويل الإسلاميين الراديكاليين.

 

- هل تتفق مع وجهة النظر التي ترى أن سبب قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وليبيا وحكومة جزر المالديف مع قطر يكمن في إقامة علاقات اقتصادية بين الدوحة وطهران؟

 

- طبعا. هذا يمثِّل أحد الأسباب الرئيسية. غير أن العلاقات الخاصة لقطر مع إيران معروفة منذ زمن طويل. وربما تكون قد تعززت تحديدا في الوقت الراهن بعد عملية تسريب ونشر بعض الحقائق. إن حالة العداوة الشديدة التي تكنها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لإيران تعززت أيضا مع الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض.

لقد دعَّم ترامب هذا التوجه. وعلى هذه الخلفية، فبعد التصريحات الحادة المعادية لإيران من جانب الرئيس الأمريكي، وتقارب الرياض مع واشنطن على قاعدة العداء لإيران، وتصريحات أمير قطر لصالح سياسة التقارب مع إيران، كل ذلك تسبب في موجة من السخط لدى عدد من الأنظمة العربية، الأمر الذي أدى إلى انهيار العلاقة بينها وبين الدوحة.

في نفس الوقت، من المهم أن نلاحظ أن قطر ليست وحدها، فعمان أيضا تدعم إقامة علاقات إيجابية مع إيران ليس في كل شيء، وإلى حد ما أقل من قطر. ولكنلا أحد ينوي نبذ عمان. لذلك، فإن الموقف الراهن بشأن الوضع حول قطر نشأ لجملة من الأسباب: دعمها الجماعات المتطرفة والإرهابية، والسياسة القطرية تجاه إيران، والتنافس التقليدي بين الرياض والدوحة، فضلا عن علاقات الصراع طويلة الأمد بين قطر والدول المجاورة لها، والتي تطورت في الماضي إلى أزمات، وساءت الآن مرة أخرى.

في عام 2014، سحبت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة سفيريهما من قطر لمدة عشرة أشهر. ولكن بعد ذلك تم حل الأزمة. والآن، نشهد أزمة جديدة، ولكنني أأمل بأنها لن تستمر طويلا وسيتم تسويتها.

 

- كيف يمكن أن تنعكس أزمة الدول العربية في علاقاتها مع قطر على استقرار المنطقة، وعلى تسوية النزاعات في الشرق الأوسط، بما في ذلك في سوريا؟

 

- بطبيعة الحال، فإن الوضع الحالي بؤثر على تسوية الصراعات في المنطقة. وفي الوقت نفسه، إضافة إلى الصراع الموجود في الواقع، أُضيف صراع جديد - في علاقات قطر مع الدول الخليجية الأخرى. ومع ذلك، وقبل الحديث عن آفاق تطوراته المستقبلية، تجدر الإشارة إلى ما يلي: هناك تعبيرات بليغة حول الوضع المتفاقم أكثر منها تهديدات لقطر. والحديث يدور هنا حول الحملة التي أسفرت عن ضغوط دول الخليج على النخبة الحاكمة في قطر، بما في ذلك من داخل البلاد.

لا أعتقد أن الضغط سيكون قويا جدا، لأن العلاقات الإنسانية بين دولة قطر والمملكة العربية السعودية وثيقة إلى حد كبير. ولا أحد يريد خلق صعوبات كبيرة فعلا للقطريين. ما يحدث الآن هو شجار بين الأسر الحاكمة، بين السياسيين، ولكن لا عداء بين القطريين والسعوديين.

إن "الأمر المرعب" هنا هو أن سكان قطر سوف يواجهون مجاعة بسبب قطع العلاقات الاقتصادية مع عدد من الدول العربية، لا تتوافق مع الوضع الحقيقي. وبالنسبة للدوحة، فإن الإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لا يشكل بعد خطرا كبيرا. فالقيود التي تم فرضها لا تمس الصناعة الرئيسية في البلاد - التعدين ومعالجة الغاز.

قطر، كما تعلمون، دولة تملك واحدا من أكبر احتياطيات الغاز في العالم. وهناك أيضا النفط. وهي أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي المسال. وكذلك منتج ومصدر لغاز الهليوم. ولكن لا أحد يحاول تطبيق إعلان قطع العلاقات الاقتصادية مع قطر على هذا القطاع الاقتصادي الذي يمثل أهمية وجودية في حياة البلاد، ومصدرا للأرباح الضخمة.

إن أنبوب الغاز يمر من قطر إلى سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة. وواردات الغاز من قطر تغطي نسبة 40٪ من حاجة دبي، و60% من حاجة مصر (من الغاز الطبيعي المسال). لا أحد يتحدث عن وقف خط أنابيب الغاز القطري، لأن ذلك سيكبد دولة الإمارات العربية وسلطنة عمان خسائر كبيرة. والأمر نفسه ينطبق على أنشطة البنوك التجارية، التي لا تزال تعمل. إن 24٪ من الودائع المصرفية في قطر – هي أموال سعودية وإماراتية. ولم تعلن الدولتان حتى الآن عن نيتهما سحب هذه الأموال؛ وهو ما كان سيؤدي لزعزعة استقرار النظام المصرفي في قطر. إن جملة التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة يمكن أن تحرك قاعدتها العسكرية في الفترة المقبلة من قطر إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أمر قليل الاحتمال. ومجرد إلقاء نظرة على خرائط جوجل، يجعلنا نتأكد من الموارد الهائلة التي تم صرفها على بناء تلك المنشآت. لماذا  يتم إهمال أو مغادرة هذه المرافق والمنشآت، والشروع ببناء أخرى؟ وبالإضافة إلى ذلك، فإن القاعدة انتقلت كانت قد انتقلت فعليا من المملكة العربية السعودية إلى قطر في عام 1990، عندما قامت هناك احتجاجات قوية ضد "الأحذية الأمريكية التي كانت تطأ أرض الإسلام المقدسة". أنا واثق من أن الأمريكيين لن يقوموا بنقل القاعدة في أي حال من الأحوال.

لذلك، فإن إعلان الحصار الاقتصادي ليس مخيفا للغاية. ولكن حصار النقل هو الأسوأ. فالخطوط الجوية القطرية - واحدة من أفضل الخطوط في العالم – قد تضررت. وسوف يتسبب إغلاق طريق نقل البضائع من خلال الحدود البرية الوحيدة مع السعودية في خسائر كبيرة لقطر. ولكن إغلاق الحدود البحرية أمر مستحيل. كما أن نقل كأس العالم لكرة القدم عام 2022 سيكون أمرا إشكاليا.

ولكن هل سيتسبب المستوى الحالي للعقوبات ضد قطر في إرغامها على تغيير سياستها الخارجية، والأهم من ذلك، هل ستتوقف عن تحدي الطموحات السعودية للعب دور القوة الإقليمية المهيمنة (مع العلم بأن السعودية نفسها تواجه صعوبات كثيرة في الفترة الحالية بسبب تورطها في اليمن)؟ ولكن أن نقول إن الدوحة سوف تتوقف عن دعم الجماعات التي تقاتل في سوريا، فهذا أمر سابق لأوانه أيضا. زد على ذلك، أن الرياض ليست أقل شغفا من الدوحة بالسعي لإسقاط بشار الأسد.

من الممكن أن تكون قطر مهتمة بالاتفاق على أمور ما مع روسيا أو الولايات المتحدة. على سبيل المثال، بضمها إلى جهود مكافحة "داعش" و"القاعدة" (المنظمتان الارهابيتان المحظورتان في روسيا). وفي الوقت نفسه، تنتظر موسكو من الدوحة أن تتوقف عن تمويل الجماعات الإسلامية الأخرى التي تقاتل في سوريا. من الصعب القول ما إذا كانت قطر سوف تكون قادرة على تقديم مثل هذه التنازلات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دول الخليج الأخرى تدعم بنشاط الجماعات المتطرفة، بما في ذلك في سوريا.

اليوم، تطلب دول الخليج ومصر من قطر طرد "الإخوان المسلمين" من أراضيها، وهم الذين وجدوا في الدوحة ملجأ لهم. وكذلك إغلاق مقر قيادة "حماس" في البلاد، وتغير موقفها التوفيقي فيما يتعلق بإيران والمنظمات المرتبطة بها، التي تعمل في العالم العربي، وفي المقام الأول - "حزب الله".

من الصعب القول أن قطر ستقوم اليوم بتنفيذ هذه المطالب التي تشكل إهانة كبيرة لها، مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أنها في هذه الحالة ستريق ماء وجهها أمام الأنظمة الصديقة وأنصارها من "الإخوان المسلمين"، وقبل كل شيء – تركيا. وليس عرضا أن تقوم تركيا بهذه السرعة بنشر ثلاثة آلاف من قواتها في أراضي الإمارة، وفقا للاتفاقيات الموقعة بينهما.

من الممكن أن تتفق دول الخليج العربي وقطر بالفعل على حل الأزمة، حيث انضم العديد من اللاعبين العالميين والإقليميين - الكويت وعمان وتركيا والولايات المتحدة، وربما روسيا على ما يبدو. وقد ظهرت بالفعل شائعات بأن المحاولات الأولى لمصالحة الأطراف المتصارعة بدأت تؤتي ثمارها. لكن الرئيس الأمريكي ترامب، ووزير خارجيته تيلرسون يدعون للتصعيد. فهل يريدون تغيير النظام في قطر بمساعدة شركائهما في المنطقة، وهو ما تسعى إليه أيضا الرياض بشكل واضح، أم أنهما بحاجة للضغط على الأمير تميم فقط؟ إننا نحن علينا مراعاة مصالحنا الاقتصادية وتطبيع الوضع في منطقة الخليج بشكل سلمي. نحن غير راضين عن موقف قطر في الصراع السوري، ولكننا ليس من المفيد لنا سقوط دولة قطر، باعتبارها مستثمر في الاقتصاد الروسي.

إن الهدف الأقصى في الوقت الراهن لخصوم النظام الحاكم في الدوحة، على ما يبدو، هو تغيير النخبة الحاكمة هناك، بشكل غير عنيف، لصالح ممثلي الفروع الأخرى لعائلة آل ثاني. ومن الواضح أن هناك رغبة في ممارسة الضغط من داخل النظام. ومن الصعب القول ما إذا كان تطور الوضع يمكن أن يستمر على هذا النسق. ولكن، على أية حال، فإن عملية تسوية الوضع لا تزال مستمرة، وسوف يعود أطراف النزاع مرة أخرى للتعاون. فلا مصلحة لأحد في انهيار دول مجلس التعاون الخليجي، والحديث لم يدر بعد حول شطب قطر من من هذه المنظمة الإقليمية.

 

- هل من الممكن أن يدفع الوضع الحالي قطر لعلاقة تعاون أوثق مع روسيا، بما في ذلك في قطاع الغاز؟ وهل من الممكن إقامة "كارتيل" ما للغاز بين روسيا وإيران وقطر؟

 

- هناك تطور في التعاون في مجال الغاز بين روسيا وقطر. كانت هناك محاولات لإنشاء مجمع غاز مشترك. لكن الحديث لا يدور حول إنشاء كارتيل للغاز على غرار منظمة أوبك، حيث الاتفاق على حصص إنتاج النفط لتنظيم الأسعار في السوق. الأمر هنا يبدو أنها كانت محاولة للاتفاق على التنسيق حول قسم من السوق، من أجل عدم اشتعال المنافسة في التجارة مع مستهلكي الغاز أنفسهم. أي لكي لا يتنافس مصدرو الغاز - روسيا وإيران وقطر - على نفس الزبائن. ولكن المنافسة لا تزال موجودة، بالضبط مثل وجود التعاون. ومع ذلك، فالعديد من الدول المؤثرة في العالم، مثل اليابان، مهتمة بالغاز القطري. وبالتالي، فإن توجيه ضربة لصناعة الغاز في قطر، ولقدرتها على تقديم الغاز بسلاسة إلى السوق، من شأنه أن يكون مميتا للعديد من الدول. لذلك، يبدو لي، أن هذه الحكومات سوف تفعل كل شيء لعدم إيصال الأزمة إلى مثل هذه الحالة. 

ترجمة: