وقد استلمت بعدئذ الموافقة عليه من رئاسة المؤتمر باعتباره (عنوانا لبحث يتناسب وينسجم تماما مع أهداف المؤتمر وطبيعته...)، واخبروني لاحقا، ان هذا البحث سيدخل ضمن جلسة يوم 29 تشرين الثاني المخصصة لبحوث اللغة العربية وآدابها (الفيلولوجيا العربية)، واستلمت فعلا البرنامج الشامل للمؤتمر، ووجدت الوقت المحدد لالقاء البحث هناك، ولدى اطلاعي تفصيلا على برنامج المؤتمر، ادهشتني سعة المواضيع وتنوعها، اذ انها توزعت على خمسة محاور، وهي كما يأتي – (المشاكل الحاليّة لتطور الشرق الاوسط السياسي – ويتضمن  17 بحثا)، و(تاريخ البلدان العربية وعلم الاسلاميات- ويتضمن 11 بحثا) و(اقتصاد البلدان العربية- ويتضمن  12 بحثا) و(الشرق الاوسط في نظام العلاقات الدولية – ويتضمن ستة بحوث) و(اللغة العربية وآدابها (الفيلولوجيا العربية) - ويتضمن 16 بحثا) اي ان المجموع الكلي للبحوث هو – 62 بحثا، عدا مناقشات الطاولة المستديرة، التي يناقش فيها المشاركون في المؤتمر مجمل البحوث التي تلقى في بعض المحاور المشار اليها أعلاه ويعلّقوا على الاستنتاجات التي يستخلصها الباحثون من بحوثهم.

من الواضح تماما انه لا يمكن لنا – في اطار هذه المقالة – سوى الاشارة الى بعض الخطوط الفكرية الاساسية، التي تناولتها هذه البحوث العديدة والمتشعبة ليس الا، واودّ ان اتوقف هنا  قليلا عند عدد من البحوث التي جاءت في المحور الخاص بالفيلولوجيا العربية، باعتباري قد ساهمت بها، وحضرت جلساتها بالطبع .  اتوقف اولا عند محاضرة الدكتورة يافعة يوسف جميل، وهي امرأة عراقية الاصل وتقيم في روسيا منذ أكثر من خمس وأربعين سنة، وحصلت على شهادة الدكتوراه في علم اللغة العربية المقارن، وأصبحت منذ زمن طويل تدريسية في القسم العربي بالكلية الشرقية  في جامعة بطرسبورغ، وهي الان  بدرجة استاذ مساعد هناك. لقد كان عنوان بحثها هو – (دلالة جذر(دقّ) في اللهجة البغدادية)، ولم يكن عنوان البحث مثيرا للانتباه اول الامر، ولكن ما ان بدأت الباحثة بالقاء كلمتها، حتى أثارت اهتمامات المؤتمرين وانتباههم، اذ انها أعدّت وسائل ايضاح جميلة ومدهشة عرضتها على الشاشة امام المؤتمر شرحت فيها كل الاشتقاقات من تلك المفردة التي تبدو وكأنها بسيطة للوهلة الاولى، ولكنها تحولت باللهجة البغدادية الى دلالات متشعبة وعديدة وواسعة، وقد عززت كل ذلك بامثلة حيّة وحيوية وطريفة جدا، وخصوصا للمستمع الروسي، الذي لم يكن حتى ان يتصورها، مثل (دكّة رشيد عالي عام 41 – وعرضت صورة له مع شرح وجيز بالروسية لذلك الحدث) او (المدكوكة – وصورة لتلك الحلوى العراقية وشرح وجيز بالروسية لعملها) او (دكّ اصبعتين – مع صورة وشرح بالروسية لذلك) او (ابو الدكايك – مع توضيح وجيز) ...الخ تلك الاشتقاقات العديدة وغير المتوقعة والطريفة جدا . لقد صفّق المؤتمرون لهذه الباحثة عند انتهاء كلمتها المبتكرة والاصيلة بكل معنى الكلمة . ويجب القول، ان هذه الباحثة تستحق ان نكتب عنها مقالة خاصة يعرّف القارئ العراقي خصوصا والعربي عموما بنشاطها الفكري الواسع في الساحة الروسية، والذي يصب في تعزيز سمعة الثقافة العراقية والعربية ومكانتها المتميّزة في روسيا . أودّ ان اشير هنا الى بحث الدكتورة أليوخينا، التي تناولت فيه كتاب جورج حنّا (قصّة الانسان) وجوانبه الفكرية المختلفة. لقد أولت الدراسات السوفيتية عندها اهتماما خاصا لهذا الكاتب اللبناني الشهير انطلاقا من مواقفه السياسية المعروفة آنذاك، اما الان، فان الكلام عنه اصبح اوسع وأعمق واكثر شمولا وموضوعية. لابد من الاشارة والاشادة ايضا ببحث الدكتورة كوخاريفا حول موضوعة الوطن في الفلكلور العربي والابداع الشعري العربي، حيث توقفت الباحثة عند المصطلحات العربية في هذا المجال ومسيرة بلورتها في الوعي الاجتماعي العربي. اودّ ان اشيد ببحث الدكتورة بيليك، الذي تناولت فيه مسرحية نذير العظمة (اوروك يبحث عن جلجامش) . لابد من الاشارة ايضا الى الباحثة الجديدة في دنيا الاستشراق الروسي وهي الدكتورة موكروشينا من الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ، والتي قدمت بحثا بعنوان – (قضايا الضمير والاخلاق في مسرحية مصطفى محمود – الانسان والظل)، علما انها قد ترجمت هذه المسرحية الى اللغة الروسية ونشرتها في كتاب خاص بمدينة بطرسبورغ . لا يمكنني هنا طبعا ان اتوسع اكثر، رغم اني اودّ ان اشيد واشير  – وبشكل خاص –الى دور الدكتور فالح الحمراني، الباحث والمترجم العراقي المعروف، في المداخلات الواسعة والعميقة مع الباحثين والتعليق عليها، والتي دلّت على سعة مطالعاته ومعلوماته وموضوعية مواقفه الثقافية، ويؤسفني جدا اني لم استطع – نتيجة وضعي الصحي – ان ابقى الى نهاية الجلسة الاخيرة للاستماع الى محاضرته حول ترجمة نتاجات تولستوي الى العربية – حجي مراد انموذجا، ولا الى محاضرة الدكتوره الميرا علي زاده، والتي كانت ترأس وتدير جلسات محور الفيلولوجيا العربية بكل مهارة وموضوعية وروح أكاديمية عالية.

لقد كان المؤتمر الثاني عشر للمستعربين الروس في معهد الاستشراق بموسكو التابع لاكاديمية العلوم الروسية فرصة رائعة لكل المهتمين (الروس والاجانب) بشؤون العالم العربي سياسيا واقتصاديا وتاريخيا وثقافيا، ويشكّل هذا المؤتمر بلا شك نجاحا كبيرا في المسيرة العلمية لمعهد الاستشراق العتيد في موسكو.

صحيفة المثقف عدد ٤١٢٢ ، ديسمبر ٢٠١٧ 

diaa nafie2

 

 

 

 

 

 

 

أ.د. ضياء نافع