هذه الرواية أحدثت ردود فعل متناقضة من جانب النقاد المصريين. بعضهم يجد فيها تعبيرا عن النزعة الصوفية، وبعضهم - النزعة الوجودية، والبعض الآخر - محاولة لصياغة نموذج لمصر كأحد القيم الخالـدة وأسماها. وظهرت بعض الآراء والشكوك حول اعتبار هذا العمل رواية. وهنا من الضروري القول بأن النقد الأدبي حاليا في وضع صعب. ففي ظل هذا العدد الهائل من الروايات المنشورة، والمبنية على أنماط غير مألوفة، وفي كل مرة بطريقة جديدة مختلفة، وبلغاتها المجازية الاستعارية، من الصعب الوقوف إلى جانب وجهة نظر محددة أو الركون إلى مقاييس معينة لتقييمها.

 

وإذا ما تحدثنا عن آخر روايات الغيطاني، وخاصة حول "متون الأهرام" و"هاتف المغيــب" (1992)، فيمكن التأكيد بثقة كاملة على أن نموذج العالَم فيها يتشكَّل على أساس "الرؤية الداخلية" للبطل القريب في الكثير من الأمور إلى الكاتب. أما الركيزة الأساسية فهي في محاولات هذا البطل للتوصُّل إلى سر الوجود وجوهر الإنسان، والعثور على "طريقه" في عالَم يرتكز على التجربة الأخلاقية للأجداد ووصايا الآباء والمعلمين الروحيين.

 

أما الأصعب على الفهم، وخاصة للقارئ غير العربي، فهي رواية محمد البساطي "صخـب البحيرة"، حيث أن مغزى نماذجه الاستعارية يمكن أن يتضح فقط في حالة القراءة المتأنية المنتبهة لكل جملة، والتمعن في كل تفصيلة من تفاصيل النص، مثلما في وصف الصيَّاد العجوز لبناء كوخه، أو رحلات الصديقين - البقَّال وصاحب المقهى إلى أهل الجزر. وبالرغم من الحجم الصغير، فـ "صخب البحيرة" رواية ملحمية (ولكن ليس على نمط "ثلاثية" نجيب محفوظ، وإنما امتداد لخــط "أولاد حارتنا")، وعلى مساحتها الصغيرة هذه، فقد اتسعت لكل تاريخ شعوب وديانات الشرق الأوسط. الكاتب يظهر فيها في دور الراوي الموضوعي وغير المتحيِّز، ولا يوجد أي وضع نراه يتحدث فيه بشكل شخصي أو مباشر. فقط في الأجزاء الأخيرة من الرواية، نراه يستخدم الضمير "نحن" ليشير إلى انتمائه إلى أحد فروع سلالة بشرية تمتلك جد واحد.

 

إن الاتجاه الموجود في الرواية المصرية في التسعينيات لفصل نموذجي البطل والكاتب وتحديد وظائفهما مرتبط بالمستوى الجديد للهوية المتجسدة في البطل. فالسرد المتعدد الأبعاد على المستوى الأسلوبي في رواية فتحي إمبابي "مراعى القتل" - على لسان الكاتب، البطل الرئيسي، في شكل مونولوجه الداخلي، والاستشهاد بفقرات من تغريبة "بنى هلال" - يعمل على صياغة وتشكيل صورة معاصرة للملحمة الشعبية يتجمَّع في دراميتها ماضي ومستقبل ومصائر الطبقات الشعبية الدنيا. فصوت البطل - الفلاح الذي درس بالمدرسة، وحارب على الجبهة، وتشرَّد في البحث عن عمل، والذى يعبر الحدود الليبية ليلا بدون أوراق شخصية، والذي يعرف عن العالم أكثر بكثير من الفلاحين - شخصيات روايات الستينات، ذلك الصوت يرن على نحوٍ مساوٍ لصوت الكاتب - السارد. الخبرة الجماعية للشعب تنعكس في اللوحات الخلفية - البانورامية من موقع الرصد الخارجي بينما البطل يعايشها ويتأملها وينفعل بها بشكل مباشر.

وعلى صوت الشخصيات - الفلاحين في رسائل مَنْ سافر منها إلى بلاد النفط في الخليج العربي من أجل لقمة العيش، تم أيضا بناء عملية السرد في رواية يوسف القعيد "وجع البعاد" (1992). في ضوء أعمال الكاتب يوسف القعيد نجد حضورا غالبا لموضوع القرية، وعلى الأخص تطور وعي الفلاح المصري المشروط بالجديد الذي يتوغل بقوة في حياة القرية مُحَطِّمَاً نظامها التقليدي - الأبوي عن طريق الخبرة المكتَسَبَة من خارج حدود القرية - في الجيش، وفي المدن، وفي الدول الأخري التي يسافرون إليها للبحث عن لقمة العيش. ففي رواية "لبن العصفور" (1994) حقق القعيد فكرته القديمة في كتابة رواية كاملة بالعامية المصرية. فبطلته الشابة الجميلة "تِرْتِر"، أمٌ لطفلين وامرأة لذلك الزوج الذي يكسب قوت يومه كيفما استطاع، تحكي قصة حياتها بلسان زلِق معبِّر لإحدى ساكنات أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة. القصة تبدأ بشكل رومانتيكي منذ لقاء البطلة ترتر مع غزال - الرجل الجميل شريك الزوج، وتنتهى بشكل درامي - بالسجن، لأن الأبطال لم يعثروا على الطريق الشريف للكسب من أجل الحياة التي كانوا يحلمون بها.

 

هذه التجربة لاقت صيحات استنكار من قبل بعض القراء الذين رأوا أنه من غير المسموح به التضحية باللغة العربية الأدبية، أحد أهم الأسس للوحدة العربية، لمصلحة لغة "عامة الشعب". وهذا الموقف يلفت نظرنا إلى بعض الأمور الهامة.. فالشعر العامي قد حاز على الاعتراف منذ زمن بعيد على اعتبار أنه ظاهرة فنية. وفي المسرح - في الكوميديا وفي الأجناس الدرامية الأخرى، وفي السينمـا أيضا ، لا تجد اللغة العامية أي اعتراض إطلاقا. أما في السرد، فحدود استعمالها مازالت محدودة جدا، ومحاولة توسيعها تعتبر في كثير من الأحيان وقاحة لا تغتفر. ومع ذلك فصوت البطل الآتي من "الطبقة الدنيا"، والذي يعلن عن رؤيته للعالم، وعن الحقيقة الخاصة به، يبقى مختلفا ومتميِّزا أكثر وأكثر في خضم تعدد الأصوات في الرواية المصرية.

 

والظاهرة الأكثر وضوحا في الرواية المصرية في السنوات الأخيرة، هما روايتا صنع الله إبراهيــم "ذات" (1992)، و"شرف" (1997). هاتان الروايتان كتبهما الكاتب بأسلوبه المميز بالدقة والجدية والمبالغة الفنية، وهما تختلفان عن رواياته السابقة، وبالتحديد من حيث عملية الفصل بين نماذج ووظائف الكاتب وأبطاله. وقد قامت جريدة "أخبار الأدب" بنشر مقالي حول رواية "ذات"، أما "شرف" التي تُشَكِّل، كما أرى، الجزء الثاني من ثنائيته التي يرسم فيها صنع الله إبراهيم الطبيعة الثنائية - الذكورية والأنثوية - لنموذج مصر، فلم أقرأها بعد حتى النهاية.

 

هناك أيضا روايتان جديرتان بالاهتمام حصلتا على عدد كبير من الأصوات في استفتاء "أخبار الأدب": "لا أحد ينام في الإسكندرية"، و"الخِبَاء"، مع أنهما لا تشبهان بعضهما البعض. ففي رواية  إبراهيم عبدالمجيد، تم التعبير بصورة مكثَّفة عن التقاليد الجديدة في السرد المصري، بداية من "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي، ونهاية بآخر أحدث نماذج الجنس الروائي. وهو يعتمد كذلك على خبرة الأدب العالمي بأوسع معانيه. فبطله "مجد الدين"، مصري مسلم، يشعر بارتباطه بمصير العالم كله. كما أن قوة الإيقاع التفاؤلي للرواية يتميَّز بين الاتجاه العام للأدب المصري في السنوات الأخيرة.

 

إن إبراهيم عبدالمجيد يُعَبِّر عن حبه لمدينته الأصلية - مسقط رأسه. وبالنسبة له، كما بالنسبة لإدوارد الخراط في "ترابها زعفران"، يمتلك زمن الأحداث الذي اختاره الكاتب أهمية كبيرة له: سنوات الحرب العالمية الثانية والاحتفال بالانتصار على روميل.

 

أما الرواية الشاعرية الرائعة لميرال الطحاوي، فهي تطرح مصير بطلتها الذي تَحَطَّم تماما وبشكل تراجيدي. تلك النماذج النسائية والمصائر غير قليلة في الأدب المصري. ولكن في نموذج شخصية "فاطمة" - الأميرة العدنانية، تم بصورة عميقة وقوية نقل ضخامة وثراء عالمها الداخلي المقموع والمُحَاصَر بقوانين وعادات المجتمع الذي قُدِّر لها أن تولد وتعيش فيه. لقد كان موضوع صراع الحُبِّ والكراهية في نفس البطل تجاه الأب الذي يجسِّد المبادئ الأخلاقية التقليدية القديمة حادا للغاية في الأعمال الإبداعية للموجة الجديدة في الستينيات والسبعينيات، ولكنه للمرة الأولى في هذه الرواية يمتلك مثل تلك الصرخة التراجيدية العميقة.

 

يبدو لي أنه حتى تلك الأمثلة القليلة لروايات السنوات الأخيرة يمكنها أن تسمح بالحديث عن الرواية المصرية باعتبارها ظاهرة فنية بالمقارنة من حيث مستوى النضج مع أية رواية محلية أخرى. ويؤكد ذلك، الاهتمام المتزايد بالرواية المصرية من قبل دور النشر الأوروبية والأمريكية. وإذا كان المستشرقون الأوروبيون، ومن ضمنهم الروس، قد تناولوا في أبحاثهم ودراساتهم الرواية المصرية التي وُلِدَتْ مع بداية القرن العشرين في الغالب من زاوية استيعابها للخبرة الجمالية - الاستيطيقية للرواية العالمية، فالموقف الآن قد تغيَّر حيث يتزامن تطور الرواية المصرية اليوم مع العملية الأدبية العالمية، الأمر الذي أدى إلى دخول الرواية المصرية حلبة المشاركة، وجعلها تمتلك أكثر فأكثر شخصيتها المتفردة.

 

وإذا عدنا مرة أخرى إلى قضية اللغة المعاصرة للرواية المصرية، فمن الضروري أن نشير على وجه الخصوص إلى تنوع الطبقات اللغوية المستخدمة في الروايات: اللغة العربية الأدبية المعاصرة، لغة الفلاحين والشرائح الدنيا في المدينة، بدو الصعيد، اللغة العامية للدول العربية الأخرى، وخاصة الليبية في "مراعى القتل" لفتحي إمبابي، واللبنانية في رواية "بيروت بيروت" لصنع الله إبراهيم، لغة الصحافة والتلفزيون، لغة التجارة العالمية التي يستعملها، بداهة، الناس من جميع البلدان، اللغة المتأمركة أو ذات الطابع الإنجليزي لرجال الأعمال الجدد. أما في الروايات المبنية على التراث العربي في القرون الوسطى، فتوجد لغة السرد الصوفي، والرسائل الإخوانية، والمدونات التاريخية، والروايــــة الشعبية.. الخ والتفاعل الوثيق جدا بين العديد من طبقات اللغة ومستوياتها يمد الرواية المصرية بحيوية متدفقة نابعة في الأساس من تقاليد أدبية ممتدة لقرون طويلة سابقة، ومن الحياة المتغيرة بصـورة سريعة، الأمر الذي يجعل هذه العوامل تُثرِي الرواية وتفتح أمامها آفاقا جديدة.

تأليف: فاليريا كيربيتشينكو

ترجمة: أشرف الصباغ