تؤكد نتائج الاستفتاء الذى أجرته جريدة "أخبار الأدب" في بداية عام 1997 الرأي الموجود في الحركة النقدية المصرية حول التزايد الذي لم يسبق له مثيل في الإنتاج الروائي في مصر - ومن ضمن ذلك الـ (21) رواية التي تم اختيارها كأحسن روايات لعام 1996، وكان بينها 7 روايات لكاتبات نساء.

من خلال التعرف على بعض الأعمال المتفرقة يمكننا أن نتحدث عن المستوى العالي للنضج الفني للرواية المصرية، وهو التنوع الفردي/ الشخصي للمؤلفين، وكذلك عن التطور المستمر وثراء كل من الأشكال السردية والوسائل التعبيرية ولغة الرواية.

 

وإذا كنتُ لا أدَّعي، بداهة، العصمة من الخطأ والإفلات من الحكم النهائي القاطع، فقد أردتُ تسجيل بعض المتابعات والمشاهد للرواية المصرية في السنوات الأخيرة.

 

في النصف الأول من القرن العشرين، عندما حدث تَشَكُّل الواقعية والأسلوب الكبير في عمومه، وكذلك الأسس التي سادت لتصوير الحياة في شكل الحياة نفسها بالأدب المصري، توحَّدت أساليب الخطاب الفردية للمؤلفين. وقد تم هدم تلك الواقعية التقليدية على يد الأدباء التجريبيين للموجة الجديدة في الستينيات. أما التركيب الجمالي الذي ساهموا به في عملية البناء المتواصلة للنماذج الجديدة للرواية المشروطة برؤية المؤلف الفردية للعالم، فقد استمر تأثيره حتى وقتنا هذا. كما أن تصور المؤلف لم يكن مرتبطا بأي شكل من أشكال البناءات الجمالية القاطعة، وخاصة المعايير الأيديولوجية. فقد اتجه الروائيون إلى النماذج المعاصرة للأدب العالمي كما اتجهوا في ذات الوقت إلى التراث العربي للقرون الوسطى: الكلاسيكي والشعبي. ومن أجل بناء الشخصية الفنية، استخدموا أشكال الفنون الأخرى إلى جانب الأشكال الوثائقية والصحفية، حيث جرى مزج دائم للأجناس والأساليب الفنية في الشكل الروائي، خاصة وأن الرواية التاريخية التقليدية ماتزال موجودة بشكل كاف جنبا إلى جنب مع الأشكال السابقة(على سبيل المثـال "غرناطة" لرضوى عاشور، عام 1994)، وكذلك الرواية التاريخية الكاذبة/الانتحالية، أو التي تحاكي التاريخ بصورة هجائية("رحلة الطرشجي والحلوجي "لخيري شلبي، عام 1965) والتي حينما تسلَّم بطلها دعوة إلى الإفطار عند المعز لدين الله الفاطمي، ظل طوال الوقت يرتكب الأخطاء والهفوات في الوصول إلى هدفه، ويجد نفسه في القرن غير المقصود، ومن ثم يحصل على إمكانية رصد حياة القاهرة وأخلاقياتها في العصور المختلفة، دون أن يتحرك من مكانه.

 

في مجال الرواية، يعمل الآن مؤلفون ينتمون إلى أجيال أدبية مختلفة. فنجيب محفوظ، على الرغم من السن والحالة الصحية، لا يزال يواصل الكتابة. ومن الممكن أن تُسَهِّل منمنمات السيرة الذاتية التي كتبها عام 1996 مهمة الباحثين في أعماله الإبداعية نظرا لاحتواء هذه المنمنمات على اللحظات الأساسية في حياة الكاتب، حيث تجسَّدت بأشكال جديدة مختلفة في نماذج فنية.

 

إدوار الخراط أيضا ينتمي إلى جيل ما قبل الحرب، وهو الذي مازال يواصل في رواياته عملية البحث في أعماق الهوية المصرية. وفي أوج الازدهار يوجد حاليا كتاب الستينات الذين ظهروا لأول مرة في صفوف الموجة الجديدة التي أصبحت علامة على دخول الأدب المصري في أحدث مراحله التاريخية: صنع الله إبراهيم، جمال الغيطاني، محمد يوسف القعيد، بهاء طاهر، محمد البساطي، خيري شلبي، إبراهيم أصلان، إبراهيم عبدالمجيد، وآخرون. وفي الوقت نفسه يعلن الروائيون الشباب عن مواهبهم بشكل أكثر ثقة. فليس عبثا أن الأصوات الأكثر عددا في استفتاء "أخبار الأدب" كانت في صالح رواية إبراهيم عبدالمجيد "لا أحد ينام في الإسكندرية" ( وهي روايته السادسة من حيث العدد)، والرواية الأولى لميرال الطحاوي "الخباء". أما رواية "مراعى القتل" (1994) لفتحي إمبابي فقد أثارت ضجة كبيرة منذ سنوات.

 

وفي ظروف سيادة المبادئ الفردية في أساليب ووسائل التصوير الفني للعالم، من الصعب أن نُمَيِّز في الرواية المصرية أي من الاتجاهات أو النزعات التي تتقارب جميعها أو تتوحد (من حيث المبادئ الجمالية، وخاصة من حيث الموقف الأيديولوجي على الرغم من أن الحديث عن نفي عملية "الأدلجة" في الرواية يبدو بداهة غير صحيح). إن الفارق الأسلوبي بين الروايات المكتوبة على النمط المعاصر وبين الروايات التي تأسلبت على نمط الأشكال والأجناس الأدبية لتراث القرون الوسطى، لا ينفي المعرفة الجيدة عن هؤلاء أو أولئك - من كتاب الرواية الـ "ما بعد حداثية" المعاصرة وأساليبها - في الاستفادة من، والانتصار على النص الآخر بطبيعته المفطورة على المخزون اللغوي والبلاغة والعبارات الاصطلاحية. كما أن الأسلبة على غرار القديم تشير حتى إلى عصرية التفكير الفني للروائي، وإلى الطابع الذاتي والفردي لمعايشته للتاريخ والعالم المحيط به. ومع ذلك فالكلمة الغريبة المستعارة في معظم الروايات المصرية المعاصرة ليست هدف اللعبة التأملية الذهنية، وإنما تستخدم كوسيلة تعبيرية تخدم أهداف عملية الاستعارة والمجاز لظواهر محددة في الواقع. كما أن وجهات النظر الجديدة، غير العادية، لهؤلاء الكتاب تبدو مثل انعطافات فجائية تتضمن مادة حياتية من الواقع، ومن ثم فهي تعتبر وسيلة هذه المادة من أجل البحث الفني.

 

أما حيوية القضايا الاجتماعية والأخلاقية الموجودة في الروايات، وحِدَّة تأثيرها الانفعالي، تعبِّر عن خصائص الهوية الأدبية القومية. والمميز لهذه "الهوية المصرية" أنها توحِّد الروائيين المصريين وتجمع بينهم على الرغم من اختلاف وتباين أنماط إبداعاتهم الفردية، وتَفَرُّد كل منهم. وأكثر ما يعبِّر عن ذلك في هذا المجال هو اعتراف خيري شلبي في إحدى مقابلاته الصحفية بأنه في رواية "الشطــــار" (1985) قد وضع نفسه شخصيا في مكان الكلب - الراوي على اعتبار أنه مثل كلب مرتبط ببيته الأصلي.

 

ولا يجوز هنا عدم ملاحظة أنه مع كل تنوُّع واختلاف الأساليب الفردية الخاصة وعملية الأسلبة، فالأسلوب الواقعي التقليدي قد نمى وتطوَّر لفترة ما. ولا يزال في فن الرواية المصرية، وفي روايات السنوات الأخيرة، يوجد الكثير من عمليات الاستشهاد والاقتباس والمونولوجات الداخلية التي تتداخل مع عملية السرد التي يقوم بها المؤلف الذي يعرف كل شئ.

 

في مرحلة الستينيات تَشَكَّل وساد نمط الرواية الاستبطانية، ومأساة البطل الشبيه في الكثير من ملامحه بالمؤلف الذي يعيش أزمة روحية، والمنطوي على الإحساس بعزلته والاغتراب عن العالـم المحيط . كانت أول روايات هذا النمط هي "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، ثم تبعتها روايات أخرى كثيرة. والروايات من هذا النوع ماتزال تواصل وجودها في التسعينات. وهكذا فبطل رواية بهاء طاهــر "حب في المنفى" (1995) لا يجد لنفسه مكانا في الحياة، فكل شئ لديه قد أصبح في الماضي - توهج النضال السياسي والاجتماعي، الجدل الأيديولوجي، السعادة الأسرية.. وهو يعيش في أوروبا، ولكنه في الحقيقة في حالة نفي على الرغم من أنه يعمل مراسلا لجريدة مصرية. وهو أيضا لا يجد لغة مشتركة وتفهُّما متبادَلاً مع أولاده الذين كبروا، والذين يتعامل معهم فقط بالتليفون - الابنة تطلب منه سيارة كهدية لنجاحها ، والابن لاعب الشطرنج الموهوب يرفض، لأسباب دينية، الاشتراك في مسابقة ألعاب الشباب الدولية للشطرنج. طوال الوقت يقلب ذكرياته باحثا عن تفسير لكل ما حدث معه شخصيا ومع العالم. إن البطل هنا لا يجد قوة من أجل حب جديد، من أجل إقامة أسرة جديدة، ومع ذلك فهو لا يريد المصالحة والتكيُّف مع ما يحدث في العالم من قسوة، لا يريد أن يتراجع عن واجبه كصحفي يقول الحقيقة للناس.

 

 

وإذا كان بهاء طاهر عندما يبني نموذج عالمه، يتوجَّه إلى وسائل الإعلام المعاصرة ويستعين بالنصوص والمقالات الصحفية، فجمال الغيطاني قد توجَّه إلى النصوص العربية الإسلامية والتـراث الصوفي. ففي رواية "متون الأهرام" (1995) توجَّه إلى التراث المصري القديم. ومع ذلك فبطله، على حد سواء مع بطل بهاء طاهر، يفكر بتوتر في مغزى ما يحدث في العالم من تغيرات وتحولات، على الرغم أنه من جانب آخر يفكِّر ليس بعقله، وإنما بقلبه حيث تشغله قضية إدراك الحقيقة العليا. إن هذه الرواية بُنِيَتْ على شكل هرم: كلما سرنا إلى الأمام أصبحت الفصول أقصر فأقصر، والنص الأخير - كأنه قمة الهرم، ذلك المكان الذي ينتهي فيه الزمن وتبدأ الحقيقة - يتضمن ثلاث كلمات فقط "لا شئ لا شئ لا شئ" (وفي الحقيقة ففي المصطلحات الصوفية يتساوى كل من "لا شئ" و"كل شئ"). 

(يتبع)

 

تأليف: فاليريا كيربيتشينكو

ترجمة: أشرف الصباغ