كان الأمير يوسف الشهابي الحاكم على كل لبنان بحماية الباشا العثماني، يعيش صراعات مع المتوالي ناصيف نصّار، والشيخ ظاهر العمر حاكم فلسطين الذي حارب العثمانيين.

وفي حزيران 1772، توجّه الأسطول الروسي الى بيروت، لمعاقبة الأمير يوسف على إطلاقه النار على سفنٍ روسية في صيدا كانت تداهم سفناً تركية، وللقيام بإنزالٍ فيها، بناءً على إشارةٍ من ظاهر، ليستخدمه في مصالحه. ومع انزال القوات الى الشاطئ، دار القصف على المدينة (احترقت مطبعة مار جاورجيوس الارثوذكسية) لعشرة أيام، قاوم خلالها المسلمون، وهرب المسيحيون الى الجبال، وارتكب دروز الجبل والمسيحيون نهبالمدينة، ودمّروا كل ما لم يستطيعوا حمله. وفي 12 حزيران،استسلم الأتراك بعد دفع تعويضٍ مالي و "تعهّد من الحكّام البيروتيّين بتقديم الطاعة للعلم الروسي".

وطالب الأمير يوسف الخائف من ظاهر ومن الأسطول الروسي،العثمانيين بإرسالِ حاميةٍ الى بيروت. وأُرسلت فرقة من المغاربة تحت قيادة أحمد الجزّار.

وقام الجزّار بتحصين المدينة مرفقةٍ بمدفعية قويّة. وقد اختار فِرَقَه الخاصة من المرتزقة، ورفض إعادة المدينة الى الأمير يوسف الذي سارع الى الشيخ ظاهر، وتوجّها الى الأميرال الروسيكوجوخوف  بطلبِ تحرير بيروت من الجزار.

ووعد أمراء ومشايخ الدروز كوجوخوف بالإعتراف بحامية جلالة الأمبرطورة، وباستقبال السفن الروسية في موانئهم ، وبتقديم كافّة احتياجاتها، وبدفع أقساطٍ منتظمة لقاء الحصول على"الحماية".

كما وعدت روسيا بعلاقاتٍ طيبةٍ مع الحكّام المسلمين لقاء إعادة الكنائس المحوّلة الى مساجد الى المسيحيين، وتحرير الأسرى المسيحيين من الرقّ.

واتفقواعلى نقل المعارك الى شوارع المدينة بعد إحداث خرقٍ في السور، وبأن يستمر الروس بحصار بيروت من البحر، ولكنها لن يشاركوا بالاقتحام. ولكنهم سيحصلون على جزيةٍ بقيمة ثلاثمائة قرشٍ نقداً، وحريراً، وأوانٍ فضّيةٍ دمشقية وغيرها من الممتلكات الخفيفة. وإذا ما أخذت القوات العسكرية الروسية أي شيءٍ من المدينة أو القلعة، فعندها، يُحسم ثمنه من الجزية الثابتة. أماالأسلحة الخفيفة والطبول واليافطات الموجودة في المدينة،فتذهب كلها الى الروس، ويمكن"للمدينة" مع قلاعها ومدافعها وبنادقها، أن تبقى بأيدي الدروز". 

بدأت الأعمال الحربية في 23 تموز من العام 1773 بإنزال قواتمن 787 يونانياً، ألبانياً ومن سلافيي صربيا والجبل الأسود في شمال- غرب بيروت.  وقبل هذا بشهرٍ كاملٍ تقريباً، كان سكان بيروت قد عاشوا في ظروف الحصار البحري، منتظرين بثقلٍ ومللٍ قصف الأسطول الروسي. ولكن "المدينة في ذاك الوقت، لم تقلق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من الأسطول". ونجح الجزار بالتحضير لهجومٍ معاكس، وبتوزيع محاربيه في الحقول خلف حدود سور المدينة، لإعاقة إنزال القوات الروسية. 

فجراً، "أرسل الدروز الإشارة عن قرب الوصول الى المدينة.وباستلامها، بدأت قوات الإنزال بالإنتقال الى الشاطئ. ولكن بهذه الإشارة، انتهى أيضاً تعاون القوات الروسية والدرزية، ولاحقاً، عملت فقط القوات الروسية. فمع "إتمام الإنزال وطلقاتقذائف المدفعية، أُرغم الأتراك المزروعين في الحقول، على الهروب الى المدينة. وبعد ذلك، شغلت تلك القوات مع مدافعها أفضل وأنسب الأماكن، وبنت التحصينات لإحداث خرقٍ في السور تنفذ منه القوات المهاجِمة الى بيروت". وبدأ قصف المدينة بالمدفعية من دون توقّف، حيث كانت أصوات قذائفها تهزّ صيدا، وتُسمع حتى في دمشق.

كان "تأثير القصف كان على الأغلب نفسيّاً". ففي وعي الناس في المجتمع التقليدي، وُجدت دائماً فكرة عن نهاية العالم، لذلك، كانت أصوات طلقات المدافع التي تصمّ الآذان، وضوضاء المقاتلين، وأصوات القنابل المرتطمة، تعطي شعوراً بأن يوم القيامة قد حلّ. 

وأختبأت الحامية وسكان المدينة في الطرقات الصغيرة، الضيّقة والملتوية،المغطاة بقببٍ حجرية، لذلك، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الضحايا بينهم. وتعرّضت تحصينات المدينة والحامية لخسائر كبيرة في وقت هجوم المقاتلين من المدينة. وسارع البيروتيون الى تغطية خرق السور بالصناديق والسلال المملوءة بالرمل، ممّا اضطُّر المدفعية الى القيام بالقصف المتواصل لمنع إصلاح الجدران.

رفض الدروز لاحقاً الهجوم على المدينة. لقد "ثبتوا في أول يومين، ومن ثمّ بدأوا يشعرون يوماً بعد يومٍ بانتقاصٍ في كراماتهم، وغادروا الى بيوتهم في قراهم"، فقد كانوا من الفلاحينالمجبرين على تأمين الملبس والمأكل من حسابهم الخاص في الحرب، وبحسب كلمات الأمير يوسف فهم "لا يفقهون شيئاً من الفنون الحربية العلمية، ولكنهم دائماً شجعان، إذا لم يضمروا الخيانة"، "ومشايخهم المترئّسين لهم، يفضّلون الأتراك أكثر من المسيحيين". ولم تستفزّالحرب ضد البيروتيين حماسهم في تحالفٍ مع الكفار- الغرباء. غير أن حجّة المشايخ الرئيسية أصبحت الطلب من الروس دفع تعويضاتٍ لهم عند احتلال المدينة،واعتبروا الروس مرتزقة مجبرين على القتال.  

وعندما أبلغ الأمير يوسف القيادة الروسية بأنه "عديم الشرف" وأن "قواته العسكرية خرجت عن طاعته"، كانت المدينة مجبرةً على الاستسلام. ولكنه وعد بالإبقاء على المدينة محاصرة من البرّ والبحر، وبقطع طرق المواصلات بين الجبل وبيروت.

وأرسل الجزّار حينها الى كوجوخوف طلباً للدخول في مفاوضاتمع إقتراحٍ لوضع بيروت في تبعيةٍ ليكاترينا الثانية، على أن تبقى في يده وتحت حماية الشيخ ظاهر، مقابل محاربة الباب العالي. ولكن الاقتراح رُفِض، وأُنزلت القوات من الجهة الشمالية- الشرقية لبيروت. 

وتعقّد وضع أبناء المدينة الى حدٍ كبير نتيجة الحصار غير المخروق الذي نفّذه الأمير يوسف من جهة الجبال، وبدأت المجاعة في المدينة، واضطر الناس الى أكل لحم الدواب وحتى لحم الكلاب. 

وبدأت القوات العسكرية لباشاوات حلب وطرابلس ودمشق، تتحرّك من دمشق باتجاه بيروت. وترافق ظهورها كالعادة، بسلبٍوإكراهٍ للسكان بالقوة، وتحرّكت الى الجبل كتيبة تحت قيادة علي، ابن ظاهر، لمواجهة القوات العسكرية العثمانية. ولكن ما لبثأن هرب الباشاوات من معسكراتهم الى دمشق، بعد انكسار الجيش العثماني وفقده لقدرته القتالية، وعمّت سورية فوضى عارمة.  

و في منتصف أيلول، اضطر الجزّار الى استئناف المفاوضاتالتي لم تُثمر. وفي 26 أيلول وصل الى بيروت أحمد- آغا دنغيزلي مع إقتراحات من ظاهر لتسليم المدينة.  

وصُدِّقت بنود الإستسلام في 29 أيلول التي نصّت على: 1) خروج الجزّار من المدينة المحصّنة، ودخول ضابطان إليهالحمايتها من الدروز (كانت الذاكرة لا تزال حيّة عن نهب الجبليين-الدروز في العام 1772.) 2) خروج الجزّار والمغاربة من المدينة، والاحتفاظ بسلاح كل من يلتحق بخدمة ظاهر 3) فرض حماية السكان وعدم السماح بأي نهبٍ أو ظلمٍ 4) وفرض تحرير الأرقّاء المسيحيين من كل المذاهب من الرّق (ولم يأتِ الحديث عن استعادة الكنائس). وسرعان ما أُرسل الاستسلام من المدينة، موقّعاً من الجزّار. 

و"في 30 ايلول، خرج الجزّار مع قواته من البواّبة الغربية للقلعة،وكان بانتظارهم الشيخ حسين تلحوق مع محاربيه، لحمايتهم،ودخلت قوات جلالة الأمبرطورة من البوّابة الشرقية، ورفعتالأعلام الروسية على الأبراج" للدلالة بأن المدينة انتقلت تحت حماية الأمبرطورة. 

في 6 تشرين الأول، أُعيدت المدينة الى الأمير يوسف. لكن سكانها الذين خاضوا على مدى 4 أشهر معارك طاحنة دفاعاً عن مدينتهم، وعاشوا الجوع الخطير ويعيشون في الخوف، هاجموا القوات الروسية المتواجدة في المدينة لـ"إبادتها". ولكن التمرّد قُمع، وعاقب الأمير يوسف زعيم التمرّد سعيد علي بالإعدام.

وجمع الأمير من دون رحمة من المسيحيين والمسلمين مبلغ الـ 300 ألف قرش، لدفعه كجزيةٍ على شكل نقدٍ، حريرٍ وأوانٍ فضيّة ،كما السلاح من كل أهالي بيروت، عقاباً على مقاومتهم، وفرض عليهم غرامة. وصادرممتلكات الشيخين عبد السلام العماد، وحسين تلحوق، عقاباً على دعمهما الجزّار.

"في 9 كانون الثاني خرج الأسطولان من بيروت، وأُبقي على مئة شخصٍ من الألبان واليونانيين في القلعة وعلى أبراج بيروت،استأجرهم الأمير لرفع العلم الروسي أيام الآحاد والأعياد". وعند انتهاء الحرب، وإبرام إتفاق كيوتشوك- كارناردجيسكي للسلام،توجّه الأسطول العثماني الى سواحل سورية ومصر، طرد الأمير يوسف الروس المتبقّين مع أعلامهم من القلعة والأبراج" لتسليمها للمسلمين. 

ولكن هذا الأميرالشبه مستقّل، توجّه مرتين بعد الحرب بطلب قبوله ومناطقه في تبعيّة الأمبرطورة يكاترينا الثانية.

 د. جمال القرى.