مقدمة :

   على الرغم من أن العلاقات بين المسلمين والشعب الروسي كانت مبكرة للغاية ، حيث شهدت حالة من التواصل التجاري والثقافي بين الطرفين ، وهو ما برز بوضوح في رحلة ابن فضلون إلى ملك البلغار والتي شملت زيارة الأراضي الروسية كذلك[1] ، وقد تلا هذه الرحلة عدد من الرحلات الروسية إلى الشرق سواء التجارية أو الدينية لزيارة المناطق المقدسة في فلسطين والبلدان الوارد ذكرها في الكتاب المقدس مثل مصر[2] ، إلا أن حركة الاستشراق الروسي لم تبدأ إلا في سنة 1716 عندما أرسل القيصر بطرس الأكبر أول بعثة إلى إيران لتعلم اللغات الشرقية ، وفي نفس السنة أصدرت أكاديمية العلوم الروسية ترجمة للقرآن الكريم بواسطة بوستيكوف والذي اعتمد على ترجمة المستشرق الفرنسي ديوري[3] .

   وفي سنة 1727 م أصدرت أكاديمية العلوم في بطرسبورج جريدة كشوف سانت بطرسبورج سنة 1727 باللغتين الروسية والألمانية مخصصة صفحات بارزة لمعالجة شئون البلدان الشرقية ، قبل أن تبدأ في سنة 1742 بإصدار ملحق باسم " ملاحظات " تخصص في البحوث التاريخية والجغرافية الشرقية[4] .

   وقد لعب المستشرقان كير وباير دوراً هاماً في عهد القيصر بطرس الأكبر من أجل تكوين جيل من المستعربين والمستشرقين الروس عبر إرسال البعثات إلى خارج روسيا والشرق الأوسط .

   وفي القرن التاسع عشر تطور الاهتمام بالدراسات الشرقية عبر افتتاح قسم لتعليم اللغة العربية في وزارة الخارجية الروسية سنة 1823 ، وتلا ذلك بداية تواجد المخطوطات العربية في المتحف الآسيوي بموسكو ؛ كما تم افتتاح قسم للغة العربية في جامعة بطرسبورج تطور في سنة 1855 إلى كلية اللغات الشرقية[5] .

   ومن الملاحظ أن الاستشراق الروسي في القرن التاسع عشر تأثر كثيراً بالعمل الدبلوماسي ، حيث قدم عدد من الدبلوماسيين الروس مساهمات في دعم الاستشراق لعل أهمهم القنصل الروسي بيتكوفيتش الذي قام بكتابة تقريرين بعنوان " لبنان واللبنانيون " و " الحورانيون "[6] ، كما ألف قسطنطين باسيلي مبعوث روسيا في سوريا ولبنان كتابه الشهير " سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني "[7] .

   وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر تطوراً آخر عبر تأسيس الجمعية الشرقية عام 1886 في موسكو لتكون مركزاً للاستشراق والمستشرقين ، حيث تمكنت المدرسة الروسية من تثبيت أقدامها وأمنت استقلاليتها في التعامل مع النصوص الشرقية ، الأمر الذي دفع مجلة زاييسكا لتغطية أخبار المستشرقين بشكل دوري بداية من هذا العام[8] .

   وبديهي أن هذا المسعى الاستشراقي النشط ، ترافق مع تنامي الدور الروسي في السياسة الدولية وسعي الإمبراطورية الروسية لمحاربة النفوذ التركي والأوروبي الغربي في الشرق بهدف الوصول إلى البحر المتوسط أو ما اصطلح على تسميته في الوثائق الروسية في هذه الفترة بالمياه الدافئة ، كما كان لها مساع للتواجد في الخليج الفارسي ومحاولة عقد تحالفات مع مشايخ هذه المنطقة التي كان الانجليز يسعون لبسط سيطرتهم عليها ، وسعى وزير الخارجية الروسي عبر أرسال قطع من البحرية الروسية للخليج إلى التوضيح للانجليز أن روسيا تعتبر الإبحار في الخليج سهل المنال لسفن كل الأمم وهو ما أزعج الانجليز بكل تأكيد خاصة عندما أرسل الروس أطباء إلى الخليج وقاموا بمعالجة المواطنيين المحليين من الطاعون مجاناً[9] .

   ولم يتراجع الاهتمام بالاستشراق عقب إنتصار الثورة الاشتراكية في أكتوبر 1917 م ، بل يبدو من الواضح أن هذه الثورة قد دفعت القادة السوفييت لمزيد من الاهتمام بالدول الشرقية ليس لأسباب سياسية فقط بقدر ما كان دافع نشر الإيدولوجية الشيوعية ودعم الشعوب المستعمرة في ثورتها ضد المستعمرين الغربيين ذا أثر أكبر ، ناهيك عن تواجد ملايين من المسلمين في آسيا الوسطى والقفقاس ضمن رعايا الاتحاد السوفيتي ، وقد أظهر الإعلان الذي أصدرته الحكومة السوفيتية في 24 نوفمبر إلى العمال المسلمين في روسيا والشرق هذا التوجه بشكل صريح ، بداية من عنوانه " إلى كل العمال المسلمين في روسيا والشرق " ، ثم ما تضمنه من وعد باحترام شعائر ومقدسات المسلمين ومؤسساتهم الثقافية والقومية : " إن معتقداتكم وشعائركم ومؤسساتكم الثقافية والقومية لهي في أمان دائم وممنوع انتهاكها. واعلموا أن حقوقكم، كحقوق كل المواطنين في روسيا، تحت الحماية الجبارة للثورة "[10] .

   وبالتالي فقد أمر الزعيم السوفيتي فلاديمير لينين بافتتاح معهد استشراقي بجامعة موسكو منذ عام 1920 م ، وتألفت كذلك عدة اتحادات للمستشرقين كجمعية المستشرقين الروس سنة 1922 والتي أصدرت مجلة الشرق الجديد ، وفي سنة 1928 تأسست حلقة المستعربين اللينينغراديين بقيادة المستشرق كراتشكوفسكي ، وأصدرت عام 1930 مذكرات رابطة المستشرقين ، وفي عام 1934 أنشئت جمعية المستعربين في لينينغراد[11] .

   وقد تميزت الكتابات الروسية عن التراث الإسلامي في هذه الفترة ، وخصوصاً الكتابات التاريخية ، بتأثرها بالأيديولوجية الماركسية واعتماد الباحثين على المادية التاريخية كمنهجية ، وهو ما أدى لتحول الاهتمام التقليدي للمستشرقين الروس بتاريخ الحكام والنخب الإسلامية ، إلى الاهتمام بتاريخ الجماهير والسعي لرصد الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية لنشأة الكيانات السياسية والطوائف الدينية والتحركات الثورية للجماهير ، أكثر من البحث في تاريخ مؤسسيها وزعمائها .

   ويمثل المستشرق الروسي إيليا باولويج بطروشوفسكي أحد أهم المستشرقين الروس في المرحلة السوفيتية والذين اعتمدوا في دراستهم للتراث الإسلامي على المادية التاريخية ، وبالتالي فقد اهتم بمحاولة البحث ليس فقط عن عوامل نشأة الحدث التاريخي وإنما عن الدوافع الكامنة والتي أدت لصياغة هذه العوامل الضاغطة لنشأة الحدث التاريخي ، وهي الدوافع الاقتصادية والاجتماعية .

   ولد المستشرق بطروشوفسكي في 22 يوليو 1898 بمدينة كييف الأوكرانية ، وفرغ من دراسته الجامعية سنة 1926 ، وخلال الفترة الممتدة إلى سنة 1931 م عمل بطروشوفسكي في مدينة باكو الآذربيجانية[12] والتي كانت بالأساس تابعة لإيران قبل أن تخضع لسيطرة روسيا القيصرية بموجب معاهدة تركمانجاي سنة 1828 م ، وهي تتفق مع الإيرانيين في سيادة المذهب الشيعي بين أهلها[13] .

   ثم انتقل للعمل في معهد دراسة القوقاز التابع لمجمع العلوم الروسية بمدينة تفليس الجورجية في الفترة من 1931 حتى 1936 م ، قبل أن يتوجه إلى لينينجراد ليعمل في فرع معهد دراسة التاريخ التابع لمجمع العلوم الروسية في الفترة من 1936 حتى 1956 ، لكنه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية كان يقوم بتدريس مادة تاريخ أقطار الشرق الأدنى في جامعة طشقند بأوزبكستان[14] .

   وقد حصل على درجة الأستاذية في أكتوبر 1948 م ، وكان موضوع رسالته للحصول على درجة الدكتوراة عن " تاريخ العلاقات الإقطاعية في آذربيجان وأرمينيا منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلاديين "[15] .

   ومن الواضح ، بحسب مؤلفات المستشرق بطروشوفسكي ، أن اهتمامه بإيران وتراثها الاجتماعي والفكري ، حيث شارك مع عدد من المستشرقين الروس في كتاب عن تاريخ إيران حتى نهاية القرن الثامن عشر وهو : " تاريخ إيران منذ العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر " ، وكتب فيه عدة فصول لعل أهمها : " تاريخ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين القرن الرابع الهجري وحتى القرن السابع الهجري " ، بالإضافة للفصول المتعلقة بتاريخ التيموريين والصفويين حتى نهاية القرن الثامن عشر[16] .

   وبالإضافة لهذا الكتاب المشترك ، فقد كان لبطروشوفسكي مؤلفاته الخاصة عن إيران لعل أهمها كتابه : " الإسلام في إيران " ، وهو موضوع هذه الدراسة ، " ثورة السربداريين في خراسان " و" الزراعة والعلاقة بالأرض في العصر المغولي "[17] .

   إن الأهمية هذا الكتاب موضوع الدراسة : " الإسلام في إيران " تكمن في حرص المؤلف على الاهتمام بالعاملين الاقتصادي والاجتماعي والتحركات الجماهيرية والتي غالباً ما يتم أهمالها من قبل الباحثين غير الماركسيين ، وقد أتاح له الحياة في ذات البلدان التي يبحث تاريخها كآذربيجان وجورجيا وأوزبكستان ميزة كبرى في هذا الصدد ، بالإضافة إلى اضطلاعه على العديد من الوثائق التاريخية التي تلقي قدراً كبيراً من الضوء على تاريخ إيران في فترات الاضطراب التي تلت تدهور وضع الدولة المغولية والتي ربما تكون غامضة للغاية بالنسبة للكثير من الباحثين .

 

   رؤية بطروشوفسكي في نشأة الإسلام :

   ناقش المستشرق الروسي بطروشوفسكي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية لظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية ، في مقدمة كتابه " الإسلام في إيران "[18] حيث اعتبر أن ظهور الإسلام يرتبط برابطة لا تنفصم مع تكوين المجتمع الطبقي ، وبداية نهضة إجتماعية وسياسية معقدة بين عرب شمال الجزيرة ، وانتهى الإسلام كعقيدة نهضوية إلى تأسيس دولة عربية ذات قوة عسكرية وسياسية تعدت حدود الجزيرة العربية[19] .

   ويؤكد بطروشوفسكي على أنه بالرغم من أن التنظيم الاجتماعي لعرب شمال الجزيرة قبل الإسلام لم يدرس الدراسة اللازمة والمستحقة حتى تدوينه لهذا الكتاب . ولكن من المسلم به أنه منذ بداية القرن السابع الميلادي ، كان التنظيم الأبوي والجماعي ، في النواحي الشمالية من الجزيرة العربية آخذاً في الضعف والتلاشي ، وبدأ مجتمع الطبقات في التكون والظهور ، مشيراً إلى نظريتين للعلماء الروس في هذا الشأن وهما :

-      الأولى : أن مجتمع الاستعباد (ملاك الرقيق) قد استقر في منطقة الحجاز – نواحي مكة والمدينة – حيث طريق القوافل التجارية في الجزيرة العربية منذ القرن السادس وأوائل القرن السابع الميلاديين . بينما كان نمط الحياة في الجزيرة العربية ، قائماً على الرعي والانتقال في الصحراء كان التنظيم الأبوي والجماعي يتلاشى تدريجياً وبصورة أكثر بطئاً ، رغم أن إرهاصات التكوين الطبيعي كانت آخذة في التكامل . ومن ناحية أخرى فقد ظهر رجال أثرياء شاركوا غالبا في قوافل التجارة وأضحوا من زمرة ملاك الأراضي وقطعان الماشية والعبيد . ومع هذا فقد وجد بجانب هؤلاء الفقراء والمعدمون الذين حافظوا على حرياتهم[20] .

ووفقاً لهذا الرأي فإن إرهاصات ظهور الإسلام كانت عبارة عن ضعف وتلاشي وانهيار التنظيم الأبوي والجماعي وتكوين أسلوب حياة ملاك العبيد في الحجاز[21] .

-      الثانية : ترى أن المجتمع الأبوي ، والجماعي في شمالي وجنوبي الجزيرة العربية كان قد أخذ في الانهيار والتفتت بصورة سريعة . كانت العلاقات الخاصة بالمراحل المتقدمة للإقطاع آخذة في التكوين وقد تفوقت هذه العلاقات على سائر أنماط الحياة الأخرى ، حتى قبل حدوث الفتوحات الكبرى العربية في القرن السابع الميلادي . وبناء على هذه النظرية ، فإن الإسلام منذ البداية كان ديناً لرؤساء الإقطاع وكان باعثاً لتكوين مجتمع عربي ، وقد استدل أحد المؤيدين لهذه النظرية بأن انتشار الرقيق في الجزيرة العربية قبل الإسلام كان محدوداً[22] .

   وقد أعلن بطروشوفسكي عن رفضه للنظرية الثانية وقبوله بالنظرية الأولى ، وإن أشار إلى أن أمر التنظيم الاجتماعي للجزيرة العربية قبل الإسلام معقد أشد التعقيد وأنه لم يدرس حتى لحظة تدوينة لكتابه الدراسة الواجبة ، مطالباً بضرورة وضع النظريتين السابقتين قيد البحث والدراسة وكون الحل النهائي لهذه المشكلة مهمة ستتضح في المستقبل[23] .

   وبديهي أن النظرية الأولى أقرب للصحة فيما يتعلق بعرب الشمال ، ومن غير الممكن على الإطلاق الحديث عن تواجد النمط الإقطاعي في هذه المرحلة ، بالرغم من تواجد الملكيات الزراعية في بعض الواحات كالطائف ويثرب والأودية كاضم ونخال والصفراء[24] ، فالطابع الصحراوي الغالب على شبه الجزيرة العربية[25] لا يسمح ، بأي حال ، بالتطور التلقائي من المجتمع الأبوي العشائري إلى الإقطاع ، نظراً لعدم انتشار هذا النمط في سائر شمال الجزيرة ، وقلة مساحة الأراضي المزروعة بشكل عام وبالتالي صغر حجم الملكيات الزراعية .

   ومن هنا فإن الادعاء بأن الرقيق كان محدوداً في الجزيرة العربية قبل الإسلام بناء على التطور باتجاه الإقطاع هو ادعاء غير سليم ، حيث اعتمد عليهم القرشيين في معظم الشئون الاقتصادية وخاصة استخراج معدن الذهب[26] ، وتم تشكيل مجموعة مقاتلة منهم مختلطة مع عدة عشائر عربية فيما سمي في التاريخ العربي بالأحابيش[27] ، وتشير النصوص الإسلامية إلى أن العبيد الأحباش كان لهم دور مهم في الحروب القرشية مع النبي (ص) كإشارة لكثافتهم كقول ابن الأثير في معركة أحد : " واجتمعت قريش بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وتهامة " ، وقد أشار ابن الأثير كذلك إلى دور عبيد أهل مكة بهذه الحرب ، في وصفه لموقف العبد الحبشي وحشي بن حرب غلام جبير بن مطعم الذي طالبه بالخروج للحرب والسعي لقتل عم النبي (ص) : " أخرج مع الناس ، فإن قتلت عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق " ، ووصفه لموقف أبو عامر الأوسي الراهب الذي انضم للمكيين في مواجهة النبي (ص) : " فلما التقى الناس بأحد كان أبو عامر أول من لقي في الأحابيش وعبدان أهل مكة "[28] .

   وفي كل الأحوال فإن المؤكد لدى بطروشوفسكي هو أن ظهور الإسلام كان ولا يزال انعكاساً لتيار الانهيار والتفتت للتنظيم الأبوي والعشائري . وبداية ظهور التنظيم الطبقي بين عرب الشمال ، وأن جوهر تعليمات الإسلام ومواعظه قبل أي شيء كانت ولا تزال موجهة ضد التنظيم المحتضر وأخلاقياته ومعتقداته – أي عبادة الأوثان التي كانت سائدة بين العرب[29] .

   ينتقل المستشرق بطروشوفسكي إلى محاولة رسم صورة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ، حيث أشار إلى انقسام العرب لمجموعتين كبيرتين وهما : اليمنية الجنوبية ، والمضرية الشمالية وقد انقسمت كل منهما بدورهما إلى قبائل وعشائر ، وبينما انتشرت الزراعة بين القبائل الجنوبية في اليمن ، فإن أبناء القبائل الشمالية كانوا في غالبيتهم بدواً رحل في الصحاري وعملوا بصورة أساسية بالرعي وتربية الجمال وامتلاكها نظراً للمكانة التي كانت تحتلها في نقل وحمل الأمتعة الخاصة بالقوافل والحروب ، كما اشتغلوا كذلك بتربية الخراف والماعز ، وامتلكوا في الوقت نفسه القليل من الجياد ، كما علموا في بعض الأحيان بزراعة الشعير والنخيل والأشجار المثمرة في الواحات وحول منابع المياه .

   ويشير بطروشوفسكي إلى نوعين من الملكية كانا موجودين بين عرب الشمال ، فالمراتع (أماكن ينبت فيها العشب الأخضر أو اليابس وترعى فيها الماشية بحرية) كانت ملكاً للعشائر ، بينما كانت الحيوانات الأليفة والعبيد ومساحات الأرض ملكاً للأفراد ، وهو ما أدى لوجود تباين في درجات الثراء بين القبائل وحتى بين العشائر داخل القبيلة الواحدة[30] .

   كما قدم بطروشوفسكي تصوراً موجزاً رائعاً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدينية بمكة ويثرب في عصر النبي (ص) ، حيث أشار إلى الوضع الديني المقدس للأولى لدى العرب قبل الإسلام نتيجة تواجد الكعبة بها ، واجتذابها للحجاج من أنحاء الجزيرة المختلفة طوال شهور الشتاء لزيارة الكعبة ، والمشاركة بذات الوقت في السوق الذي كان يعقد ويتبادل خلاله البدو نتاج حيواناتهم من الجلود والصوف والحيوانات الأليفة ، بالغلال والحبوب والتمر ومصنوعات المدينة.

   كما أشار إلى وضع مكة كسوق تبادل للبضائع ومكان تفريغ للقوافل التجارية المتجهة من سوريا إلى اليمن ، مؤكداً في الوقت نفسه على وجود نشاطات اقتصادية أخرى للمكيين مثل النشاط الحرفي وصيد الحيوانات وتجارتها ، بالإضافة إلى امتلاك بعد المكيين لأراض خصبة في الطائف القريبة من مكة والتي كانت تعيش بها قبيلة ثقيف[31] .

   وقد لاحظ بطروشوفسكي أن عمل المكيين في التجارة وقيامهم بعمليات الربا قد ساهم في إيجاد تفاوت واضح في الثروة داخل القبيلة حيث وجدت عائلات ثرية للغاية مثل بني أمية ، كما وجدت عائلات فقيرة مثل بني هاشم[32] ، وبالرغم من اتفاقنا مع بطروشوفسكي في وجود هذا التفاوت بالفعل واتساعه لدرجة كبيرة قبل الإسلام ، إلا أن تصوره بوجود عائلات غنية بالكامل كبني أمية وعائلات فقيرة كبني هاشم يعد مجازفة ، خاصة مع سيطرة الهاشميين على الأمور ذات الشأن الاجتماعي الأكبر في القبيلة كسقاية الحجيج وإطعامهم والتي كانت تحتاج لقدر للكثير من الثراء من أجل الوفاء بها[33] ، وتشير عبارة الإمام علي بن أبي طالب عن زعامة والده بأن الهاشميين كجد النبي (ص) عبد المطلب بن هاشم لم يكونوا فقراء بأي حال باستثناء أبي طالب : " أبي ساد فقيراً ، وما ساد فقيراً قبله "[34] ، وقد ذكرت المرويات الإسلامية أن أبي طالب ذاته اضطر للتنازل عن حق الرفادة وسقاية الحجيج إلى أخيه العباس مقابل قيام الأخير بسداد ديونه[35] .

   أما المدينة " يثرب " فقد كانت واحة زراعية يقطنها خمسة قبائل ، كما يشير بطروشوفسكي ، قبيلتا الأوس والخزرج الوثنيتان وثلاث قبائل أخرى تتبع الدين اليهودي .

   ويبدو أن بطروشوفسكي كان يعتقد بأن يهود شبه الجزيرة العربية ، ومن بينهم يهود يثرب ، كانوا من اليهود الذين رحلوا عن فلسطين في فترة الحكم الروماني على أثر الحروب التي دارت بين الطرفين وأدت لخراب أورشليم[36] ، وهو خطأ غير مقبول ، بالرغم من أن حدوث مثل هذه الهجرات غير مستبعد ، إلا أن اليهودية كانت قد انتشرت بين القبائل العربية الشمالية عبر التجارة التي كانت رائجة بينهم وبين فلسطين التي تمثل امتداداً طبيعياً للحجاز ، ومن المؤكد أنهم كانت لديهم اتصالات باليهود ، خاصة قبيلة جذام التي أقامت سابقاً في حسمي ومدين شمال الحجاز ، وهو ما تدعمه المرويات التلمودية التي تتحدث عن اعتناق بعض العرب لليهودية أمام الأحبار ، كما يدعمه ما ذكره المؤرخ المسيحي الفلسطيني سوزومين أن اليهود كانوا يعتبرون العرب من نسل إسماعيل ذوي رحمهم ولهم بهم صلة قربى لذلك عملوا على تهويدهم ، وهو ما قد يؤكد رأي المؤرخ اليعقوبي في نسبة يهود المدينة إلى هذه القبيلة[37] .

   وقد انتشرت اليهودية لاحقاً بين قبائل حمير وكنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وغسان ، كما اعتنقت بعض عشائر قبيلتي الأوس والخزرج اليهودية كذلك[38] .

   ويرى بطروشوفسكي أن تصدع المجتمع العشائري وظهور الملكية الخاصة للأراضي وما صاحب ذلك من ثراء مالي شديد سبباً في ظهور صراع حاد بين كبار رجالات القبائل وأصحاب الأراضي مما سبب تصدعاً كبيراً في بنيان المجتمع شمال الجزيرة العربية ، وأثار موجة من الاضطرابات . كما كان سبباً في ظهور المجتمع الطبقي ، مما اقتضى ضرورة إيجاد دولة موحدة في الجزيرة العربية للقضاء على تلك المشكلة . كما كان سبباً في ضرورة القضاء على العداوة بين القبائل[39] .

   ويهمنا في استعراض بطروشوفسكي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بمكة هو تضمنها لتحليله للخلفيات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت لانهيار وتفتت التنظيم الاجتماعي في شمال الجزيرة العربية وبالتالي ظهور الإسلام وانتشاره ، وفي هذا الشأن يرى بطروشوفسكي أن التغيرات السياسية في جنوب شبه الجزيرة العربية والتي أدت لقيام الفرس باحتلال اليمن كان لها دورها : " كان أحد طرق القوافل التجارية يمتد من طريق اليمن إلى سوريا . ويسير بمحاذاة الشاطئ الغربي للجزيرة العربية حيث اليمن الثري . وكانت الولايات البيزنطية – سوريا وفلسطين ومصر – ولايات ممر وانتظار مؤقت لقوافل التجارة المارة بالحبشة وبلاد الهند عبر اليمن .

   بعد استيلاء ايران الساسانية على بلاد اليمن وسيطرتها عليه بذل ملوك هذه الدولة جهدهم لتحويل تجارة وبضائع بلاد الهند إلى بيزنطة عبر إيران ، ولم يسمحوا بعبور تجارة الترانزيت (التوقف المؤقت) عبر بلاد اليمن . لذا قلت الحركة التجارية عن هذا الطريق . كان ظهور هذا الوضع ثم الاختلافات الاجتماعية والتضاد الشديد داخل القبائل العربية سبباً في بروز مشكلة اجتماعية واقتصادية في الجزيرة العربية "[40] .

   ويرى بطروشوفسكي أن دوافع محمد لثورته الاجتماعية الإسلامية كان تحقيق التعادل بين الأسر القرشية الغنية والفقيرة : " كانت قبيلة بني هاشم واحدة من العائلات الفقيرة . ومنها خرج النبي محمد (ص) حامل رسالة الدين الإسلامي حتي يحقق التعادل المالي داخل الأسر "[41] .

   ويؤكد المستشرق الروسي مرة أخرى : " لم يكن ذلك الدين العالمي الجديد – أي الإسلام – غير قادر على الظهور والاستقرار دون توافر لمقدمات اجتماعية وأهداف وآمال سبق التحدث عنها "[42] .

   ومن المؤكد أنني اتفق مع بطروشوفسكي في جملته الأخيرة ، إلا أن رأيه في دوافع النبي (ص) للقيام بثورته الدينية والتي اعتبرها محاولة لتحقيق التعادل المالي داخل الأسر القرشية ، لم يكن موفقاً على الإطلاق ، فقد أشرت سابقاً إلى عدم صحة هذا التصور لدى بطروشوفسكي عن الفقر المزعوم لبني هاشم والذين كانت لهم السيادة على قريش ، كما أن بعض بني أمية لم يكن يمتلك من المال ما يكفي لاعتباره ثرياً ، مثل المغيرة بن أبي العاص الذي كان يعمل خصافاً (صانع نعال) ، والحكم بن أبي العاص ، جد الخلفاء المروانيين من بني أمية ، الذي كان يعمل حلاقاً ، وبديهي أنهما لم يكونا فقيرين ولكنهما لم يكونا كذلك معدودين ضمن أثرياء بني أمية[43] .

   والواقع أن هذا الرأي لبطروشوفسكي يتضارب مع تأكيده الصريح على أن جوهر تعاليم الإسلام ومواعظه كانت ولا تزال موجهة ضد التنظيم المحتضر وأخلاقياته ومعتقداته – أي عبادة الأوثان التي كانت سائدة بين العرب ، وهي إن كانت كذلك فإنها بكل تأكيد تحمل مشروعاً كاملاً كبديل لهذا التنظيم الاجتماعي ، وليس مجرد محاولة إصلاحية ، وإلا لما برزت في صورة أيديولوجية دينية تحمل جوانب اجتماعية ثورية ومعتقدات توحيدية .

   لقد كان المجتمع العربي في حاجة لنظام اجتماعي جديد ، لكن الأمر لم يكن يقتضي بروز ديانة جديدة ، فقد كان يكفي القبائل العربية الاستجابة للمبشرين المسيحيين والذي كانوا قد تمكنوا من إقناع العديد من القبائل القوية كتغلب وطيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ ولخم وغسان وعشائر من بني تميم وقضاعة[44] ، أو حتى الاستجابة للدعوات التوحيدية التي ظهرت بين العرب قبل الإسلام ، كدعوات الحنفاء أو ديانة الرحمن التي ظهرت في اليمن قبل الإسلام[45] . ومثل هذه الديانات ، كاليهودية والمسيحية[46] ، بما لها من قوة أتباع ومن قيم روحية كان من الممكن للعرب استغلالها لإيجاد وحدة سياسية تحت قيادة أحد هذه القبائل الكبرى ، لكن الملاحظ أن هذه الديانات لم تتمكن من القضاء على الحالة العشائرية العربية كما استمرت في التعامل مع ذات المجتمع المتفسخ ، بينما مثلت الحنيفية ثم ديانة الرحمن[47] في اليمن مجرد نشاط اعتراضي من قبل النخبة العربية المثقفة الممثلة بغالبيتها في أبناء الطبقة الأرستقراطية العربية وأبناء طبقة صغار التجار ، والذين أتاح لهم التواصل مع المسيحيين واليهود في الشام واليمن فرصة الاضطلاع على هذه المعتقدات ، وبالتالي لم تتمكن من تحقيق جماهيرية حقيقية كونها افتقدت المشروع الاجتماعي ، واقتصرت رؤيتها على محاولات الإصلاح الاجتماعي بهدف الإبقاء على ذات الوضع القبلي السائد[48] .

   ومن هنا فبالرغم من اتفاقنا مع المستشرق بطروشوفسكي في عبارته : " لم يكن ذلك الدين العالمي الجديد – أي الإسلام – غير قادر على الظهور والاستقرار دون توافر لمقدمات اجتماعية وأهداف وآمال سبق التحدث عنها " ، فإننا نرى أنه دوافع النبي محمد (ص) لم تكن لتمنحه الانتصار على الأرستقراطية القرشية لو كان كل أهدافها هو جرد المحاولات الإصلاحية والتي فشلت سابقاً في تحقيق أي انتشار .

   ومن هنا فلا يوجد مجال لقبول رأيه في مشروع النبي (ص) الذي اعتبره غير معبر عن طموحات طبقة العبيد والفقراء في قريش : " بعد خمسة أعوام من نزول الوحي الأول وبداية دعوته وصل عدد أتباعه والمؤمنين به في مكة ما يقرب من مائة وخمسين فرداً . كان من بينهم كثير من الفقراء والعبيد . ويجب أن لا يستنتج من ذلك أن تعاليم محمد قد عكست آمالهم وتطلعاتهم "[49] ، ويبرر بطروشوفسكي هذا الرأي بقوله : " حقاً أن محمد قد توعد في ما أوحي إليه المطففين ووعد كبار تجار مكة بالويل ونهى عن السعي إلى التكاثر وجمع المال ، وذلك أن السعي سينسيهم الله والحياة الآخرة " ، ويعلق بطروشوفسكي : " ليس في هذه التعاليم أي شيء جديد ، فمثل ذلك موجود في التوراة والإنجيل أي كتب الرسل السابقة . لكن المال الذي يكتسب عن طريق الحلال ويؤدي صاحبه في نفس الوقت واجباته الدينية ، اعتبر محمد كسب مثل هذا المال في مكة ثم في المدينة فيما بعد أمراً مشروعاً لم ينه عنه أو ينكر محمد على الإطلاق الملكية الخاصة والرقيق والأسرى ، (خاصة أسرى الحرب اعتبره محمد مشروعاً، ولكنه كان يوصي بحسن معاملة ما ملكت أيمانكم (أي الأسرى والعبيد) "[50] .

   إن النقد الأساسي الذي يوجه لبطروشوفسكي في هذا الشأن هو اقتصاره على المصادر السنية فقط للتعرف على بدايات الإسلام وشعائره وتجاهله لمصادر الفرق الأخرى ، وبالتالي فلم يتح له الاضطلاع على عدد كبير من المرويات التي كان بوسعها أن تمنحه تصوراً أفضل ، وهذا بالرغم من إدراكه لطبيعة الفرق الإسلامية كمعبر عن مصالح ومطالب وطموحات طبقات وشرائح اجتماعية .

   يروي الشيعة عن النبي محمد (ص) العديد من النصوص التي ترفض العبودية وتزم مهنة النخاسة (تجارة العبيد) لعل أهمها ما رواه الشيخ النراقي عن الإمام جعفر الصادق في مستند الشيعة : " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: شر الناس من يبيع الناس "[51] ، وقد نقلت المروية بصيغة شبيهة على لسان الإمام محمد الباقر : " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن شر الناس من باع الناس "[52] . وهي مروية تشير بوضوح إلى رفض النبي محمد للعبودية مما يفسر بصورة أوضح أسباب تعاطف الكثير من العبيد مع الدعوة الإسلامية .

   ثمة نصوص أخرى تشير بصورة أوضح للموقف العملي الذي اتخذه النبي محمد من مسألة العبودية ، حيث حرم الإسلام الرق الناشئ عن الاختطاف والقرصنة وبيع الأولاد ، وهنا من الضروري الإشارة إلى أن نصوص القرآن ذاتها لا تشير إلى استرقاق الأسرى وإنما إلى المن بالعتق أو الفداء بمعنى إطلاق سراحهم نظير مقابل مادي أو أدبي : " حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا " (محمد / 4)[53] . بالإضافة إلى تحريض الشريعة القرآنية على عتق العبيد سواء كوسيلة للتقرب من الله أو ككفارة لبعض الأخطاء حيث تقول الآيات القرآنية : " فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ " (البلد / 11-13) ، وتخصيص جزء من الزكاة لتحرير العبيد[54] .

   لقد توصل المستشرق بطروشوفسكي إلى أن النصوص الإسلامية أدت إلى حقد وعداء أصحاب الثروة في مكة لمحمد (ص)[55] ، وبحسب غالبية المؤمنين الأوائل بالإسلام ، فمن الواضح أنه اجتذب العبيد والفقراء والحرفيين بالإضافة إلى طبقة التجار الصغار ، والذين لم يمتلكوا قدراً كبيراً من الثروة كما لم يكن لهم أو لعشائرهم مكانة اجتماعية كبيرة في مكة[56] .

   وبالرغم من أن النصوص الإسلامية تعبر بشكل أكبر عن طموحات الفقراء والعبيد ، كما سبقت الإشارة ، إلا أن النبي (ص) أبدى مرونة مع أبناء الطبقة التجارية الصغيرة والتي دعمت الدعوة الإسلامية مالياً في بداياتها ، ومن الملاحظ أن النبي (ص) كرر نفس هذا النموذج من التحالفات بعد هجرته إلى يثرب ، حيث تحالف مع صغار ملاك البساتين الزراعية ، بالإضافة لفقراء وعبيد المدينة في مواجهة كبار الملاك المتحالفين مع القبائل اليهودية الثلاث[57] .

   لقد كان الموقف المرن الذي اتخذه النبي (ص) من طبقتي صغار التجار في مكة وصغار ملاك الأراضي في يثرب ضرورياً من أجل دعم دعوته في من الناحية الاقتصادية في مواجهة الإمكانات الاقتصادية الهائلة للأرستقراطيات القبلية ، وبالتالي كان من الضروري أن يتم التغاضي عن مسألتي الملكية الخاصة السابقة على الإسلام وكسب المال ، مقابل بعض الإجراءات الكفيلة بتحجيم تراكم الثروة ، بالإضافة لرؤية مختلفة تماماً حول قاعدة هذه الملكية .

   بحسب الآيات القرآنية فإن الإسلام لا يعتبر الإنسان مالكاً أساسياً للأرض أو الثروة ، كون كلاهما ملكاً لله بالأساس وإنما هو مستخلف عليها : " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "(البقرة/107) ، " وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا " (الزخرف/85) ، " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " (المائدة/17) ، " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ " (طه/6) . كما تشير آيات قرآنية أخرى إلى أن الثروات الموجودة بالأرض قد خلقت للناس جميعاً ، كالآية : " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا " (البقرة/29) .

   ومن الممكن الاستنتاج بناء على هذه الآيات أن الأصل الإسلامي يعتمد على رفض الملكية الخاصة للأرض الزراعية أو الثروات المعدنية بشكل عام ، بالرغم من تعامله بقدر من المرونة مع الملكيات الخاصة السابقة على الإسلام كما أشرت سابقاً ، والتي كانت قليلة على أية حال ، تجنباً لإيجاد تكتل معاد للدعوة في بدايتها ، فإنه بالمقابل قد اتخذ بعض الإجراءات الرافضة لهذه الملكية مثل جعله الحميات[58] ملكاً عاماً خاضعاً لسيطرة الدولة بناء على عدة مرويات للنبي (ص) : " لا حمى إلا لله ولرسوله " ، والحديث " لا يمنع الماء والكلأ والنار " ، وهناك مرويات أخرى أضافت الملح كذلك : " عن عائشة أنها قالت يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الملح والماء والنار "[59] ، والمقصود بالنار في المروية الحطب الذي يستوقد به[60] ، وهي إجراءات يبدو بوضوح أن الغرض منها ضرب سيطرة الزعامات العشائرية ونفوذها كونها المستفيد الأول من هذه الحميات .

   ومن المهم الإشارة إلى أن الصدام الذي اشتعل بين النبي (ص) وبين قبيلتي بني النضير وبني قريظة كان ضمن هذا الصراع الإجتماعي مع كبار ملاك البساتين الزراعية في المدينة والذي كان اليهود يسيطرون على أغلبها ، وهي أراض لم يقم النبي (ص) بإعادة تمليكها لأفراد بحسب النص القرآني : " مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ " (الحشر/7)[61] ، بالرغم من وجود بعض المرويات التي تشير إلى أن النبي (ص) قد قام بمنح بعض الاقطاعات من الأراضي إلى بعض الصحابة وغيرهم ، ومن الضروري الإشارة إلى أن هذه المرويات ، بغض النظر عن وضعها السندي ، تبدو مضطربة ومتعارضة مع النص القرآني ، ومن الواضح أنها صيغت في فترة لاحقة لتبرير جنوح الأسر الحاكمة لاحقاً إلى الإقطاع[62] .

   على أن النبي (ص) ، وبحسب بعض المرويات ، قد سمح لمن يقوم بإحياء أرض وجعلها صالحة للزراعة بأن يمتلكها ، ويبدو أنها كانت ملكية إنتفاع وليس ملكية نهائية وهو ما يمكن استنتاجه من حديث النبي : " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " ، " من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها "[63] .

   لقد كانت ملكية الأرض بعد الإسلام ، في عهد النبي (ص) ، ملكية عامة وليست خاصة ، وبالتالي من الممكن التأكيد على أنه وبناء على الرؤية القرآنية للملكية ، فإن التاريخ الإسلامي لم يشهد تطوراً حقيقياً للإقطاع ، وبالرغم من أن الأسر الحاكمة وخاصة الأموية والعباسية كانت قد منحت خلفائها الحق في التصرف بأراضي الصوافي (وهي أرض خاضعة لسيادة الدولة الإسلامية) ومنحها للشخصيات الموالية لها ، فيما يعد مخالفة لسيرة النبي (ص) وللخلفاء التالين له ، فقد كان بإمكان الدولة ، في المقابل ، مصادرة هذه الأراضي وأملاك الإقطاعيين بشكل عام بحسب ولاءهم السياسي للأسرة الحاكمة[64] .

   إن التحالف المؤقت مع بعض الطبقات الصغيرة والمتوسطة الملكية في مواجهة الأرستقراطية العشائرية السائدة لا يمثل مهادنة لهذه الطبقات بقدر ما يمثل حالة مرحلية ضرورية لتفكيك التكتلات العشائرية ، ومثل هذا الموقف من النبي (ص) تكرر تاريخياً ، بل تكرر في عهد الثورة الشيوعية في روسيا ذاتها عندما أضطر الزعيم فلاديمير لينين إلى اللجوء لسياسة النيب NEP الاقتصادية والتي اعتبرها خصومه في تلك الفترة تنازلاً بلشفياً للبرجوازية ، لكن لينين دافع عنها قائلاً : " السياسة الاقتصادية الجديدة تؤدي الى سلسلة من التغييرات الجذرية في أوضاع البروليتاريا و بإلنتيجة على أوضاع النقابات. الغالبية العظمى من أدوات الانتاج في مجال الصناعة والطرق والمواصلات تبقى تحت سيطرة الدولة البروليتارية. مع بقاء تأميم الاراضي تظهر هذا الظرف، بإن السياسة الاقتصادية الجديدة لن يغيير طبيعة الدولة العمالية ولا تغيير اساليب وأشكال بناء الاشتراكية بصورة جذرية، لانها إرضاءً للعديد من ملايين الفلاحين ستسمح بفتح باب المنافسة الاقتصادية مابين الاشتراكية التي تُبنى و الرأسمالية الفانية التي عادت الى الظهور "[65] .

    وفي مقال له حول المسألة الزراعية سنة 1920 ، يقول لينين : " ينبغي على السلطة البروليتارية ألا تلجأ أبداً إلى إلغاء الملكية الخاصة إلغاءً فورياً كاملاً ، إنما ينبغي عليها على كل حال أن تضمن للفلاحين الصغار والمتوسطين لا امتلاك قطع أرضهم الصغيرة وحسب ، بل أيضاً امتلاك مجمل الأرض التي يستأجرونها عادة " ، ويضيف فيما يتعلق بكبار الفلاحين : " إلا أنه ينبغي على سلطة الدولة البروليتارية ، كقاعدة عامة أيضاً ، أن تترك لكبار الفلاحين أراضيهم وأن لا تصادرها إلا في حال أبداء المقاومة بوجه حكم الشغيلة والمستثمَرين "[66] . وقد أشار لينين في مقاله إلى أنه من الضروري على البروليتاريا الثورية أن تحمل فئة الفلاحين المتوسطين على الحياد في أثناء الصراع مع البرجوازية عبر تحسين أوضاعها بإلغاء بدلات الإيجار والتأمينات العقارية[67] .

   خلاصة القول أن المستشرق بطروشوفسكي تجاوز في نقده الأهداف الاجتماعية لثورة النبي محمد (ص) الدينية على أدبياته الماركسية ذاتها ، بل والتجربة الشيوعية الثورية الضخمة التي عاش في إطارها وعاصرها أثناء قيام الاتحاد السوفيتي ، وكانت استنتاجاته بعيدة عن قواعد المادية التاريخية .

 

      خاتمة

    من المؤكد أن استعراض المستشرق الروسي بطروشوفسكي لنشأة الإسلام في كتابه لم يكن متكاملاً أو مفصلاً كون الغرض الأساسي من تأليف كتابه هو وضع وتاريخ الإسلام في إيران ، إلا أنه اعتمد على هذا الاستعراض السريع في وضع نتائج وتصورات خاصة به بالفصول التالية لكتابة والتي تناولت بشكل أخص الطوائف الدينية الإسلامية في إيران وخلفياتها الاجتماعية ورؤيتها الحضارية ، وهي نتائج بالرغم من أنها كانت في مجملها تقترب كثيراً من الصحة ، لكنها في بعض الحالات كانت بعيدة تماماً عن الواقع التاريخي .

   ويبقى أن نقطة الضعف الأساسية التي يمكن أن توجه للمستشرق بطروشوفسكي في رؤيته عن نشأة الإسلام وحتى نشأة الطوائف الإسلامية ، هي اعتماده على مصادر طائفة واحدة من الطوائف الإسلامية ، وتجاهله ، في هذه المرحلة فقط ، لمصادر الطوائف الأخرى والتي تعبر عن توجهات ومصالح طبقات وشرائح إجتماعية معارضة للسلطة التي صيغ التاريخ الإسلامي في ظلها ، ولها رؤيتها الخاصة والتي كان من الضروري دراستها كذلك ، وبالتالي فلم يكن رصده للمشروع الإسلامي وأهدافه وتوجهاته واضحاً حتى بالنسبة له كما يبدو من كتابه . حيث تراوح ما بين الأهداف الإصلاحية الساعية لترميم الأوضاع الاجتماعية العشائرية المتفسخة ، وما بين الأهداف الثورية الرافضة تماماً لهذا المجتمع .

   على أن كتاب المستشرق بطروشوفسكي " الإسلام في إيران " ، يظل رغم الانتقادات التي سجلها الباحث ، هو الكتاب الأكثر أهمية ووعياً بالتاريخ الإسلامي في إيران ، ليس فقط لدرايته الواسعة بمصادر هذا التاريخ ، وإنما لكونه لم يرتبط كغيره من المستشرقين الأوروبيين بالاقتصار على دراسة صراعات السلطة الفوقية ، بقدر اهتمامه بالكشف عن الفاعليات الاجتماعية الضاغطة تجاه حركة الحدث التاريخي ، وهو ما ميز المدرسة الروسية في المرحلة السوفيتية بشكل عام . كما أنه ناقش تاريخ منطقة من أكثر مناطق العالم الإسلامي تنوعاً من النواح الجغرافية والدينية والقومية كإيران ، وهو ما جعلها محل للعديد من الصراعات الاجتماعية التي اتخذت أشكالاً مختلفة .

أحمد صبري السيد علي

المنصورة

26 أبريل 2017



[1] أحمد بن فضلان . رسالة ابن فضلان . تحقيق / سامي الدهان . طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق . دمشق 1960 . ص 149 – 166 .

[2] سعدون محمود الساموك . الاستشراق الروسي دراسة تاريخية شاملة . طبعة دار المناهج للنشر والتوزيع . عمان 2003 . ص 49-51 ، 57 ، 58 .

[3] م . س . ص 71 .

[4] م . س . ص 66 ، 67 .

[5] م . س . ص 67 .

[6] مسعود ضاهر . الإستشراق الروسي والمشرق العربي: من الاهتمام إلى الإهمال . مقال بموقع روسيا والعالم الإسلامي http://rusisworld.com/ar . نشر بتاريخ 1 أغسطس 2016 .

[7] قسطنطين بازيلي . سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني . تحقيق / د. إيرينا سميلانسكايا . ترجمة / طارق معصراني . طبعة دار التقدم . موسكو 1989 .

[8] سعدون محمود الساموك . م . س . ص 74 ، 75 .

[9] م . س . ص 9 .

[10] داف كروش . البلاشفة والإسلام . ترجمة / نادية عبدالقادر . نشر بموقع الاشتراكي http://revsoc.me بتاريخ 1 أبريل 2007 .

[11] سعدون محمود الساموك . م . س . ص 80 .

[12] السباعي محمد السباعي . مدخل لكتاب الإسلام في إيران للمستشرق بطروشوفسكي . طبعة القاهرة 2005 . ص 29.

[13] قصي طارق . العلاقات الإيرانية السوفيتية حتى شباط 1917 . دراسة بموقع مقالاتي http://www.maqalaty.com . نشر بتاريخ 5 أبريل 2013 .

[14] السباعي محمد السباعي . م . س . ص 29 .

[15] م . س . ص 29 .

[16] م . س . ص 32 ، 33 .

[17] م . س . ص 33 .

[18] اعتمدت على الطبعة العربية السادسة والتي ترجمها الدكتور السباعي محمد السباعي عن الترجمة الفارسية للكتاب ، ومن الانتقادات الموجهة لهذه الترجمة أن المترجم وضع نفسه قيماً على آراء وتوجهات الكاتب فاضاف وحذف بما يناسب تقييماته مما أخل بترجمته رغم أهميتها .

[19] بطروشوفسكي . م . س . ص 41 .

[20] م . س . ص 41 ، 42 .

[21] م . س . ص 43 .

[22] م . س . ص 43 ، 44 .

[23] م . س . ص 44 .

[24] جواد علي . تاريخ العرب قبل الإسلام . طبعة شركة الأمل للطباعة والنشر . القاهرة 2011 . ج 1 ص 129 ، 132 ، 134 .

[25] م . س . ج 1 ص 87 ، 97 .

[26] باتريشيا كرونه . تجارة مكة وظهور الإسلام . ترجمة / آمال محمد الروبي . طبعة المشروع القومي للترجمة . القاهرة 2005 . ص 168 ، 169 . أشارت المستشرقة باتريشيا كرونه لوجود ثلاث مناجم للذهب على مقربة من مكة ، إلا أنها رفضت الاعتقاد بأن القرشيين كانوا يقومون يعملون على استخراج هذا المعدن ، ومن الطبيعي أن ملاك المناجم كانوا يعتمدون على العبيد في استخراج هذا المعدن النفيس ، وتشير رواية البلاذري إلى أن صناعة الحلي كانت منتشرة بمكة منذ أيام الجد الأكبر للنبي (ص) كلاب بن مره ، وربما كان تواجد صناعة الحلي في مكة ناتج عن تواجد مناجم الذهب بالقرب منها (أحمد بن يحيى البلاذري . أنساب الأشراف . تحقيق / سهيل ذكار ورياض الزركلي . طبعة دار الفكر . بيروت 1996 . ج 1 ص 54 ) .

[27] جواد علي . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام . نشر جامعة بغداد . بغداد 1993 . ج 4 ص 35 .

[28] عز الدين بن الأثير . الكامل في التاريخ . تحقيق / عمر عبدالسلام تدمري . طبعة دار الكتاب العربي . بيروت 2012 . ج 2 ص 40 .

[29] بطروشوفسكي . م . س . ص 44 .

[30] م . س . ص 45 .

[31] م . س . ص 46 ، 47 . جواد علي . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام . م . س . ج 1 ص 326 – 329 . تشير نصوص التاريخ الإسلامي إلى وجود اعتقاد لدى العرب بأن قبيلة ثقيف من بقايا ثمود قوم النبي صالح (ع) وقد ذكر الدكتور جواد علي عثور المنقبين الأثريين على كتابات ثمودية في الطائف بما قد يشير لصحة هذا الاعتقاد .

[32] م . س . ص 47 ، 48 .

[33] أحمد بن واضح اليعقوبي . تاريخ اليعقوبي . طبعة بريل . ليدن 1883 . ج 2 ص 8 – 12 .

[34] م . س . ص 13 .

[35] البلاذري . م . س . ج 1 ص 64 .

[36] يوسفوس فلافيوس . تاريخ يوسيفوس اليهودي . طبعة المكتبة العمومية لسليم إبراهيم صادر . بيروت (بدون ذكر تاريخ الطبع) . ص 312 ، 313 . جدير بالذكر أن المؤرخ اليهودي يوسفيوس والمعاصر لهذه الحروب لم يتحدث عن رحيل أي قبائل يهودية إلى خارج فلسطين .

[37] جواد علي . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام . م . س . ج 1 ص 167 ، 168 ، ج 6 ص 513 ، 514 .

[38] م . س . ج 6 ص 514 .

[39] بطروشوفسكي . م . س . ص 49 .

[40] م . س . ص 45 ، 46 .

[41] م . س . ص 47 .

[42] م . س . ص 57 .

[43] ابن الكلبي . مثالب العرب . تحقيق / محمد حسن الدجيلي . طبعة دار الأندلس . بيروت 2009 . ص 50 ، 54 .

[44] جواد علي . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام . م . س . ج 6 ص 590 .

[45] م . س . ج 6 ص 453 .

[46] م . س . ج 6 ص 693 ، 694 .

[47] ديانة الرحمن : هي دعوة ظهرت في اليمن قبل الإسلام لعبادة الإله ذو سماوي (سيد السماء) أو الرحمن ، وقد تاثرت باليهودية والمسيحية لكنها لم تقترب من أي منهما ، وقد قيل أن مسيلمة الحنفي الشهير بالكذاب كان يدعي أنه نبي مرسل من هذا الإله . (جواد علي . م . س . ج 6 ص 457 ، 462 ، 463) .

[48] م . س . ج 6 ص 458 .

[49] بطروشوفسكي . م . س . ص 61 .

[50] م . س . ص 62 .

[51] الشيخ أحمد النراقي . مستند الشيعة في أحكام الشريعة . تحقيق / مؤسسة أهل البيت عليهم السلام لإحياء التراث . بيروت 2008 . ج 14 ص 55 .

[52] المولى محمد صالح المازنداراني . شرح أصول الكافي . ضبط وتصحيح / السيد علي عاشور . طبعة دار إحياء التراث . بيروت 2000 . ج 11 ص 447 .

[53] ماجد الربيعي . حظر الاتجار بالبشر في القانون الدولي : دراسة مقارنة مع التشريعات الوطنية . طبعة مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع . القاهرة 2015 . ص 82 ، 83 .

[54] م . س . ص 84 .

[55] بطروشوفسكي . م . س . ص 63 .

[56] أحمد صبري السيدعلي . الجذور الطبقية لثورة الإمام الحسين . بيروت 2008 . ص 33 .

[57] م . س . ص 20 .

[58] الحمى : أرض صالحة للرعي كانت القبائل العربية تخصصها لقطعانها وتمنع غيرها من الرعي فيها ، وفي بعض الأحيان كانت هذه الحمى خاصة بفرد في القبيلة ذو مكانة . (جواد علي . م . س . ج 7 . ص 149 – 151) .

[59] محمد بن علي الشوكاني . نيل الأوطار شرح منتقي الأخبار . تحقيق / عصام الدين الصبابطي . طبعة دار الحديث . القاهرة 1993 . ص 365 ، 368 ، 370 .

[60] جواد علي . م . س . ج 7 ص 154 .

[61] السيد محمد حسين فضل اللهفقه الشريعة دار الملاك - بيروت 2002 - ج 1 ص 513 – 517 ،  السيد سابق  - فقه السنة - القاهرة 1988 - المجلد 1 ص 397 – 498 .على الرغم من أن الآية تتحدث في الأساس عن قضية إجلاء بني النضير وأحكام الفيء ، إلا أن الشطر الثاني من الآية يوضح تماما رفض القرآن لسيطرة الأثرياء – حتى لو كانوا من المسلمين - واستحواذهم على الثروة ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) .

[62] الشوكاني . م . س . ج 5 ص 372 .

[63] م . س . ج 5 ص 361 .

[64] أحمد صبري السيد علي . م . س . ص 107 .

[65] خوشوي كمال محمد . السياسة الاقتصادية الجديدة في الاتحاد السوفيتي (ما بين الأعوام 1921 – 1924) . دراسة بحثية بموقع http://birkrdnawa.com . منشورة بتاريخ 27 مارس 2016 .

[66] لينين . بصدد تحويل الزراعة الاشتراكي . ترجمة / إلياس شاهين . طبعة دار التقدم . موسكو 1986 . ص 158 ، 159 .

[67] م . س . ص 158 .