الجزء الخامس: نشأة الاستشراق الأكاديمي

          الى ذلك، فقد ظهرت البدايات الأولى لتكوين مدرسة استشراقية روسية مستقلة في جامعة خاركوف، حيث عمل المستشرق البروفسور بيراندت في إرساء تقاليد علمية جديدة في تعليم اللغات الشرقية، بيد أن مكوثه مدة قصيرة في جامعة خاركوف لم يمكنه من تحضير كوادر علمية جديدة. جاء بعده المستشرق الألماني رامل (1771 – 1859)، الذي كان معجباً باللغة العربية، ووصفها بأنها " لغة رائعة وغنية جداً ". وكان وجوده في روسيا، في محض الصدفة أثناء هجوم نابوليون على ألمانيا، حيث تعاقدت معه جامعة خاركوف، وبدأ العمل فيها من عام (1811) حتى عام (1814)، حيث ترك مجموعة من الآثار العلمية منها : " تأملات عن العرب "، و " أبو الفدا " وأهّل عدداً من التلاميذ الجامعيين (31). جاء بعد " رامل " الأكاديمي دورن الذي أدخل على قسم تدريس اللغات الشرقية في جامعة خاركوف عدداً من اللغات الشرقية الجديدة، كالأفغانية والتركية والأثيوبية. وقام بفهرسة عددٍ من المخطوطات الشرقية. ولقد كان لهذا الأكاديمي تأثير كبير، ليس على النشاط العلمي في جامعة خاركوف وحسب، بل انه امتد ليشمل العاصمة بطرسبورغ ومدينة قازان. حيث كان من المساهمين الأوائل في تأسيس مراكز علمية لدراسة الشرق .

          المدينة الثانية التي كانت مركزاً هاماً للدراسات الشرقية، هي قازان، حيث أمّها البروفسور فرين (1782 – 1851)، والذي كان اصطدم هناك بصعوبات كثيرة بين الأوساط العلمية. غير أن مكوثه فيها لمدة عشر سنوات، جعله يخلق نواة نشيطة لدراسات علمية في القضايا الشرقية. ففي عام (1814) أعاد طباعة القرآن الكريم في قازان، وأعادَ طباعة العديد من الأسفار والحكم العربية، وحاول أن يؤسس معهداً للدراسات الشرقية في الجامعة. بيد أن الحماس الفاتر الذي لقيه في قازان جعله يتجه بعدئذٍ الى العاصمة بطرسبورغ.

أما في مدينة موسكو، فلم تنشط فيها الدراسات الشرقية إلا في فترة متأخرة جداً، رغم أن محاولات أولية بذلت من قبل البروفسور الروسي بلديريف (1780 – 1842) الذي تتلمذ على أيدي مستشرقين ألمان وفرنسيين؛ وكان للمستشرق الفرنسي سلفسترا دو ساسي (1758 – 1839)، اثر ملحوظ على توجيهاته العلمية. وقام بلديريف في عام (1811) بتدريس العربية في جامعة موسكو، ومن ثم ترأس قسماً جديداً لتعليم اللغات الشرقية، وحاول الإشراف على إصدار كتب عربية في " النحو والصرف " مستنداً في معظم موادها على أعمال سلفسترا دو ساسي. وقد لاقت تلك الكتب نقداً لاذعاً من مستشرقي بطرسبورغ، ومن أستاذه دو ساسي لأنها لم تأتِ بأية نصوص جديدة. بيد أن هذه الكتب، وبالذات الكتاب المدرسي لتعليم اللغة العربية يعتبر إنجازاً كبيراً، لأنه الأول من نوعه في الكتابات اللغوية الروسية عن العربية (32)؛ لقد بقي هذا الكتاب ولمدة اربعين عاماً المرجع الأساسي في جامعة موسكو، الى أن طبع الكتاب الجديد الذي ألفه العالمان جرجس و رازين في عامي (1875 و 1868).

لقد كان لبلديريف وتلامذته فضل كبير في ترجمة قصص وحكم شرقية الى المجلات الروسية. ومن تلامذته الذين ساهموا في أعمال الترجمة : كاركونوف (1806 – 1858)، الذي ترجم قصائد لم نتعرّف على عناوينها للنابغة الذيباني. كما ساهم بلديريف – الذي عمل فيما بعد عميداً لجامعة موسكو – في تعريف الأدباء الروس الكبار كـ ليرمنتوف وغونشيرييف على آداب العرب وحضارتهم. وترك عدداً من القصائد والقصص عن الشرق العربي عكست حبه وتعلّقه بالأدب العربي (33).

مدينة أخرى اهتمت بالدراسات الشرقية، هي فيلنوس. فبحكم قربها من بولونيا – حيث بدأت هناك حركة الاستشراق نشيطة – تأثرت الأوساط العلمية بفيلنوس , بالمناخ العلمي في بولونيا والمدن الروسية الرئيسية الأخرى. ومن أشهر مؤرخي تلك الفترة المؤرخان غردويك (1786 – 1825) وليليفال (1786 – 1861)، اللذان تركا تأثيراً علمياً ملحوظا ً على مدرسة الاستشراق الروسية. ومن نتائجه : " جغرافية القرون الوسطى " الذي صدر كسلسلة من الكتيبات بين أعوام (1850 – 1857). ومن العلماء المشهورين آنذاك والذين جذبتهم الحضارة العربية : برغيليوفسكي ثم إلينا غانسكي زوجة الأديب الفرنسي الكبير بلزاك. إن مكوث برغيليوفسكي عدة سنوات في العالم العربي، ساعده في تشجيع الدراسات العربية في فيلنوس. ولعلّ من أهم الأعمال العلمية التي تركها : تأسيسه، مع المستشرق هامير في فيينا، مجلة دورية دولية تهتم بقضايا الاستشراق، أطلقا عليها تسمية “Mines d’Orient” (34).

ومن الأسماء الأخرى التي لمعت في ميدان الاستشراق في فيلنوس، كان بايروفسكي حيث تعلم العربية في فيينا وباريس لمدة خمس سنوات (1817 – 1822). حاول التعرف في فيينا على الشخصية الثقافية العربية المسشهورة، التي لها تأثير على عدد من المستشرقين البارزين في باريس وفيينا، هذه الشخصية هي ع. العريضي (1736 – 1820). إلا أن بايروفسكي لم يتمكن من اللقاء بالعريضي في تلك الفترة، لأن هذا الأخير كان قد عاد الى وطنه في بلاد الشام.

وبهذا، ورغم الصعوبات الكثيرة التي اعترضت المستعربين الروس، فلقد خطت مدرسة الاستشراق الروسية خطوات نحو مدرسة مستقلة عن الاستشراق الغربي؛ إذ توفرت كمية لا بأس بها من المواد والمخطوطات والقواميس الشرقية. ولعبت الترجمات الروسية للأدب والعلم العربيين دوراً تأثيرياً على الثقافة الروسية. – بيد أن مدرسة الاستشراق الروسية لم تتبلور إلا على يد المستشرقين في العاصمة بطرسبورغ، وتحديداً ابتداء من الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وغلبت الدراسات اللغوية على معظم الكتابات التي ألفها المستشرقون الروس بالتعاون مع الألمان والفرنسيين. وكان معظمها يتركز حول إصدار كتب مدرسية جديدة تعرّف باللغة العربية وآدابها. ولعلّ أهمها، في أوائل القرن التاسع عشر، إصدار المستشرقين الروس طبعة جديدة لكتاب المستشرق الألماني ادلونغ (1732 – 1806 )، حول قواعد النحو والصرف في اللغة العربية، يتألف من أربعة أجزاء، تبعته كتب أخرى، في العشرينات كانت متفاوتة النوعية والحجم. إذ إنها أحدثت ردود فعل مختلفة بين الأوساط العلمية الروسية المهتمة بدراسة اللغات الشرقية، ففي عام (1820) مثلا ً، صدر كتاب حمل اسم “Die Koran, Oder Tanger-Sprache” (35) حاول الكاتب الذي اعتمد على دراسات ألونغ، تشويه الحرف العربي الراهن، وذلك عبر طروحاته الداعية الى استعمال الأحرف " الحميرية "، التي كانت سائدة في عصر الجاهلية وما قبلها في الجزيرة العربية، للتعبير عن الثقافة العربية. ولعل الهدف الكامن وراء هذه الطروحات، هو محاولة إنعاش بعض اللهجات والأحرف الأبجدية البائدة مكان العربية. لقد قام المستعرب الروسي الكبير فرين بالتصدي لهذه الفكرة الخاطئة، وبفضحها لكونها تتمتع بأنصار لها، ليس في روسيا وحسب، بل وفي بلدان أوروبا الغربية.

مثل هذه الأفكار ظهرت بأشكال متنوعة، وبنسب متفاوتة من الوضوح، في أعمال اللغويين الروس والأجانب؛ ففي عام (1810)، صدر في موسكو كتاب للمؤرخ أرلوف، بعنوان " موجز تاريخ كتابة اللغات، نشأتها، انتشارها وتحولاتها "، يتناول المؤلف فيه الظروف والتحولات التي طرأت على تاريخ عدد من اللغات، ومنها اللغات الشرقية، كالتركية والأثيوبية والمنغولية واللغات السامية. وهنا يقع الكاتب في خطأ فادح، عندما يقول بأن أصل كل اللغات السامية جاء من اللغة العربية. هذا الخطأ يسيطر على تفكير العديد من المستشرقين الغربيين أيضاً. على ما نعتقد أن أرلوف لم يتعمد الخطأ حول هذه النقطة، فهذا يرجع، على الأرجح، الى عدم إلمامه الواسع بتاريخ اللغات السامية، والذي يؤكد استنتاجنا هذا، هو إشادته باللغة العربية التي انتشرت في معظم بلدان الشرق. ففي معرض حديثه عن العربية التي أفرد لها فصلا ً كاملا ً في كتابه، يقول أرلوف : " لا يحتاج أي امرىء يجيد اللغة العربية الى مترجم، عند تنقله من أفريقيا باتجاه الشرق حتى الصين ومن الشمال حتى روسيا باتجاه الغرب، ومن الغرب حتى أقاصي أفريقيا الشمالية، وذلك لأنه يجد في كل هذه الأماكن محمديين، يتكلمون العربية" (36).

وفي تلك الفترة بالذات، برزت بعض الأصوات التي هاجمت الأدب والشعر والحضارة العربية – الإسلامية بشكل عام، ومنهم عميد جامعة قازان براتشكوفسكي آنذاك، الذي انبرى ليكرر ما يقوله " المركزيون الأوروبيون "، أمثال : آرون و آخرون، من "أن شعر الشعوب الإسلامية سطحي، بعيد عن العمق الجمالي والفلسفي، وأفكاره كلها متقاربة ...، كما أن الحِكَم والـ" الإنجازات الحضارية العربية " لم نجد فيها أي شيء مميز ... وإذا كان هناك من تطوّر جرى في مرحلة معينة من تاريخ الحضارة العربية – الإسلامية، فهذا يرجع الى اليونان وبخاصة الى أعمال الفيلسوف الكبير أرسطو ... فالثقافة الإسلامية جامدة غير قابلة للتطور ... ". هذه الأفكار المنافية للحقيقة، كانت تكرّر وتردّد بشكل ببغاوي ما كان يفكّر به ويحاول تثبيته " كستريوبات ثابتة " في ذهن الإنسان الاوروبي، بعض المستشرقين الغربيين الذين كانوا يفكرون، انطلاقاً من مصالح النخب الحاكمة في دولهم، وانطلاقاً من الأرضية القومية العنصرية التي كانت توجّه رؤيتهم العامة للعالم العربي.

بيد أنه من الملاحظ، أن هذه الأفكار الخاطئة اللاعلمية لم تترك آثاراً ملموسة على تطوّر مسيرة الاستشراق الروسية في ذلك الوقت. فالاتجاه الصحيح، هو الذي طبع، الى حد ما، مسيرة الاستعراب الروسية بطابعه. فآراء المستعربين الروس كانت تتميز برؤية أكاديمية موضوعية عادلة للتراث العربي، والدليل على ذلك هو حماسهم لتعليم اللغة العربية، بشكل منتظم ودون توقف منذ عام (1818)، وفي أهم جامعات روسيا آنذاك، جامعة بطرسبورغ. وفي هذا العام بالذات، تم تأسيس " المتحف الآسيوي " التابع لأكاديمية العلوم الروسية، الذي ترأس أعماله ونشاطاته المستعرب الكبير فرين، الذي كان من أشد المتحمسين للتعمق في دراسة الثقافة العربية. 

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)

6- راجع فيخنرم، ف. تجارة الحكومة الروسية مع بلدان الشرق – موسكو 1956، (ص10 – 41)

7- راجع كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " – موسكو لينيغراد 1950، ( ص 15 – 20) وكريمسكي أ. ي. : " تاريخ العرب والآداب العربية الدينية والدنيوية "؛ الجزء الثاني – موسكو 1912، (75 – 83).

8- كريمسكي أ. ي.، (المرجع نفسه )

9- راجع دانتسنغ ب.م.: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية " – موسكو 1973، (ص10- 41)

10- راجع، كراتشوفسكي : " حول ترايخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص20-21) ودانتسنغ،ب.م :من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " - دار نشر العلم، موسكو 1953، (ص 186 – 220).

 11- دانتسنغ،ب.م : من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " (مرجع سابق)

13- كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص35)

14- راجع، بريسلكوف م.د. : " خواطر حول التاريخ السياسي للكنيسة الروسية الكييفية، بين القرن العاشر والثاني عشر " – بطرسبوغ 1913، (ص 34– 27).

15- راجع كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

16- المرجع نفسه (ص 25)

17- المرجع نفسه (ص 27-28)

18- المرجع نفسه (ص 30)

19- المرجع نفسه (ص 31)

20- راجع، برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع – موسكو 1977، (ص28).

21- كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

22- برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع ،(مرجع سابق )(ص 29)

23- كراتشكوفسكي : " تاريخ الاستعراب الروسي" (مرجع سابق) (ص 38)

24- دانتسنغ،ب.م ." حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 395 – 412).

25- كراتشكوفسكي : (مرجع سابق) (ص 40)

26- حول هذا الموضوع، راجع : دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 134 – 186).

27- المرجع نفسه.

28- المرجع نفسه.

29- المرجع نفسه.

30- حول هذا الموضوع، راجع : كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي" (المرجع نفسه). ودراسة العلم السوفياتي، الخاسر ادجي س.أ: " الكلمات المعرّبة في اللغة الروسية " مجلة شعوب آسيا وأفريقيا، عدد 1973، (ص151 – 158).

31- كراتشكوفسكي : (المرجع نفسه) ،(ص 52).

32- برتولد .ف: المجلّد التارسع (مرجع سابق ) (ص 43).

33- المرجع نفسه، (49 -50)

34- المرجع نفسه، (ص50)

35- راجع كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 88 - 89)

36- راجع كراتشكوفسكي، المجلد الخامس (مرجع سابق ) (ص 68)