الجزء الرابع: القيصرة كاترينا والاهتمام بالتراث العربي

          هذا، ولقد شهدت فترة ما بعد نشاط العالم كير مرحلة من عدم الاهتمام الجدي في الدراسات الشرقية، باسثناء نشاطات بعض الديبلوماسيين التابعين لوزارة الخارجية، وآخرين كانوا قد تتلمذوا على أيدي مستشرقين هولنديين و بريطانيين و مجريين من أمثال المستشرق الأنكليزي يوحنا جاكوب (1716-1778). والمجري يوحنا أوري (1724-1796). بعد عودة البعثات الطلابية الى روسيا، في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، توزّعوا على عدة لجان علمية , واشتغل بعضهم في وزارة الخارجية. ومع الزمن، ازداد الاهتمام في تعلّم اللغات الشرقية الى أن أصدرت القيصرة كاترينا قراراً بتاريخ (27 أيلول / سبتمبر 1772)، يقضي بإلزامية تدريس اللغة العربية في المدارس المختصة بتعليم اللعات الشرقية، الى جانب التترية والفارسية والبوخارية (25).

          لقد كان الاهتمام بتدريس اللغات الشرقية يرتدي دون شك طابعاً سياسياً. ومن جملة الخطوات التي قامت بها القيصرة كاترينا في برنامجها الدعائي العلمي هو توكيلها للأكاديميين في كل من بطرسبورغ وقازان بإعادة طبع القرآن وتوزيعه بكميات كبيرة بين مسلمي روسيا القيصرية في آسيا الوسطى. وكانت ترى في هذا الأسلوب منفعة سياسية تساعدها في التقرّب من الشخصيات السياسية المؤثرة وسط المتدينين الآسيويين وتعبئتهم، ليكونوا للسلطات القيصرية احتياطاً بشرياً ومادياً في معاركها ضد الأتراك. ولقد تم فعلا ً إعادة طبع القرآن، بعد أن استعان الأكاديميون الروس بالخبرة التكنيكية الغربية في طباعة الحرف العربي، ووزّع بأعداد كبيرة بين مسلمي آسيا الوسطى. وفي تلك الفترة بالذات، بذلت محاولتان لترجمة القرآن مرة أخرى الى الروسية بيد أن النجاح لم يُكتب لهما (26).

          ولقد تزايد الاهتمام العلمي والأدبي الروسي بالثقافة العربية بعد ترجمة كتاب " ألف ليلة وليلة "، بين أعوام (1763 – 1771)، وطبع بعدئذ خمس مرات في أعوام (1776، 1789، 1789،1796، 1796 و 1803). لقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة في الأوساط الروسية الثقافية، وكان له تأثير ملحوظ بين الأدباء الروس، إذ نسجت حوله المئات من القصص والروايات. وبعد ذلك قام الأدباء الروس بترجمة قصص ونوادر وحكايات شرقية وعربية عن الفرنسية، على سبيل المثال : " عمر وقصص عربية "، "طرائف آسيوية"، " حكايات شرقية ". وكانت أهم الأدبيات العربية تترجم عن الألمانية والفرنسية (27). وبهذا تكون الثقافة العربية في عصر كاترينا قد دخلت اهتمامات ومخيلة المثقفين والأدباء الروس. وبرزت الحِكَم والطرائف وأخبار العلوم والفلسفة في صدر المجلات الثقافية. وأعدّت قواميس لغوية عدة في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، لعل أهمها القاموس المقارن لكل اللغات واللهجات الأجنبية، حيث أدرجت اللغة العربية كإحدى اللغات الرئيسية الى جانب الفرنسية والانكليزية والألمانية والفنلندية (28).

لقد تمحورت إحدى الاهتمامات الأكاديمية للعلماء اللغويين الروس حول جمع أكبر كمية ممكنة من الكلمات والمخطوطات العربية، لتكوين أرشيف من المعلومات للاستفادة منها في أكثر من مجال. والقيام بنشر دراسات عدة حول تاريخ ومنشأ الآداب واللغة الروسية، حيث أشار المؤرّخ براتشيف والعالم اللغوي بالتين الى أن الكثير من الكلمات الروسية يرجع أصلها الى اللغة العربية؛ ويسرد العالم بالتين قائمة من المصطلحات اللغوية والدينية والسياسية والعلمية والفلسفية ... ولعلّ أهمها، التالية :

المصطلحات القانونية والسياسية : مجلس، قاض، ولايات، عرف، جزية، مهر، طلاق، حدود، وغيرها ...

المصطلحات العلمية العربية " المأوربة" : أدميرال، الكيمياء، الحبر، الكحول، الأكسيد، وغيرها

هذا المجال الى جانب الآلاف من الكلمات العربية المحوّرة الأخرى، في كافة الاختصاصات التي دخلت الروسية عن طريق اللغات التترية والأوزبكية والأذربيجانية والكازاخية وغيرها، ناهيك عن الكلمات العربية التي استقرت في اللغات الآسيوية السوفياتية (29).

بيد أنه من الملاحظ، بأن الاتجاه الذي كان يعير الأهمية الخاصة لإبراز اللهجات الشرق – اوسطية، كان ما يزال يحاول أن يضع العربية في مقام اللهجات السورية والمصرية واليمنية والعبرية. ولعلّ الهدف من وراء ذلك كان – كما يشير كراتشكوفسكي – " هو إبراز دور اللغة العبرية وإعطاؤها مكانة أكبر في حجمها وتأثيرها بكثير " (30).

إذن، لقد تطوّر الاهتمام بالثقافة العربية، رغم محاولات التشويه والطمس التي قام بها عدد كبير من المستشرقين الغربيين وأتباعهم في روسيا القيصرية، وبالذات هؤلاء الذين عمدوا الى إحلال اللغات السامية القديمة وبالذات العبرية محل اللغة والحضارة العربيتين. غير أن هناك ثلاثة عوامل، حالت دون أن تبلور مدرسة الاستشراق الروسية وجهها العلمي، حتى أواخر القرن الثامن عشر، وهي :

الأول، عدم تدريس العربية بشكل منتظم ودائم في المدارس العليا الروسية المختصة باللغات الشرقية

الثاني، هو قلة الكادر العلمي والمعلومات والمخطوطات العربية اللازمة. وضعف المنهج العلمي الروسي في ميدان الدراسات الشرقية، الذي كان يعكس ضعفاً عاماً في مستوى الدراسات العلمية.

الثالث، اعتقد البعض من المشرفين على أكاديمية العلوم الروسية بأن لا فائدة مرجوة من تعليم العربية وبعض اللغات الشرقية على أساس أنها – على حد اعتقادهم – قد شاخت ولا تأتي للدولة بأية فائدة .

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)

6- راجع فيخنرم، ف. تجارة الحكومة الروسية مع بلدان الشرق – موسكو 1956، (ص10 – 41)

7- راجع كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " – موسكو لينيغراد 1950، ( ص 15 – 20) وكريمسكي أ. ي. : " تاريخ العرب والآداب العربية الدينية والدنيوية "؛ الجزء الثاني – موسكو 1912، (75 – 83).

8- كريمسكي أ. ي.، (المرجع نفسه )

9- راجع دانتسنغ ب.م.: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية " – موسكو 1973، (ص10- 41)

10- راجع، كراتشوفسكي : " حول ترايخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص20-21) ودانتسنغ،ب.م :من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " - دار نشر العلم، موسكو 1953، (ص 186 – 220).

 11- دانتسنغ،ب.م : من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " (مرجع سابق)

13- كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص35)

14- راجع، بريسلكوف م.د. : " خواطر حول التاريخ السياسي للكنيسة الروسية الكييفية، بين القرن العاشر والثاني عشر " – بطرسبوغ 1913، (ص 34– 27).

15- راجع كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

16- المرجع نفسه (ص 25)

17- المرجع نفسه (ص 27-28)

18- المرجع نفسه (ص 30)

19- المرجع نفسه (ص 31)

20- راجع، برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع – موسكو 1977، (ص28).

21- كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

22- برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع ،(مرجع سابق )(ص 29)

23- كراتشكوفسكي : " تاريخ الاستعراب الروسي" (مرجع سابق) (ص 38)

24- دانتسنغ،ب.م ." حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 395 – 412).

25- كراتشكوفسكي : (مرجع سابق) (ص 40)

26- حول هذا الموضوع، راجع : دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 134 – 186).

27- المرجع نفسه.

28- المرجع نفسه.

29- المرجع نفسه.

30- حول هذا الموضوع، راجع : كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي" (المرجع نفسه). ودراسة العلم السوفياتي، الخاسر ادجي س.أ: " الكلمات المعرّبة في اللغة الروسية " مجلة شعوب آسيا وأفريقيا، عدد 1973، (ص151 – 158).