الجزء السادس: تبلور الرؤية الاستشراقية الروسية

          ومنذ ذلك الحين، نستطيع القول بأن مدرسة الاستعراب الروسية بدأت تقف على رجليها، ساعدها في ذلك وجود خطة علمية لدراسة المخطوطات العربية التي بدأت تدخل خزانة المخطوطات في المتحف الآسيوي، ونجح هذا المتحف بشد معظم المستشرقين الروس إليه. ويعود الفضل في نجاح أعماله الى فرين، الذي أشرف عليه حتى مماته في عام (1851)؛ ولقد كان للدبلوماسي الروسي ايطالينكسي دور ملحوظ في تأسيس ونجاح أعمال " المتحف الآسيوي "، غير أنه من الملفت للنظر أن هذا المتحف " كان بمثابة مركز علمي، فيه توضع المخطوطات الشرقية وتدرس ويحقق بها؛ ومنه أيضاً، كانت تصدر دراسات علمية متنوعة حول الشرق ".

لقد كان للجهود الشخصية الكبيرة العلمية، التي قام بها مؤسس المتحف فرين، الدور الفعال في تبويب الأقسام وتنظيمها، في إرساء تقاليد علمية لدراسة الآثار الشرقية من قطع نقدية ونماذج مختلفة عن بعض المعالم الحضارية العربية. وبجهوده أيضاً، لفت أنظار الذين حوله من الاختصاصيين على ضرورة وأهمية دراسة المسكوكات العربية. ووضع في عام (1823) دراسة عن " ابن فضلان " (37)، وما زالت حتى الآن ترتدي أهمية خاصة، لأن الباحث الذي يقرؤها يتمكن من الاستدلال على الطريقة الفضلى لدراسة المراجع الروسية والأجنبية، المتعلقة بالتراث العربي وبتاريخ الاستعراب الروسي. كما أنه (أي فرين) كتب عدة مقالات علمية عن الاستشراق الأوروبي و الروسي، نشرها في مجلات غربية وروسية. وبعمله في " المتحف الآسيوي " الذي قام في الواقع على أكتافه، يكون قد أرسى حجر الزاوية لمدرسة علمية متكاملة، لدارسة المخطوطات الشرقية؛ حيث أدخل، هو بالذات الطباعة العربية الى المتحف، فحافظت على العديد من المخطوطات القديمة التي كانت مكتوبة على الجلد.

إن نشاط فرين في " المتحف الآسيوي "، أكسبه احترام وتقدير كل المستشرقين والمستعربين الروس، فعلى حد قول المستشرق سافالييف: " لا يوجد مستشرق في روسيا إلا وتأثر بفرين... وذلك بفضل إحساسه العلمي المرهف وثقافته الأكاديمية العالية. كان يوجد قبله في أكاديمية العلوم علماء مشهورون، أمثال كير وكلبروت. بيد أن مؤلفات هؤلاء لم تترك آثاراً قوية في العلم الروسي؛ أما فرين، فلقد ترك أعمالا ً عظيمة تركت آثارها على كل الأبحاث الروسية حول الاستشراق" (38). وعلى خطاه سار تلاميذه، ساهموا بدورهم في تقدّم علم الاستشراق، وأهمهم سينكوفسكي وفولكوف.

في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لمعت شخصية علمية في ميدان الاستشراق الروسي، هي البروفسور سنكوفسكي. لقد كان البروفسور الوحيد في عصره، الذي مكث في العالم الغربي عدة سنوات، حيث أتقن اللغة العربية بشكل جيد. رافق هذا، إلمامه الواسع – العميق بكافة التيارات الثقافية السائدة، وموهبته الأدبية الفذة. الأمر الذي ألهمه على كتابات هامة منها " لبنان و اللبنانيين " و غيرها عن أبرز المعالم السلوكية للبنانيين و المشارقة التي تميزت بعين أنتربولوجية غاية في الدقة, التي ما تزال حتى أيامنا ترتدي أهمية علمية ملحوظة.

غير أن الظروف التي كانت محيطة به في جامعة بطرسبورغ لم تساعده على العمل بشكل منتظم. ترك الجامعة بعد خمسة وعشرين عاماً من التدريس فيها. وترك في نفوس الذين عرفوه انطباعات مختلفة، فمنهم من أشاد بموهبته اللغوية والكتابية، وبمحاضراته القيمة والغنية بالمعلومات، ومنهم من حاول أن يسيء اليه ويشوه سمعته العلمية، وشارك في حملات التشويه ضده عميد وأساتذة بطرسبورغ آنذاك. وفي الواقع لم يُعرف سبب هذه الحملة : هل هناك اسباب سياسية، أو أن هناك خلافات مع أصحاب النزعة المحبة للتسلط والأضواء، أم أن هذا، يرجع الى أنه كان المستشرق الوحيد في عصره الذي يرجع المصدر الأصلي الى المخطوطات العربية، والى معرفته الواسعة بالثقافة العربية، مما كان يشكّل مصدر قلق لأولئك الذين أدانوا بالولاء لما أسميناهم بـ " المركزيين الأوروبيين " ؟.

كما يبدو، أن كل هذه العوامل كانت السبب الرئيس في التشويش والضغط عليه، لكي يبتعد عن ميدان الاستشراق. على الرغم من هذا، فقد ترك عدة أعمال أشاد فيها كبار أدباء ونقّاد روسيا، أمثال بوشكين وكلوهيربرغ وتشرنيشفسكي. وأهم أعماله " قصص شرقية " و " مذكراتي عن سورية"، ومحاضرات متنوعة عن اللغة والأدب العربي ". كما أنه حرّر مع تلامذته، سافالييف وغريغورييف، القسم المتعلق بالشرق والاستشراق في "القاموس الموسوعي "، الذي صدر في بطرسبورغ بين أعوام (1835 – 1841) (39).

في العقدين الثالث والرابع من القرن التاسع عشر، كانت الحركة الأدبية في روسيا نشطة، وقد شهدت تلك الفترة ترجمات أدبية عن العربية، أهمها : " رحلات السندباد " للمستشرق تيجولييف، الذي ترجم أيضاً قصائد للشاعر المصري – الذي عاش في القرن الثالث عشر – عمر بن فريد، وقصائد أخرى لم نستطع التعرف على عناوينها للشاعر العربي الكبير المتنبي.

بذلت محاولة جديدة في عام (1832)، لترجمة " ألف ليلة وليلة " عن العربية مباشرة، وذلك من قبل تلميذ سنكوفسكي المستعرب غوسييف، إلا أنه لم يتمكن من إنهاء مشروعه، لأن المنية داهمته وهو يقوم بمهمة علمية في مصر .

والجدير بالذكر أن القسم المدرسي المختص بدراسة اللغات الشرقية كان يعير اهتمامه لتعليم العسكريين أيَضاً، فكانوا يرسلون في بعثات خاصة الى الشرق، حتى أن بعضهم كان يترأس القسم المدرسي، أبرزهم في تلك الفترة : الضابط المهندس م. غامازوف (1812 – 1893). جمع خلال هذه المدة أرشيفاً من المخطوطات والتحف، كانت ثمينة جداً للقسم الذي كان يرأسه؛ ومنه كان يختار المستعربون الروس بعض المخطوطات لكي يترجموها الى الروسية. إن الطابع الذي كان يغلب على النشاط الأدبي، هو ترجمة القصص والحكايات والأشعار الرومنسية عن العالم العربي. اشتهر آنذاك في ميدان الترجمة الصحافي والمستعرب ف. بيرغ (1823 – 1884)، الذي ترجم مجموعة قصائد وأغاني عربية، نشرت في سلسلة " أغاني الشعوب " في المجلات الروسية في مدينة بطرسبورغ (40).

إن نوعية النتاج الأدبي والفلسفي والسياسي المترجم، ومكانة العاملين في ميدان الاستعراب، كانتا بمثابة المحور الذي يحبّب أو يبعد القارئ الروسي عن التراث و الثقافة في العالم العربي. . فالمكانة العلمية الكبرى والمعرفة الموسوعية والإلمام العميق بثقافة العرب – التي كانت تميّز أفكار ونشاط فيرن وسينكوفسكي – كانت موضوع تقدير واهتمام الأوساط الأدبية والثقافية الروسية. وبواسطة هذين المستشرقين الكبيرين، تطوّرت حركة الاستعراب الروسية.

في العقد الرابع من القرن التاسع عشر، رافق مسيرة الاستشراق الروسية العالم المصري شيخ طنطاوي، الذي صادق فيرن وسنكوفسكي وسافالييف وغيرهم، وكان له تأثير ملحوظ على العديد من المستعربين، وبخاصة الفنلندين منهم. ولقد لعب الطنطاوي دور صلة الوصل الثقافية بين المستشرقين في بطرسبورغ وبين الكتّاب والأدباء المصريين، كأحمد تيمور ومحيي الدين الخطيب وغيرهم. ولقد أسس، في الواقع، جيلا ً من المستشرقين كانت تربطهم ببعضهم علاقات حميمة. ولقد قال عنه المستشرق الكبير غريغورييف : " محاضراته كانت غنية جداً بالمفردات واللفظ العربي الجميل والسليم، كما أنه كان إنساناً رائعاً، عصامياً في أخلاقه، مفيداً وغيوراً على طلابه " (41). كما أنه عرّف المستشرقين والوسط الأدبي في بطرسبورغ على مؤلفاته، التي قدرت بحوالي (27) مؤلفاً بين تأليف وتحقيق لمخطوطات قديمة. هذا، عدا عن عشرات المقالات اللغوية التي نشرها في المجلات المصرية، منذ كان طالباً في الأزهر وحتى قبيل رحيله الى روسيا في عام (1840)، حيث بدأ العمل في جامعات العاصمة حتى مماته في عام (1860). ودفن في مقبرة العظماء في قازان (42).

هذا، ولم ينحصر تأثيره على مدرسة الاستشراق الروسية، بل على المستشرقين الألمان والفنلنديين والمجريين أيضاً، ولعلّ أهم طلابه، المستشرق الفنلندي جورج وليم (1811 – 1852)، الذي قال عنه كراتشكوفسكي " إنه يملك طاقة لغوية عربية فذة" (43).

بعدها، قام وليم بتدريس العربية في بطرسبورغ؛ ونشر مقالات متعددة عن الحضارة العربية الإسلامية في مجلات هلسنكي، إلا أن المنية داهمته وهو في عمر الشباب؛ ولم يترك أية اعمال مكتوبة. وفي عام (1852)، سافر تلميذ وليم الدكتور غريمان شلفرين الى بطرسبورغ، ليتعلّم العربية على يد الطنطاوي، غير أن مصيره كان كمصير أستاذه الفنلندي. إذ توفي شابا ً عن عمر يناهز (34) عاماً (44). وبعد مكوث الطنطاوي مدة عشرين عاماً في روسيا، رجع الى بلاده، ولم يُعرف بعدئذٍ عن نشاطه شيء.

هذا، ولم تكن الصحافة الروسية، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بعيدة عن تغطية ومتابعة مسيرة الاستعراب الروسية؛ فبواسطة أعمال المستشرقين الكبار، أمثال: فرين وسينكوفسكي، ازداد الاهتمام بالثقافة العربية، ودفع بالبعض من المثقفين الطليعيين آنذاك للكتابة عن الأدب العربي. لعلّ أهمهم أحد رموز حركة " الديكابرين" (44) : بوشكين، الذي كان يكتب عن " القصة الشرقية " والذي كتب ملحمة شعرية خالدة أسماها محاكاة القرآن تعكس مدى تعلقه بالجانب الشعري والروحي لشخصية النبي محمد وبدوره الكبير في نشر الرسالة السماوية على الأرض. كما أن تورغينيف الكاتب الروسي الكبير الذي دخل قائمة الكتاب العالميين، كان بدوره يتابع الشعر العربي من خلال الترجمات الموجودة في الروسية، ومن خلال قراءاته للقصة والشعر العربيين في اللغة الانكليزية. كتب قصائد عن فلسطين وجبال لبنان، نشرها في مجلة " أتياتشفني زابيسوك"، وتناول الصحافي كرايفسكي الأحداث التي كانت تعيشها مصر في الأربعينات من القرن الماضي، ونشرها في المذكورة آنفاً؛ وكان الناقد الروسي الكبير دويرلوبوف يتناول بالتحليل والنقد العلمي الدراسات الروسية الإسلامية؛ هذه الدراسات كان لها أثر ملحوظ على تفكير المثقفين الروس، ذلك لأنها تناولت الإسلام بشكل موضوعي، لا يمت بصلة للتعصب الديني، نشرها دويرلوبوف في مجلسه "سافرنيك" في عام (1858)(45). وفي العام (1861) نشر الديبلوماسي الروسي بازيلي كتابا ً عن " سورية وفلسطين "، تناول فيه الوضع الاقتصادي والسياسي الذي يعيشه هذان البدان؛ وأعطى فيه صورة مشوقة عن العادات والتقاليد، التي كان يمارسها سكان ضهور الشوير و بيروت في لبنان. ولم ينسَ إفراد فصل خاص من كتابه عن الطبيعة الخلابة في الشوير وضواحيها، ولقد نشرت وقدّمت هذا الكتاب المستشرقة السوفياتية المعروفة سمالينسكيا في عام (1965).

إن انطباعات السواح في العالم العربي والأماكن المقدسة في فلسطين، كانت تترك أصداء مختلفة في الصحف، ففي السابق كان السوّاح يركّزون انتباههم على القدس، إلا أن اهتمامهم بدأ يتوسع ليشمل دراسة الوضع السياسي والفكري والسمات الأنتوغرافية والجغرافية لشعوب المنطقة .

ففي عام (1848)، نشر الرحالة الروسي ورجل الدين مورافييف كتابا ً، حمل العنوان التالي : " رسائل عن المحمدية"، يحلل فيه الديانة الإسلامية وعادات الشعوب العربية مركزاً على تعلّقها بالروحانيات، وعلى تمسّكها بالعادات العربية القديمة، التي تدعو الى الشهامة والضيافة و الشجاعة (46) .

في عام (1850) نشر العالم الروسي رافالوفيتش كتاباًَ عن السمات الأنتوغرافية للشعب المصري، كما أنه تناول ظروف الحياة الاقتصادية والإجتماعية التي كان يعيشها المصريون آنذاك (47).

في عام (1849) نشر الرحالة الروسي تسينكوفسكي كتابه " رحلة في كلّ من مصر والسودان ووسط أفريقيا" (48)؛ والكتاب ما زال حتى الآن، يرتدي أهمية علمية، لأن مؤلفه كان باحثا ً جاداً، تناول عادات هذه القبائل، ودرس سماتها الأنتوغرافية بشكل موضوعي، وفنّد فيه أفكار أنصار النزعة العنصرية التي كانت تميز كتابات العديد من العلماء الغربيين.

ومع ازدياد الاهتمام بالشرق وبالحضارة الإسلامية، ارتفعت بعض الاصوات للمطالبة بتأسيس مجلة مختصة بالاستشراق، إلا أن هذه الفكرة لم ترَ النور إلا بعد مائة سنة. كان أول من دعا لتأسيس المجلة، العالم السيبيري سباسكي (1783 – 1864)، إذ أنه طمح لأن يحوّل المجلة – التي كان يكتب فيها، أزيتسكي فيستنيك (البشير الآسيوي ) – الى مجلة علمية تتناول قضايا الشرق المتنوعة بالبحث، والتحليل (49). وفيها، نشر سباسكي دراسات سوسيولوجية عن الأصول الشرقية لبعض الشعوب القاطنة في سيبيريا. نشرت هذه المجلة على صفحاتها أولى الدراسات النقدية الجادة عن رواية " ألف ليلة وليلة "، التي كتبها ريختر (1794 – 1926). في هذه الدراسة حلل المؤلف الظروف التاريخية التي عاشها الخلفاء، وتناول البعد الجمالي والعمق الدرامي لهذه الرواية. نشر ريختر أيضاً في عام (1825)، أول دراسة جادة في هذه المجلة عن " وضع الاستشراق السلفياني في روسيا"(50). وكان يهتم بدراسة تاريخ الاستشراق والاستعراب الروسي في الثلاثينات من القرن الماضي، غريغورييف وكاظم بيك، اللذان كانا يدرسان اللغات الشرقية في أكاديمية العلوم الروسية. كما أن سافالييف نشر سلسلة مقالات في مجلة "روسكي فيستنيك" (البشير الروسي)، في عام (1856)، عن " المراجع الشرقية والاستشراق الروسي " (51). هذه المقالات ما زالت حتى الآن ترتدي أهمية علمية، لأنها تعرّفنا على وضع الاستعراب في ذلك الوقت، وعن المخطوطات العربية التي كانت وما تزال في متناول المستشرقين، وتعطينا صورة عن تطوير وتعميق الاهتمام الروسي الأكاديمي , الأدبي والسياسي والديني بالثقافة العربية.

أهم المشاريع التي أسهمت في تقدم مسيرة الاستعراب الروسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، هي إقامة " المتحف الآسيوي " و" الأكاديمية الآسيوية "، والأقسام المختصة بدراسة اللغات الشرقية التابعة لأكاديمية العلوم ولوزارة الخارجية الروسية. كل هذه المؤسسات، جعلت الاهتمام بالتاريخ العربي والثقافة العربية يشمل أوساط واسعة من الانتلجنسيا الروسية. ولعلّ الفضل في هذا، يعود الى فرين و سينكوفسكي اللذين أرسيا حجر الزاوية لمدرسة استشراق أعطت، فيما بعد أعمالا ً عملية هامة، ساهمت في إغناء الثقافة الروسية بشكل عام، واستطاع من خلالها القارئ الروسي أن يوسّع معارفه، ويغيّر بعض الأفكار المشوّهة الموروثة عن العالم العربي. ظهرت تلك الأعمال بشكل جلي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وقد ساعد التراث الغني، الذي تركه المستعرب الكبير فرين، يإغناء خزانة المخطوطات في " المتحف الآسيوي "، وفي ترسيخ وتكريس تقاليد عملية في ميدان الاستشراق، الأمر الذي أدّى الى دفع مسيرة الاستشراق الى الأمام؛ تمثّل هذا، بإقامة كلية خاصة للغات الشرقية، ثم افتتاحها في الساعة الثانية عشرة من ظهر السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس (1855). هذه الكلية التي تمركز وتمحور حولها الاستشراق والاستعراب الروسي. ومن الشخصيات العلمية التي ساهمت في نشاط هذه الكلية في المتحف الآسيوي كان البروفسور دورن (1805 – 1881)، الذي جاء من مدينة خاركوف في عام (1835) الى العاصمة ليدرس اللغات الشرقية، بما في ذلك العربية في القسم المدرسي التابع لوزارة الخارجية الروسية. وأصبح عضواً في أكاديمية العلوم في عام (1842). كان يتميز بحبه الكبير للعمل وبمعرفته الواسعة بالشرق وبالعالم العربي، إلا أنه لم يكن على مستوى من النشاط والمعرفة الأكاديمية والتنظيمية التي تميّز بها سلفه فرين. لقد تابع الدور الذي لعبه فرين في المتحف الآسيوي، إذ إنه نشر كتيّباً، تناول فيه المسيرة التي قطعها المتحف في خمسة وعشرين عاماً (52). إلا أن المتحف لم يعد يلعب الدور الأساسي في حركة الاستشراق، وركد دوره الى أن أعيد تنشيطه بعد قيام ثورة أوكتوبر السوفياتية .

 وقد برز نشاط دورن في إعداد النشرات البيبليوغرافية عن المخطوطات العربية والفارسية في " المتحف الآسيوي "، وفي قازان وكازخستان وغيرها. وكانت لهذه النشرات أهمية عملية كبرى في ذلك العصر، لأنها ساهمت في مساعدة البحاثة والمستشرقين عن مكان المخطوطات، وعرّفتهم على أهميتها (53).

أما بشأن كلية اللغات الشرقية، فلقد تم إنشاؤها في العاصمة " بطرسبورغ"، ذلك لأن مركز نشاط الاستشراق كان هناك، بعد أن تم إقفال قسم اللغات الشرقية في جامعة قازان. لقد درّس في كلية (بطرسبورغ) عددٌ من الأساتذة سبق وساهموا في تدريس العربية والفارسية والتركية في جامعات روسية مختلفة، أبرزهم : موفالينسكي (1808 – 1877)، كان يجيد العربية جيداً، وكان على إلمام واسع بمعرفة الحضارات الشرقية الفرعونية والعربية والفارسية (54). وكان يعمل بالسر بعيداً عن الأضواء. لقبه معاصروه بـ " الصامت العظيم "، لذلك تم ترشيحه وتعيينه، بإجماع الأساتذة، عميداً للكلية في الفترة (1859 – 1866).

وبرزت شخصية استشراقية كبرى، كان لها شهرة عالمية ساهمت في توطيد القاعدة العلمية للاستعراب الروسي، هي شخصية كاظم بيك. عرفته الأوساط العلمية بتحقيقه ومقدمته للمخطوطة الجغرافية الهامة للعالم المصري " اليعقوبي"، الذي عاش في القرن التاسع؛ ولقد صدرت هذه المخطوطة في السلسلة التي اكتسبت شهرة عالمية : “Bibliotheca Geographorum Arabicarum” كما أنه كان من كبار الدارسين في الاسلاميات (55)، وملماً، بأوضاع المسلمين في مدينة قازان، لأنه عاش فترة هناك، حيث قام بتدريس اللغتين العربية والفارسية في الجامعة. بعدها انتقل الى بطرسبورغ قبل تأسيس الكلية الشرقية للغات، حيث انتخب أول عميد للكلية، قبل أن يحل محله موفاليفسكي (56). كانت تربطه علاقة صداقة مع العالم المصري شيخ طنطاوي؛ وكان هذا الأخير يشيد بمعرفة كاظم بيك الواسعة باللغة العربية. أضف الى ذلك، اتقانه اللغات الاوروبية الرئيسية، وهذا ما أكسبه شهرة واسعة في الغرب، ليس لمعرفته اللغوية وحسب، إنما لأعماله العلمية التي تضمّنت دراسات فكرية وبيبليوغرافية، وتحقيقات عن المطبوعات وعن الحضارة العربية – الإسلامية. غير أن أوساط الاستشراق الأوروبي الغربي، كانت تعتبره " غريباً " عن الوسط الاوروبي لأنه مسلم، أذربيجاني الأصل. وكان دائماً يرتدي الزي القومي في المؤتمرات العلمية العالمية حول الاستشراق، مما كان يلفت نظر المستشرقين الأوروبيين.

تميزت هذه المرحلة من مسيرة الاستعراب الروسي، بوجود تيارين : الأول، اهتم بالقضايا النظرية البحتة. والثاني، ركز على القضايا العلمية الراهنة. لقد كان كاظم بيك من أنصار التيار الأول، الذي شدد على أهمية دراسة تاريخ الإسلام. أما التيار الثاني، فلقد كان يمثله تلميذ كاظم بيك، الاختصاصي بقضايا تركيا والشرق الأوسط، بيريزيف (1818 – 1896)، الذي كان يركّز على دراسة القضايا الراهنة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط (57). جال في تركيا وايران ومصر، وتعرّف على مشاكلها السياسية وعلى تاريخها، واستطاع أن يأتي بحصيلة من المعلومات والمخطوطات، ساهمت بشكل كبير في إغناء خزانة المخطوطات في كلية اللغات الشرقية. لقد كان يجيد العربية والفارسية والتركية بشكل جيد، وكان يتميّز بمخيّلة شاعرية وأدبية فذّة، إذ انه كان من الكتاب المشهورين للمجلات المركزية الروسية، مثل : " مكسفيتيان " (الموسكوفي) و(البشير الروسي ) و"سافرمنيك" (المعاصر) وغيرها ... ولقد قال عنه أحد معاصريه المستشرق غريغورييف : " إنه كان يعي جيّداً ثقافة الإنسان الآسيوي، ويتمتّع بموهبة متنوعة أوصلته الى المكانة التي كان يحتلها سينكوفسكي " (58).

لقد اشتهر بيريزيف بدراساته عن اللهجات العربية، وخاصة دراساته للهجات سكان بغداد والبصرة. وما زالت هذه الدراسات ترتدي أهمية معاصرة، لأنها تتوقف عند أصول اللهجات وعلاقتها بالسمات الخاصة التي تطبع التركيبة الثقافية لهذا الشعب أو ذاك. ترك بيريزيف أبحاثا ً ومقالات علمية في الأدب الشعبي الشرقي، وأفرد له مكاناً خاصاً في "القاموس الموسوعي "، الذي صدر بين أعوام (1872 – 1879) (59). إن عمله الكبير في تعريف القارئ الروسي على الثقافة الشرقية، أكسبه احترام معاصريه؛ لقد كتب عن المستشرق فاسيلييف : " إن أعمال بيريزيف أكسبته المجد، وهو فخر للاستشراق والجامعة معاً" (60). وثمّن الكاتب الروسي الكبير تشيخوف أعماله ومقالاته العلمية عن العالم العربي، في " القاموس الموسوعي الروسي "، وقال " بأن هذه المقالات تفتح أمامنا أفقاً جديداً، من خلاله نطل على ثقافة عريقة وأدب غني في شكله ومضمونه "(61).

كلما كانت حركة الاستشراق نشطة، كانت تعلو الأصوات مطالبة بإنشاء مجلة تهتم بالدراسات الشرقية. ففي عام (1860)، اقترح كاظم بيك على إدارة جامعة يطرسبورغ تأسيس "مجلة آسيا " وكرّر المحاولة أكثر من مرة. غير أن طلبه لم يستجاب له مما أثار لديه القلق والحيرة. ولقد عبّر عن همومه في الرسائل، التي كان يوجهها للمستشرق الفرنسي غارسي دي ساسي (1794 – 1878)، الذي كان يقول له : " لعل ّ من دواعي الأسف الكبير، أن يكون في كل الدول الأوروبية الكبرى مجلة تنطق بلسان الاستشراق، باستثناء روسيا التي لا تملك حتى الآن أي شيء من هذا القبيل. " (62).

بعد خمس سنوات من محاولة كاظم بيك، نظّم فاسيلييف عريضة وقعها ثمانية من أساتذة كلية اللغات الشرقية، تضمنت اقتراحاً بتأسيس " فيستيك أزي" (البشير الآسيوي)؛ بيد أن الطلب تم تأجيله، وذلك بحجة أن الجامعة لم تتحمل ميزانية المجلة التي تقدّر بألفي روبل من الفضة؛ وهكذا نام هذا الاقتراح بعد ذلك فترة طويلة من الزمن.

بيد أن الأدب العربي، بدأ يفرض نفسه على الكتابات الموسوعية الكبرى من المؤلفات الروسية؛ ففي عام (1877)، صدر كتاب " تاريخ الأدب العالمي"دراسة عامة – بيوغرافيا، تقييم ونماذج"، تحت إشراف فلاديمير زاتوف (1821 – 1896)، يتضمن هذا الكتاب فصلا ً خاصاً عن الأدب العربي (63). وساهم بإعداد هذا القسم أكثر من كاتب، وجاء كتجميع لترجمات مختلفة عن الأدب العربي وعن الإسلام، وقد غابت عن تأليف هذا الفصل أسماء مشهورة آنذاك في إلمامها الواسع بالأدب العربي، أمثال : بيتروف وجرجس. ( الذي سيجيء الحديث عنهم فيما بعد؛ وقد تم تصليح الخطأ عندما تغيّرت الخطة في تأليف الكتاب، إذ حلّ محل زاتوف مجموعة من الكتّاب، وتم إصدار الكتاب الضخم بين أعوام (1880 – 1892) تحت إشراف كورش وكيربينتسنيكوف؛ ولقد شغل الأدب العربي قسماً خاصا ً في المجلد الثاني، الذي صدر في العام (1882)؛ كان تحت إشراف المستشرق المرموق خالمغوروف (64).

ومن المستشرقين المشهورين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الاختصاصي باللغات السامية القديمة هوالسون (1819 – 1911)، الذي ترأس القسم المختص باللغات السامية في جامعة بطرسبورغ لأكثر من خمسين عاماً. في بداية نشاطاته العلمية، كتب مؤلفاً ضخما ً حوالى (1000) صفحة عن " سبأ والسبأيين " (1865). توفرت لديه مكتبة غنية جداً بالمخطوطات العربية، لم نستطع التعرف إلا على أسماء بعضها " الزراعة النبطية "، الحضارة في بابل " وعن " ابن رشد ". كان يعرف العربية جيداً (65) وكانت إدارة كلية اللغات الشرقية تدعوه، بشكل دائم، ليحاضر هناك، وليناقش الأطروحات العلمية عن الشرق. وهو الذي حث المستشرق برتولد للتنقيب عن المخطوطات العربية في تركمانستان.

في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، توسّع تأثير المستشرق غريغورييف (1816 – 1881)، رغم أنه جاء متأخراً الى العاصمة، إلا أنه نشط في إطار اللغات الشرقية، حيث شغل منصب العميد في الأعوام (1873 – 1878). أعد في تلك الفترة كتاباً عن تاريخ الاستعراب الروسي؛ وكتب مقالات عديدة عن الاستعراب الروسي في "القاموس الموسوعي"، ودرّس اللغة العربية سنوات عديدة.

إن افتتاح كلية مختصة لتدريس اللغات الشرقية، جعل الاهتمام يتركّز – بشكل أفضل مما عليه في السابق – على قواعد كل لغة من اللغات الشرقية. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ الاهتمام بتدريس قواعد النحو والصرف العربية يزداد، وتم إصدار كتب جديدة لتدريس اللغة، كانت عبارة عن تجميع المقالات المنشورة في المجلات المختلفة، كتبها المستشرقون في فترات سابقة. ونقحها وحررها شيخ طنطاوي. وبقي كتاب بلديرف عن اللغة العربية المصدر الأساسي لتعليم العربية. وفي عام (1868)، صدر في بطرسبورغ كتاب للمستشرق نافرتسكي عن قواعد النحو والصرف العربية، ظلّ يعتبر من المراجع الهامة، التي ساعدت التلامذة في درس اللغة العربية في القرن الماضي؛ وأدخل نافرتسكي على كتابه مراجع جديدة نشرت في مجلات روسية وأوروبية غربية.

هناك ميزة أخرى رافقت مسيرة الاستعراب الروسي، في النصف الثاني من قرن التاسع عشر، هي التركيز على تحضير المستعربين من سكان آسيا الوسطى، ودعوة اللغويين العرب للعمل في كلية اللغات الشرقية. ففي الخمسينات من القرن الماضي، لم نتمكن من معرفة الأساتذة العرب الذين عملوا في الكلية؛ تمكنّا من العثور على المراجع الروسية حول الموضوع، التي تشير الى أنه في عام (1852) درّس في قازان، ومن ثم في بطرسبورغ، مكي أحمد حسين المكي، (لم يشر الى بلده ). حاضر في هاتين المدينتين عن " اللغة العربية المعاصرة "، وكتب في عام (1858) كتابا ً مدرسياً، حمل العنوان التالي " المحادثة الروسية – العربية " (66).

وفي عام (1865)، علّم عبد الله كلزي (1819 – 1912) العربية في بطرسبورغ. وبحسب المعلومات التي استقيناها من أرشيف معهد الاستشراق في موسكو، التي تشير الى أن عبد الله هذا من أصل أرمني كاثوليكي. درس في العام (1837) العربية في سورية، وعاش فترة طويلة من الزمن في بطرسبورغ. ألّف أثناءها كتابا ً حول " منهج المحادثة الاجتماعية الروسية – العربية " (1868)، تضمّن الكتاب بعض الأشعار والحكايات الشعبية العربية (68).

لم تمضٍ فترة قصيرة من الزمن على رحيل فرين وسنكوفسكي، حتى لمعت شخصية علمية، كان لها الأثر الكبير في تطوّر حركة الاستعراب الروسية جرجس (1835 – 1887)، روسي الجنسية من أصل ليتواني. أنهى دراسته الثانوية في بطرسبورغ (68)، وتعلّم العربية على نافرتسكي. كان عليه - حسب التقليد المتبع في الكلية آنذاك – أن يدرس اللغات الشرقية الأخرى، فركز في البداية على دراسة التركية. قبل أن يسافر في بعثة علمية الى الخارج، حاول أن يدافع عن أطروحة الماجستير التي حملت العنوان التالي : "غزو مصر والسلطان سليم ". إلا أن الاقتراح الذي تقدمّت به الجامعة لإرساله الى فرنسا، حال دون دفاعه عن أطروحته. تعرّف في باريس على المستشرق المعروف سلفستر دي ساي، الذي وجهه بدوره لأن يتتلمذ على كوسان دي برسنال (1795 – 1871). وعند رينو (1795 – 1867). مكث جرجس في باريس حوالى ثلاث سنوات، وتأثّر كثيراً بأستاذيه، إذ أخذ عنهما إلمامهما الواسع باللغة والأدب العربيين. بعدئذٍ، زار سورية ولبنان وفلسطين ومصر، حيث مكث فيها ثلاث سنوات، قضى معظم أوقاته في ضهور الشوير؛ تمكن خلال هذه الفترة من التعمق بدراسة اللغة العربية، ومن التعرف على أهم المستجدات السياسية والأدبية التي تعيشها المنطقة. عندما رجع الى روسيا دافع عن أطروحته التي كانت حول " حقوق المسيحيين في الشرق حسب القوانين الإسلامية " ارتدت هذه الأطروحة أهمية خاصة لكونها جاءت بعد الأحداث الطائفية الدامية في لبنان عام (1860)، وحتى تاريخه، ومازالت مفيدة جداً لكونها ارتكزت على النصوص القرآنية، واستقرأت أوضاع المسيحيين وحقوقهم في التاريخ العربي الحديث .

اهتم جرجس في الأصول المورفولوجية للغة الغربية، التي كانت عنوان أطروحة الدكتوراه التي دافع عنها في العام (1873). بدأ حياته العملية كمساعد لأستاذه نافرتسكي في عام (1871)؛ وبعد وفاة أستاذه كان البروفسور الوحيد في كلية اللغات الشرقية، حتى عام (1872)، الى أن جاء ف. رازين الذي ألف معه الكتاب المدرسي حول " الأدب واللغة العربيين ". وبين عامي (1875 – 1876)، اكتسب هذا الكتاب شهرة واسعة ليس في روسيا وحسب، إنما في أو ساط المستعربين المستشرقين في كل مكان. كما أن كتابته حول " تاريخ الأدب العربي " – (1873)، وترجمته (" القوانين الإسلامية " في العام 1882)، كانا يعتبران المرجعين الرئيسيين في تاريخ الاستعراب الروسي، حتى الثلث الأول من القرن العشرين. اشتهر جرجس في تعريفه القارئ الروسي على كتاب " الأغاني " للأصفهاني، الذي نشر في بحث مطوّل بعد وفاته في العام (1900)، وكان قد قام بتحقيق وكتابة المقدمة للمخطوطة العربية التي تناولت تاريخ " أبو حنفي الدينابري"، والتي نشرت في العام (1887)؛ شارك في مؤتمرات عالمية عديدة حول الاستشراق الروسي. مما لا شك فيه، أن طاقاته الكبيرة ومنهجه العلمي الرصين الذي تميّز به دون سواه من معاصريه، هي التي أكسبته الشهرة الواسعة، ولو لم توافيه المنية في (28 شباط / فبراير 1887) اثر مرض عضال، لكان قد أعطى لعلم الاستشراق وللثقافة الروسية والعربية معاً الكثير الكثير.

عاصر جرجس الباحث غورلياند (1843 – 1890) الذي احرز ميدالية ذهبية عن دراسته حول " تأثير الفلسفة الإسلامية على فلسفة ابن ميمون " في العام (1863). هذا العمل يرتدي أهمية خاصة، لأنه يعتبر آنذاك الدراسة الفلسفية الوحيدة عن تأثير الفلسفة العربية الإسلامية على موسى بن ميمون، هذا الفيلسوف اليهودي الذي يعتبر أحد أهم الرموز الذين نقلوا تراثنا الفلسفي الى أوروبا. فما زال هذا العمل يحتفظ بقيمته الفكرية المعاصرة، ذلك لأنه، حتى الآن، تتوفّر في أدبياتنا دراسات جادة عن هذا الموضوع، الذي أثار ويثير جدالا ً حول علاقة موسى بن ميمون بالفلسفة العربية – الإسلامية، حول " إخلاصه " في ترجمة ونقل النتاج الفلسفي العربي الى اسبانيا ومنها الى اوروبا.

عندما توقف قلب المستشرق جرجس وعقله عن النشاط والإبداع، برز نجم آخر لم يقل أهمية عن سلفه، بل إنه أضاف أشياء جديدة الى عمارة الاستشراق والاستعراب الروسية. لم يكن وهجها الإبداعي منحصراً في إطار روسيا بل إنها امتدت لكل حركة الاستشراق العالمية. من هو هذا النجم ؟

إنه رازين (1849 – 1908)، روسي الجنسية من أصل فرنسي، والدته من جورجيا، عندما التحق بالكلية الشرقية وهو في السابعة عشرة من عمره (1866)، كان المستشرق جرجس في الكلية. مع أن الفرق بين عمر الاثنين أربعة عشر عاماً، سرعان ما لحق بإستاذه بعد ست سنوات، وأصبح مساعداً له في الكلية، وتعاون معه في تنظيم العمل وفي تأليف الدراسات والكتب. هذا، ناهيك عن الدراسات الجديدة التي أعدها أيام شبابه عن الأدب الفرنسي. كان من الاختصاصيين البارزين باللغتين العربية والفارسية، كما أنه كان يجيد اللغة العبرية، تلقاها على يدي المستشرق هوالسون. تعرّف على مدرسة الاستشراق الغربية من خلال مكوثه لمدة سنة في لايبزنغ (1870 – 1871)، تعرف هناك على المستشرق فليشرغ، (1801 – 1888). تأثر رازين بشكل ملحوظ بأعمال المستشرق ألواردت (1828 – 1909)، الذي كان على اطلاع واسع بالشعر العربي وبالآداب الشرقية العامة. ومن خلال رحلاته الى الخارج بنى علاقات وطيدة مع أهم المستشرقين في عصره، منهم : المجري غورلدتسهير (1850 – 1921)، والايطالي كويدي (1844 – 1935)، والفرنسي شيفر (1820 – 1998)، والانكليزي براون (1862 – 1926)، والهولنديان م.ي.دي غويه (1836 – 1909)، مزت هواتسم (1851 – 1943) (69).

أولى رازين اهتماماً كبيراً للتحقيق والتدقيق بالمخطوطات الشرقية، وللحفاظ عليها، ووضعها في أماكن لا تؤثر عليها تقلّبات الطقس. وهذه المسألة كانت هامة جداً، لأنه في ذلك التاريخ لم تكن المواد الكيميائية متوفرة، ولا الأماكن الجيّدة ولا التنظيم الحديث للأرشفة، مما أدى الى إتلاف العديد من المخطوطات القديمة القيّمة.

أنجز رازين تحقيق عدد من المخطوطات الهامة، أبرزها مخطوطة الجغرافي العربي " البكري " ونشرها مرتين. الأولى في العام (1878)، والثانية في العام (1903). ومخطوطة الرحالة العربي الكبير " ابن فضلان" (1904 ) (70). درس العلاقات البيزنطية – العربية، ، وكتب عن هذه القضية دراسة تناولت حياة ونشاط المؤرخ العربي المسيحي يحيى الانطاكي (1883). في محاضراته أمام طلابه، كان يدعو لأن يكون للاستعراب الروسي دور أبعد من أن يكون متعلقاً بالعلاقات الروسية – العربية، وبتاريخها الثقافي والعلمي والاقتصادي، كان يدعو لأن تتوسع دائرة اختصاص الاستعراب لتتناول دراسة تحليل القضايا الدولية، وللمشاركة في صنع القرارات التاريخية المصيرية للشعوب، وللتأكيد على دور الحضارة العربية والروسية في صنع الحضارة الإنسانية. كما هو ملاحظ، فطموحاته كانت أكبر بكثير من الامكانيات المتوفرة للاستشراق الروسي. إلا أنه بصرف النظر عن ذلك، كان يساهم شخصياً – من خلال أعماله العلمية – في إغناء الثقافة العالمية بأسرها، فقد لعب دوراً بارزاً في المؤتمر العالمي الثالث للمستشرقين، الذي عقد في بطرسبورغ في العام (1876)؛ وانتخب فيه مسؤولا ً عن العلاقات الخارجية، ومساعداً للأمين العام لاتحاد المستشرقين العالميين. نُشر له كتاب حول هذا المؤتمر في العام (1879)، تناول فيه التحليل والنقد وضح حركة الاستشراق الدولية في ذلك (71).

بعد فشل المحاولة في الثمانينات لإقامة مركز للاستشراق، يدخل في إطار الأقسام المستقلة والمختصة في أكاديمية العلوم، عمل عميداً للكلية الشرقية للغات لمدة عشر سنوات (1893 – 1903)، وترأس القسم الشرقي للمخطوطات، الذي سرعان ما تحول الى جمعية شرقية تركت آثارها على مسيرة الاستشراق الروسي عموماً. منذ العام (1886)، أصبحت مجلة " زابيسكا" تغطي بشكل دوري أخبار المستشرقين؛ وكانت تطبع بلغات أجنبية. منذ ذلك الحين، بدأ العقل الاستشراقي الغربي يتوجه نحو روسيا للتعرّف عن كثب على أعمال المستشرقين الروس.

تمكن رازين – من خلال نشاطه في كلية اللغات الشرقية، والقسم المدرسي التابع لوزارة الخارجية، ومجلة " زابيسكا"، والجمعية الشرقية – أن يجمع حوله خبرة العاملين في ميدان الاستشراق. ولعل أهمها : الاختصاصي باللغات الشرقية ن.ي.مار (1864 – 1934)، والناقد الأدبي المشهور والاختصاصي بتاريخ الهند أورلدنبرغ (1869 – 1934)، والاختصاصي المعروف في تاريخ الإسلام والشرق الإسلامي برتولد (1869 - 1930) (72). إن هؤلاء لعبوا دوراً لا يستهان به في مسيرة الاستشراق الروسية والسوفياتية، وترك كلّ منهم أعمالا ً خلّدت اسمه في تاريخ الثقافة الروسية والعالمية.

في مقدمة هؤلاء : مار، الذي كان يجيد العربية، وكان على إلمام واسع بالمخطوطات العربية الموجودة في بطرسبورغ، وبعض المدن الآسيوية الروسية، كما أنه تعمّق في دراسة الأدب العربي حيث ترك حول هذا الموضوع مؤلفات عديدة، أشهرها : "مار وانطباعاته عن الأدب العربي "، و " مار والادب العربي الجديد " (73).

أما برتولد، المستشرق الشهير، الذي درس التاريخ العربي والإسلامي ونشر الدراسات المكتوبة بأسلوب ميسر ليفهمها القارئ غير المتخصّص، فلقد كان خير ما يطمح اليه أن يعطي للثقافة العربية حقّها وحجمها الطبيعيين، وأن يعرّف أوسع فئة من الناس عليها. ولقد قدم أبحاثا ً أخرى حول تاريخ آسيا الوسطى، وحول الإسلام بالذات، تلك الأبحاث تعتبر إحدى أهم الأبحاث العالمية حول هذه المواضيع، وقد كُتب معظمها في الفترة السوفاتية (73 مكرر). وهكذا الأمر بالنسبة لأولدنبرغ، الذي كان يراوده نفس الطموح الموجود عند برتولد، بيد أن دراساته لم ترقَ الى مستوى كتابات برتولد، وأهمها " تأثير الحضارة العربية على بلاد الأندلس" – (1910).

تحت تأثير رازين، تمكّن العالم الروسي الاختصاصي بالشؤون الاسبانية بيتروف (1872 – 1925)، أن يدرس اللغة العربية وهو في سن متقدّم. ألقى سلسلة من المحاضرات عن " الأدب العربي في اسبانا " وكتب عدة مقالات عن التأثير والتأثر المتبادل بين الأدب العربي والاسباني، كما أنه نشر كتاباً في العام (1914)، عن " ابن حزم " (74).

إن كل الأمثلة التي أوردناها، إن دلّت على شيء إنما تدل على أن مدرسة الاستشراق الروسية تطورت على المستوى الأكاديمي عمودياً وأفقياً. إن أعمال جرجس ورازين وسنكوسكي وفرين وغيرهم، تعمقت في دراسة التراث العربي والمخطوطات العربية. كما أن ايجاد كوادر علمية مختصة بدراسات الشرق في مناطق متنوعة، أدّى الى انتشار مدرسة الاستشراق والى فتح فروع لها في أكثر من قومية روسية. ونحن، إن توقّفنا مطوّلاً عند مدرسة بطرسبورغ في الاستشراق والاستعراب، ذلك لكونها كانت تحتل في الواقع مركز كل النشاطات العلمية في كافة الميادين، بما فيها علم الاستشراق. غير أن هذا لا يعني إطلاقاً، بأنه لم يكن للفروع الأخرى للاستشراق الروسي أية مساهمة في إغناء المدرسة الروسية في كشف جوانب متعددة من التاريخ الأدبي والثقافي والعربي. فأعمال بعضهم وصلت الى مستوى من الرصانة والبحث العلمي الموضوعي الجاد، جعلها تحتل مكانة مرموقة في التاريخ الثقافي للشعب الروسي. 

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)

6- راجع فيخنرم، ف. تجارة الحكومة الروسية مع بلدان الشرق – موسكو 1956، (ص10 – 41)

7- راجع كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " – موسكو لينيغراد 1950، ( ص 15 – 20) وكريمسكي أ. ي. : " تاريخ العرب والآداب العربية الدينية والدنيوية "؛ الجزء الثاني – موسكو 1912، (75 – 83).

8- كريمسكي أ. ي.، (المرجع نفسه )

9- راجع دانتسنغ ب.م.: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية " – موسكو 1973، (ص10- 41)

10- راجع، كراتشوفسكي : " حول ترايخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص20-21) ودانتسنغ،ب.م :من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " - دار نشر العلم، موسكو 1953، (ص 186 – 220).

 11- دانتسنغ،ب.م : من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " (مرجع سابق)

13- كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص35)

14- راجع، بريسلكوف م.د. : " خواطر حول التاريخ السياسي للكنيسة الروسية الكييفية، بين القرن العاشر والثاني عشر " – بطرسبوغ 1913، (ص 34– 27).

15- راجع كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

16- المرجع نفسه (ص 25)

17- المرجع نفسه (ص 27-28)

18- المرجع نفسه (ص 30)

19- المرجع نفسه (ص 31)

20- راجع، برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع – موسكو 1977، (ص28).

21- كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

22- برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع ،(مرجع سابق )(ص 29)

23- كراتشكوفسكي : " تاريخ الاستعراب الروسي" (مرجع سابق) (ص 38)

24- دانتسنغ،ب.م ." حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 395 – 412).

25- كراتشكوفسكي : (مرجع سابق) (ص 40)

26- حول هذا الموضوع، راجع : دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 134 – 186).

27- المرجع نفسه.

28- المرجع نفسه.

29- المرجع نفسه.

30- حول هذا الموضوع، راجع : كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي" (المرجع نفسه). ودراسة العلم السوفياتي، الخاسر ادجي س.أ: " الكلمات المعرّبة في اللغة الروسية " مجلة شعوب آسيا وأفريقيا، عدد 1973، (ص151 – 158).

31- كراتشكوفسكي : (المرجع نفسه) ،(ص 52).

32- برتولد .ف: المجلّد التارسع (مرجع سابق ) (ص 43).

33- المرجع نفسه، (49 -50)

34- المرجع نفسه، (ص50)

35- راجع كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 88 - 89)

36- راجع كراتشكوفسكي، المجلد الخامس (مرجع سابق ) (ص 68)

37- المرجع نفسه (ص 69)

38- المرجع نفسه (ص81)

39- المرجع نفسه (ص 82)

40- راجع دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين : - موسكو 1968، (ص 50 – 51)

41- كراتشكوفسكي .أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )، (ص68)

42- كراتشكوفسكي أ. : " شيخ طنطاوي البروفسور في جامعة بطرسبروغ "، من مجلده الخامس، (مرجع سابق ) (ص26)

43- لمزيد من التفاصيل عن الشيخ طنطاوي، راجع كراتشكوفسكي، (الرجع السابق) (ص 229- 299 )

44- المرجع نفسه.

45- المرجع نفسه.

(46) (مكرر) " الديكابرية " حركة سياسية جمعت ممثلين عن طبقة النبلاء الروس المتنورين، المتأثرين بالثورة الفرنسية، قاموا بانتفاضة سياسية ضد السلطات القيصرية في العام (1825)، لم تفلح محاولاتهم بالنجاح؛ فنفي بعضهم الى سيبيريا. كان تورغنيف وبوشكين وغلينكا من أشد المتحمسين لهذا الثورة، وهي تعتبر بمثابة المرحلة الأولى للثورة الروسية التي مرت بثلاث مراحل، والتي انتهت بالإطاحة بالنظام القيصري في العام (1917).

47- راجع، دانتسنغ: " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 102)

48-المرجع نفسه، (ص107)

49- المرجع نفسه.

50- المرجع نفسه ،(ص119).

52- راجع برتولد .ف: تاريخ دراسة الشرق في روسيا وأوروبا – المجلد التاسع، (ص398)

53- المرجع نفسه، (ص 401)

54- راجع، دانتسنغ: " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 123)

55- كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 121)

56- المرجع نفسه.

56- راجع برتولد. ف، المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 67).

58- المرجع نفسه، (ص69).

59- المرجع نفسه.

60- راجع، دانتسنغ: " حول دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 118)

62- كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 130)

64- المرجع نفسه.

65- المرجع نفسه ،(ص 132)

66- المرجع نفسه.

67- برتولد : المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 70).

68- دانتسنغ: " حول دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)،(ص 121)

المرجع نفسه، (ص 122)

69- برتولد: المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 454).

70- حول هذا الموضوع، راجع كراتشكوفسكي، المجلد الخامس. (مرجع سابق ).

71- المرجع نفسه.

72- دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا "(مرجع سابق ) (ص 147)

"73- حول كتابات البارون رازين ف.ب"، لكراتشكوفسكي – بيتربورغ 1918.

74- كراتشكوفسكي .أ : ملحق حول أعمال رازين ومواد عنه " – ليننغراد 1929.