الجزء الأول : بدايات اكتشاف الثقافة العربية

كانت العلاقة الثقافية بين الشرق والغرب وما زالت أحد أهم المواضيع التي يدور حولها حوار فكري وصراع ايديولوجي لم يحسما حتى الآن بسبب وجود استريوتيبات عديدة عند الغربيين والشرقيين كل منهم حيال الآخر؛ وقد نشأت هذه الستريوتيبات كنتيجة للصراع الاقتصادي والثقافي بين الاتجاه البراغمائي الضيق النزعة وبين الاتجاه الإنساني الذي لا يرى فرقاً بين شرقي وغربي إلا بما يعمله كل منهما ويسهم به في إغناء المعالم المادية والروحية للإنسان أينما كان بصرف النظر عن انتماءاته القومية والدينية. فالصراع بين الغرب والشرق أخذ في كل مرحلة من المراحل شكلا ً ظاهرياً يكمن مضمونه في الصراع بين القوى المتناحرة من أجل سيادة مفاهيمها الدينية والدنيوية. وفي كل مرحلة تاريخية كانت تقود فيها هذه الأمة أو هذا الشعب الحضارة الدولية، حاولت أن تملي على الآخرين نمط تفكيرها ونمط حياتها بشكل عام. هكذا كان منذ عصر الاسكندر المقدوني وما زال حتى عصر ترامب.

مع بروز الحضارة اليونانية التي شكلت الامتداد الطبيعي للحضارات الشرق-أوسطية، التي تأثر بها أرسطو كثيراً، كان الفيلسوف الإغريقي يعتبر أن أوروبا الباردة، باستثناء اليونان، بحكم طبيعتها الخارجية غير قادرة على التطور، لأن العقل الأروبي خامل غير كفء لبناء مجتمع متحضر. وكان يرى المقياس والقوة في شعوب الشرق الأوسط التي أنتجت حضارات عريقة. فالصراع الذي حدده المفكرون آنذاك هو صراع جغرافي بين الشرق المتنوّر الديناميكي والغرب البارد الجاحد. وبعدئذٍ – مع حلول القرون الوسطى، ومع سيادة الايديولوجية الميتولوجية الدينية على كل من الغرب والشرق – أخذ الصراع شكلا ً دينياً حركته عقدة النقص الأوروبية ضد الحضارة العربية – الإسلامية التي أعطت الإنسانية نموذجاً متقدماً ترك انعكاساته على المسيرة العالمية كلها. بعدئذٍ – ومع أفول نجم الحضارة العربية – الإسلامية ودخول أوروبا المرحلة الاستعمارية، ومع سيطرتها على المفاصل الأساسية للاقتصاد العالمي، أفرزت تراثاً تقافياً ترك وما زال يترك آثاراً إيجابية وسلبية، فكان أحد أهم تجلياته اللاإنسانية إفرازه للأفكار العنصرية التي على أساسها ارتكز الفكر الاستعماري الغربي، وبهذا أخذ الصراع يرتدي طابعاً عنصرياً، بين ما أسماه الفكر الاستشراقي المركزي الأوروبي بـ "رقي الغربي" و"دونية الشرقي".

في كل المراحل، كان هناك خيط واحد يجمع بين العصبويين الغربيين والعصبويين الشرقيين، هو الانطوائية الإقليمية والدينية والقومية ومحاولة إقحام نمط تفكير كل منهم على الآخر؛ ورافق هذه المراحل خط آخر – وإن كان ضعيفاً – هو الانفتاح الإنساني الخلاق، وأخذ كل ما هو ايجابي من الحضارات الأخرى لإغناء وتطوير معالم الشخصية الثقافية القومية لهذه الأمة أو تلك.

لم تشذ روسيا القيصرية عن هذا الخط العام. فلقد نشأت وتطورت في هذا المناخ الثقافي الدولي، ومرّت بمراحل متنوعة، وكل مرحلة كانت تتميز بخصائص معينة يحددها المناخ السياسي والفكري والعلمي الذي كان يطبع هذا العصر أو ذاك. ومع نشوء حركتها الاستشراقية التي تميزت بخصائص كثيرة عن المدرسة الاستشراقية الأوروبية الغربية، تكون العلاقات الثقافية الروسية – العربية (الشرقية ) قد دخلت مرحلة جديدة، كما كان لها دور هام في تكوين الشخصية الثقافية الروسية، التي دائماً ما كان يطرح مفكروها على أنفسهم السؤال الكبير: من نحن بالمقارنة مع الآخر، والآخر في هذا السياق وفي هذه الحالة هو العربي.

تخلل القرون الوسطى في بداية تكوُّن الشخصية القومية الروسية عدد من المشاكل الثقافية والدينية. فلقد كانت روسيا بين القرن التاسع والقرن الثامن عشر تبحث عن شخصيتها الثقافية القومية الخاصة بها. فانفتحت روسيا "الكييفية" منذ البداية على أوروبا الغربية وبيزنطية والعالم الإسلامي معاً. هذا وإن حاولت روسيا الكييفية في عام (643) أن تقف مع امبراطورية الخزر ضد الخليفة الإسلامي. إلا أنها وجدت لغة مشتركة في النصف الثاني من القرن التاسع وأوائل النصف الأول من القرن العاشر مع الخلفاء المسلمين، من جراء وقوفهم ضد الامبراطورية البيزنطية. ولقد أشار بهذا الصدد المؤرخ الروسي سافاروف : " ليس من المستغرب القول بأن هجوم الروس على بيزنطة مهّد السبيل لعلاقة طيّبة مع العرب، لأنهم كانوا ينوون في تلك الفترة شن هجوم عسكري واسع على الامبراطورية" (1)

بيد أن تطور العلاقات الروسية الأوروبية حال دون توجّه الروس نحو الخلافة العربية، فلقد بدؤوا يتجهون نحو اليونان وبيزنطة. وتعاون الروس والبلغار والأرمن في عام (945) مع حكام القسم الشرقي من الامبراطورية الرومانية، ضد الأمير السوري سيف الدولة. وتبع ذلك مشاركة روسيا وإن كانت طفيفة في الحملات الصليبية ضد الشرق الإسلامي (2).

وبهذا بدأت روسيا تضع قدمها بالتدريج في أوروبا الغربية، مبتعدة عن التأثر والتأثير بالحضارة الشرقية – الإسلامية. بيد أنها لم تحسم أمرها نهائياً حتى أواخر القرن التاسع عشر، وهذا ما يؤكد عليه المؤرخ الروسي شمورلا: "فإلى جانب التأثير الحضاري الأوروبي الغربي على روسيا، كان ثمة خطٌّ مواز ٍ ثقافيٌ، ترك آثاره بدوره عليها، وهو الخط المتمثّل بالتأثير التاريخي الثقافي الآسيوي. فرغم أن هذين الخطين كان كل منهما ينصب العداء للآخر، فإن روسيا كانت تتأرجح بينهما وتتأثر سلباً وايجاباً بهما" (3)

وهذه المسألة ما زالت تثير نقاشاً واسعاً بين المؤرخين والمفكرين الروس والسوفيات في المرحلة السابقة. فالشاعر الكازاخي المعروف سليمانوف يؤكد على الدور المميّز الذي لعبته الآداب الآسيوية الشرقية في تكوّن الشخصية الثقافية الروسية، رغم رفض أمرائها القدامى لنمط الحياة الشرقية (4)، ولا يوافقه الرأي الناقد الروسي المشهور أيضاً ليخاتشوف، الذي يعتبر أن الثقافة الآسيوية الشرقية لم تترك أي أثر ملحوظ على الثقافة الروسية. فلقد كانت أنظارها متجهة نحو الثقافة الأوروبية الغربية(5).

إن الانحياز لتأثير هذه الثقافة أو تلك، له وجود في ذهن انتلجنسيا كل شعب من الشعوب، بما فيها شعوبنا العربية، وإن أخذ بعض الخصائص المميزة في كل بلد. وأية وجهة نظر مغرقة في عصبويتها لهذه الثقافة أو تلك، تعكس التناول غير الموضوعي لتاريخ الثقافات في العالم. فلكي يؤكد أي شعب شخصيته الثقافية، عليه أن يعكس الحقائق التاريخية كما هي ويعطيها حجمها الطبيعي، فلا يختلف مثقفان متنوران في عصرنا على أنه لا توجد لا في التاريخ القديم للشعوب ولا في التاريخ المعاصر ثقافة خاصة فقط بهذا الشعب أو ذاك. فالتاريخ الإنساني شهد ويشهد تفاعلا ً دائماً بين الثقافات المتنوعة. فإذا افرزت هذه المرحلة التاريخية أو تلك الثقافة المعينة الى الواجهة، فهذا يعني ان هناك عوامل تاريخية وقومية خاصة أدت الى الوصول الى نقطة القمة. فمنطق حركة تطور الحضارات يؤدي بهذه "الحضارة القمة" فيما بعد، الى الخمول والهبوط لتبرز مكانها حضارة أخرى تتأثر بما قبلها وتتقدم بحياة البشر للأمام. وبهذه الفكرة " لا تُكتشف أميركا " كما يقول المثل، فتلك حقيقة علمية مكتوبة. غير أن ما يحول دون تفاعل الثقافات هو أولئك الذين تحرّكهم النزعة الأنطوائية المصلحية ذات البعد البراغمائي، إذا كانوا ممثلين في هرم أيّ سلطة، واولئك الآخرين الذين ينتمون الى شعوب وأمم ضعيفة، والذين يجدون متنفساً لعقدة النقص الحضارية عندهم بشحن عقلية شعوبهم ضد ثقافة الحضارة الأرقى بشقيها الإيجابي الإنساني والسلبي الانعزالي.

فالذي يهمنا، نحن العرب، هو كشف ذلك الجانب الإنساني المشع في حضارتنا، والتعرّف على ما هو إنساني في الحضارات الأخرى، وكشف الجوانب السلبية التي أدّت الى تكريس العديد من الستريوتيبات عن نمط حياة وسلوكية العربي في التاريخ الحاضر. ولكون الحضارة العربية – الإسلامية شكّلت إحدى النقاط المضيئة في تاريخ شعوبنا، فهي ملك في أبعادها الايجابية الإنسانية لكل الشعوب والأمم، لأنها دخلت في التاريخ العام للبشرية. وكون هذه الحضارة شكّلت في القرون الوسطى قوة مثيرة "استفزّت مشاعر العصبويين في أوروبا الغربية؛ فأخذوا يُنظرون الى الشرق الإسلامي نظرة عدائية. انتقلت هذه النزعة اللاإنسانية الى الروس أيضاً. بيد أن هؤلاء تميزوا عن الغربيين بموقف إنساني ليبرالي مميز من الإسلام، وذلك لأن امبراطوريتهم التي وصلت الى آسيا الوسطى كانت مضطرة في حقيقة الأمر أن تأخذ هذا الموقف، بحكم عدم تبلور الشخصية القومية الثقافية الروسية، فلقد تأثرت بطبيعة ثقافة شعوب آسيا الوسطى التي قضت قروناً عديدة عصراً ذهبياً من الازدهار الثقافي في ظل حكم الخلافة العربية – الإسلامية. لذا وانطلاقاً من هذه الحيثيات التاريخية، نميل الى صوابية وجهة نظر الشاعر الكازاخي سليمانوف. ونؤكد في الوقت نفسه على أن روسيا قد تأثرت أكثر بالثقافة الاغريقية والبيزنطية، وهذا ما تثبته حقيقة تاريخية أخرى هي تبنيها للأرثوذكسية كدين للدولة، وتأثرها بالثقافة اليونانية، ما جعل وجهها يميل أكثر الى الغرب منه الى الشرق. 

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)