الجزء السابع: دور أعلام الكلية الشرقية

          بعد افتتاح الكلية الشرقية للغات، التي كانت بمثابة التحول النوعي في مسيرة الاستشراق الروسي في بطرسبورغ، وروسيا عامة، شهدت بقية المدن تقدّماً ملحوظاً في هذه المسيرة تقريباً، عما هي عليه في المدن الأخرى، وهذا ما سنحاول استعراضه وتقويمه في كل من موسكو وقازان، حيث كانتا المدينتين الرئيسيتين بعد بطرسبورغ. أعطتا أعمالاً ومستشرقين كانت لهم أهمية كبرى في إغناء مدرسة الاستعراب والثقافة الروسية بأسرها.

ركدت حركة الاستعراب في موسكو فترة من الزمن، بعد ابتعاد أهم رموزها بلديريف عن الدراسات الاستشراقية، بيد أن تراث بلديرف، منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، لم يذهب سدى. فلقد ساهم بتكوين تقاليد خاصة للاستشراق الروسي تابعها من بعد تلامذته.

في الواقع، لم يُبدأ بتعليم اللغة العربية في قسم اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو إلا في العام (1852)، على يد تلميذ بلديريف المستشرق الاختصاصي في الهند بيتروف (1964 – 1875)، لقد بدأ هذا المستشرق بتدريس العربية، وهو شاب، تميّز بموهبته اللغوية بسعة اطلاعه بالثقافة الهندية والعربية (75). بيد أن الوسط المحيط به من الانتليجنسيا الموسكوفية لم يساعده، كما هو الأمر بالنسبة لأستاذه بلديريف، من متابعة تعمّقه في دراسة التراث العربي في تعليم العربية. لذا فإنه على ما يبدو لم يترك أعمالا ً مكتوبة كثيرة في هذا القبيل؛ إلا أن علاقة الود والاحترام المتبادل، التي كانت تربطه بالمستشرق بيتروف وبالناقد الروسي الكبير بلينسكي، أثمرت عن أعمال مشتركة للاثنين تمثّلت بترجمة العديد من الروايات الأوروبية الغربية الى الروسية. لقد ساهم بيتروف في توجيه الكتّاب والباحثين لدراسة قضايا الشرق والحضارات العريقة فيه. هذا، ومن خلال صداقاته الواسعة مع كبار الكتّاب الروس في موسكو وقازان وبطرسبورغ، تمكن من إقناع العديد من الروائيين والبحّاثة في اختيار مواضيع تتعلّق بشخصية الشرق وخصائص تركيز ثقافته. ساهم في كتابة مقالة علمية خاصة عن الثقافتين العربية والهندية، في الكتاب الذي صدر تكريساً للذكرى المئوية لتأسيس جامعة موسكو في عام (1855)، وحمل العنوان التالي : " مواد حول تاريخ الأبجديات الشرقية والإغريقية والرومانية والسلافية ". واشتهر أيضاً بمحاضراته المطوّلة، التي ألقاها في جامعة موسكو في العام (1862) حول اللغة والأدب العربيين (76).

في أواخر الستينات توقّف قسم اللغات الشرقية عن العمل لفترة من الزمن، غير أن الاهتمام بالتراث العربي لم يتوقف؛ ففي هذه الفترة، برزت محاولات جادة حول هذا الموضوع تمثّلت بالدراسات النقدية وبالترجمات. لعلّ أبرزها، الدراسة المفصّلة والمعمّقة للكاتب الروسي كازادييف، نشرها في اربعة مجلدات عام (1877)، تحت عنوان " ألف ليلة وليلة – أساطير عربية محورة باللغة الروسية " لـ ف.أ. كازادييف (77)

في عام (1822)، تم افتتاح قسم " الدروس الخاصة " التابع لمعهد لازارسكي للغات الشرقية. وضع هذا القسم في أولى مهامه تحضير كوادر خاصة للعمل في بلدان الشرق. وظل يلعب الدور الأساسي – مع غياب الأقسام الأخرى المختصة باللغات الشرقية عن العمل – لمدة خمسة عشر عاماً، الى أن تأسست " اللجنة الشرقية " التابعة لمعهد الأرشيف المسكوفي في العام (1887) (78). لم تشهد هذه الفترة أيّ نشاط للمستشرقين المستعربين الروس , ولكن وجود عالم عربي في دمشق تمكّن من سد الثغرة ومن إحداث ضجة ثقافية وسط المستشرقين؛ هذا العالم هو غ.أ. مرقص (1846 – 1911)، الذي أصبح ألمع الأساتذة في معهد لازارسكي. وعلى ما يبدو، فقد أنهى دراسته العليا في الكلية الشرقية للغات في بطرسبورغ. وقد صادق هناك رازين، أعطى عصارة وعيه وخبرته اللغوية وثقافته العربية لطلابه ومعاصريه من المستعربين الروس : تمكّن على النقيض من سلفه شيخ طنطاوي، من كتابة مجموعة من الدراسات الفكرية والسياسية واللغوية رفعت مكانته الى مستوى كبار رجالات العلم الاستشراقي الروسي. أبرز دراساته " حول وضع المسيحيين في الشرق " – (1877)، في هذه الدراسة ركّز على وضع المسيحيين الثقافي والسياسي والديني ودعا الكنيسة الارثوذكسية في سورية والمشرق أن تتحرر من سلطة الكنيسة اليونانية. وحول هذا الموضوع كتب أيضاً : " رسل السلام في الشرق" – (1881)، وترجم الى الروسية بين أعوام (1882 – 1885) " معلّقة امرئ القيس " ! وفي عام (1900)، كتب دراسة تاريخية لغوية عن " فن الخطابة عن الخليفة علي "، كذلك كتب في العام (1887) دراسة قيّمة عن الأدب العربي الجديد، نشرها في المجلة الموسكوفية " الشرق القديم". كما شارك في المؤتمر العالمي الثالث للمستشرقين في بطرسبورغ، وألقى محاضرة تحت العنوان التالي : " تأملات حول الحالة المعاصرة للتعليم الشعبي في سورية ". وكان من أشد المتحمسين لحقوق المسيحيين في الشرق. هاجم في مقالاته، التي نشرت في المجلات الروسية بين أعوام (1880 – 1892)، محاولة الكنيسة الاغريقية والروسية في الهيمنة على المسيحيين العرب، مما أدى بكبار رجالات الكنيسة الروسية أن يمنعوا مقالاته من النشر. وكان قد ترجم المخطوطة التي غطت الرحلة التي قام بها المؤرخ والرحالة العربي مكاريوس الحلبي الى موسكو، في عهد الأمير الكسي ميخالونيتش : بدأ في ترجمتها عام (1896) وانتهى منها في العام (1900)، ونشرت في خمسة مجلدات وحوالى الألف صفحة (79).

كان مرقص يطمح لكتابة دراسات عن مصادر اللهجة السورية وعن الأدب العربي المعاصر، إلا أن المرض لم يرحمه، فاضطر للرجوع الى وطنه سورية، حيث توفي في ضواحي دمشق في العام (1911).

الى ذلك، فقد ساعد مرقص في تدريس اللغة العربية، منذ عام (1873)، مواطنه اللبناني السوري – الذي ولد في دمشق وترعرع في بيروت منفتحاً ومتأثراً بالثقافة الغربية الأوروبية – م. عطايا (1852 – 1924)، قضى هذا الأخير معظم حياته مدرساً في معهد لازارسكي، وترك بعض الأعمال العلمية، تناول معظمها قضايا لغوية، بحتة، أهمها : " إرشادات علمية لتعليم اللغة العربية ". لقي هذا الكتاب انتشارا ً واسعاً في قازان عام (1884)، وأعيد طبعه في موسكو عام (1900 – 1910)؛ وفي العام( 1923)، نشر كتابا ً آخر تناول : " إرشادات علمية حول لغو المحادثة – الشعبية ل- العربية ". وفي العام (1913)، أعد " القاموس العربي – الروسي "، الذي كان ضعيفا ً من الناحية المنهجية، إلا أنه كان من القواميس القليلة المفيدة بالنسبة لعصره (80).

في قسم اللغة الفارسية التابع لمعهد لازارسكي، برز المستشرق كورش (1843 – 1915). كان يتقن اللغتين الفارسية والعربية بشكل جيد؛ وتميّز عن معاصريه من المستشرقين في محاولته توسيع استعمال اللغة العربية في الميدان الثقافي والفني. إذ قدّم عروضاً مسرحية في موسكو تضمنت مسرحيات غنائية منها " أشعار مرسلة من دمشق "، عرضها في موسكو عام (1882)؛ والمسرحية الغنائية " معلقات امرئ القيس " – (1885). كما أنه كان يهتم بتاريخ اللغتين العربية والفارسية؛ وفي عام (1908)، كتب دراسة مطولة عن " التنوع ونقاط التقاطع بين الأشعار العربية والفارسية " (81). كما أن تلك الفترة أبدعت مخيلة الموسيقار الروسي كورساكوف سيمفونية " شهرزاد "، التي اكتسبت فيما بعد شهرة عالمية.

لم تنتعش مسيرة الاستشراق في موسكو إلا في نهاية القرن التاسع عشر، على يد المستشرق والمستعرب كريمسكي (1871 – 1941)، الذي بدأ نشاطه العلمي في العام (1898). دخل كريمسكي معهد لازارسكي في العام (1889)، وتخرج منه في العام (1892). وبعدها، التحق بكلية الآداب في جامعة موسكو، حيث مكث فيها (4) سنوات. بين أعوام (1896 – 1898)، كان يفتش في مكتبات سورية عن الكتب المتنوعة والمخطوطات العربية. ومن ثم رجع الى بلاده، حيث أظهر موهبة كبرى في تعليم اللغات الشرقية الثلاث : العربية والفارسية والتركية. واشتهر في الوقت نفسه – أيام شبابه – كشاعر أوكراني، حيث ولد وترعرع هناك. في (1900)، أسس مكتبة كبرى في جامعة موسكو، كانت في معظمها على علاقة بتاريخ الإسلام. كتب عام (1901) دراسة تاريخية لغوية عن " اللغات السامية ". وفي الفترة نفسها، أغنى المكتبة بمخطوطات وكتابات متنوعة عن تاريخ العرب. وفي العام (1906)، أضاف للمكتبة كتبا ً جديدة عن تاريخ الأدب العربي. كانت هذه المكتبة محط أنظار كل المهتمين في معرفة حضارات الشرق (82) : فالكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي، كان يزورها من وقت لآخر؛ وفيها أطلع على مضمون القرآن وعلى الرواية المشهورة " ألف ليلة وليلة "، وعلى الكتابات النقدية حول الثقافة العربية. ساعده في ذلك صديقه المستشرق والأديب والناقد كريمسكي. إن متانة المنهج العلمي لكريمسكي، وسعة معرفته بالثقافة العربية، ومحاضراته القيّمة حول الحضارة العربية الإسلامية في معهد لازارسكي، أكسبه احترام وتقدير تلامذته والأوساط العلمية الموسكوفية، حيث زرع في هذه الأوساط الاهتمام بتراث شعوب الشرق، وذلك من خلال مقالاته المنشورة وغير المنشورة، التي كان يرسلها بشكل منتظم الى كافة الهيئات والمعاهد والكليات العلمية في موسكو. ولقد جمع في العام (1971) المستشرق خاليدوف كتاباته عن تاريخ الآداب والثقافة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي تعتبر عن حق دراسة موسوعية هامة جداً عن تلك المرحلة. في العام (1906)، نشر كتابه الذي حمل عنوان " قصص بيروتية "، كما أنه أبرز في تلك الفترة جيلا ً من المستشرقين، كان لهم أثراً ملحوظاً على تطور مسيرة الاستشراق في موسكو، لعل أهمهم : س.أ. أومانتا، الذي كتب في العام (1890) دراسة فلسفية وتأملات حول تطور الافكار الدينية والفلسفية في الإسلام. وف.ك.تونوفسكي، الذي كتب في العام (1914) عن " انتفاضة مصدق في عهد الساسانيين ". وترجم في العام (1889)، وبالتعاون مع أستاذه العربي عطايا، كتاب "ألف ليلة وليلة " (83).

عمل كريمسكي دون توقف مع تلامذته حتى العام (1918)؛ وكان لمعظم تلامذته دور كبير في دفع عجلة الاستعراب خطوات كبيرة الى الأمام .

أما في قازان، فلم تتقدّم حركة الاستعراب بعد أن رحل عنها العالم الكبير فرين، إذ ظهرت بعده أسماء كثيرة لم تترك أي أثر ملحوظ في تاريخ الاستعراب؛ وكادت هذه الحركة تنهض من ركودها عندما عمل بها المستشرق الكبير كاظم بيك في العام (1826)، إلا أنه لم يستمر في جامعة قازان، بعد تركه إياها مختاراً بطرسبورغ.

فقط في الأربعينات من القرن الماضي، بدأت حركة الاستعراب بالتحرّك، وذلك نتيجة نشاط عدد من المستعربين، أبرزهم : غاتفيلد (1813 – 1898)، الذي ربطته علاقة صداقة وطيدة مع الطنطاوي. ففي عام (1849) ترأس قسم اللغات الشرقية في جامعة قازان، وكتب فيها مجموعة من الدراسات العلمية، منها : " مشروع قاموس عربي روسي عن القرآن " – (1861)، وترجم " المعلقات السبع وأشعار عمر الخيام " – (1863)؛ وأعدّ عملا ً هاماً – استفادت منه، ولمدة طويلة، جامعة قازان – عن " المخطوطات العربية". أدخل في تلك الفترة المطبعة العربية الى قازان، وأسس مكتبة كبرى ضمّت مجموعة لا بأس بها من الكتب والمخطوطات العربية، وكتابات عن " القانون الإسلامي " الذي ساهم هو نفسه في التعليق عليه (84).

بعد غاتفيلد، حاول أمينسكي أن يعطي كل ما يملك من مواهب لغوية وعلمية لمدرسة الاستشراق الروسية إلا أنه لم ينجح في ذلك، فرغم إلمامه الواسع والعميق باللغة العربية وبالإسلام، لم يُترك له المجال للعمل بحرية في هذا الموضوع. لقد درس في الأزهر على يد الأستاذ ابراهيم الدسوقي، حيث حفظ القرآن عن ظهر قلب، وقطع سيناء متجهاً الى فلسطين وسورية ولبنان، وتعرّف على شعوب هذه البلدان وعاداتها وتقاليدها وديانتها. زار تركيا أيضاً، وكوّن من جرّاء ذلك حصيلة هامة من المعرفة اللغوية والدينية، قلّما وصل اليها مستشرق في عصره. غير أن إدارة جامعة قازان التي عمل فيها ردحا" من الزمن , كانت توجّهه دائماً لتدريس تاريخ الفلسفة والأديان. بكلمة، لم تستفد الجامعة من طاقاته الغنية والمتنوعة، فاضطر بعد ذلك مرغماً الى ترك الجامعة، والتفرّغ لكتابة الأبحاث والمقالات العلمية عن الإسلام في تركيا والعالم العربي، لم يبقَ منها إلا كتابه الذي نشر في قازان عام (1854) عن " أبن الأثير " (85).

في العام (1858)، عندما ترك المينسكي الأكاديمية، خلفه سابلوكوف (1804 – 1880)، الذي تعلّم في الأكاديمية اللاهوتية الموسكوفية، من عام (1826 – 1830). درس بعدها العبرية والعربية، تمكّن لا حقا ً في قازان أن يفرض نفسه كعالم اختصاصي في اللغات الشرقية، إلا أنه لم يتمكّن، ولفترة طويلة، من التركيز على دراسة لغة من اللغات أو أدب من الآداب، فكانت الجامعة تدعوه تارة لتعليم التترية والإغريقية، وتارة أخرى لتعليم العبرية والعربية. فكان يعطي كل أسبوعين ساعة فقط للغة العربية؛ قدم استقالته بعدئذٍ، وانصرف لترجمة القرآن عن العربية؛ لم يتمكن من ترجمته حتى النهاية. في العام (1897)، كتب بحثا ً " ملحق لترجمة القرآن "؛ وفي العام (1884)، نشر كتاباً آخر حمل العنوان التالي : " شهادات عن القرآن والأسس القانونية للديانة المحمدية" تناول فيه رؤية المسلم لدينه والمجتمع، محللا ً الخصائص الفكرية والميثولوجية للقرآن. مما لا شك فيه، أن لسابلوك الدور الملحوظ في دراسة الشرق والإسلام معاً. وبقي التراث الذي تركه مرجعاً أساسياً لكل الذين أتوا من بعده، ودرسوا العربية وتاريخ الإسلام في قازان (86).

فيما بعد، اشتهر تلميذه مالوف (1835 – 1918)، في تدريس اللغة التترية والعبرية، وكان الموضوع الأساسي الذي تمحورت أبحاثه حوله، هو الجدل والنقاش مع المفكرين المسلمين. دراساته المتنوّعة حول الإسلام، والتي نشرها في مجلات متعددة في قازان وبطرسبورغ، وتميّزت بالتناول الموضوعي العلمي، ممّا أكسبها تقدير كبار رجالات الاستشراق الروسي في ذلك العصر. وفي معرض تعليق رازين على هذه الدراسات، قال : " إن مالوف لؤلؤة صغيرة، وكاتب جاد تُعلّق عليه الآمال" (87). على ما يبدو أن أعماله لم يبقَ منها حتى الآن أي شيء يذكر.

في عام (1878) يبرز اسم البروفسور ماشانوف الذي عمل في تدريس اللغة العربية في جامعة قازان. كتب سلسلة مقالات عن الإسلام وحياة المسلمين، في شبه الجزيرة العربية. وفي القاهرة، وكانت هذه المقالات عبارة عن ألانطباعات التي حملها عن رحلته , التي استغرقت سنتين في الحجاز و القاهرة , كما أنه كتب عن وضع " المسيحيين الأوروبيين في المشرق العربي " – (1889) (88).

بيد أن ألمع الشخصيات العلمية التي برزت الكلية الشرقية وفي قازان في أواخرالقرن التاسع عشر، كان العالم العربي الفلسطيني بندلي الجوزي (1871 – 1934)، الذي تابع تعليمه العالي في جامعة قازان، فبل أن يستقر نهائياً في روسيا. عاش منتقلا ً بين قازان وبطرسبورغ وباكو وفلسطين. في العام (1899)، دافع عن أطروحة الدكتوراه التي كانت حول " تعاليم المعتزلة " وفي العام (1914)، كتب مقالة عن "القرآن" ثم نشرها في " الأنسيكلوبيديا اللاهوتية والأرثوذكسية ". في العام (1903)، أعد "القاموس الروسي العربي"، الذي كان يعتبر عن حق – في عصره من أفضل القواميس التي كانت موجودة. في العام (1916)، حاضر الجوزي في جامعة قازان حول القوانين والحقوق الإسلامية. خاض، في جامعة قازان وبين الأوساط العلمية الروسية، نضالا ً حقيقيا ً ضد العلماء المستشرقين المتأثرين بأنصار ما يسمى بـ" المركزية الأوروبية "، وأكد على أهمية الحضارة العربية، كما أنه كان من الأوائل الذين سلّطوا الأضواء على النزعات العقلانية في الفلسفة العربية الإسلامية. بعد قيام ثورة أكتوبر، عمل بروفسوراً في جامعة باكو، حيث عُيّن فيها عميداً للغات الشرقية في الثلاثينات، وبقي في باكو الى أن وافته المنية في العام (1942).

نشطت حركة الأبحاث حول الإسلام في جامعة وأكاديمية قازان وابتداء من العام (1873)، أصدرت الأكاديمية مجلة جمعت حولها المستشرقين، الذين استقوا أفكارهم من البلاط القيصري ومن الحاخامات اليهود، حملت المجلة التسمية التالية "البشير المناهض للإسلام". كتب فيها مجموعة من الكتاب والمستشرقين، نشرت فيما بعد بعشرات المجلدات(89).

لم يلعب المستعربون أي دور ملحوظ في هذه المجلة، بل إن البعض منهم أخذ موقفا ً عدائياً منها. ومنهم، على سبيل المثال، رازين، الذي قال : " بأن المجلة تشكل اتجاهاً معادياً للعلم " (90). ولقد توقّف رازين مطولا ً عند هذه المجلة، ومن يكتب فيها، وكان يرى أنه من الأفضل أن تحضّر الأجواء الملائمة للشبيبة المسلمة في قازان، لدخول الجامعات، ولزرع الوعي العلمي في نفوسهم كما أنه كان يرى أنه من الأفضل التعرّف في البداية على نصوص القرآن والأدبيات الإسلامية، في لغتها الأصلية على حقيقتها، ومن ثم يتم تناولها بالبحث والنقد والتحليل. وهذا سيكون أفضل بكثير من الهجوم على الإسلام وعلى رجالات الدين الإسلامي، قبل أن يتم التعرّف على حقيقة الإسلام وجوهره. كان يدعو في مقالاته – التي ناقش فيها كتاب البروفسور ماشانوف " خواطر حول حياة العرب في عصر محمد، كمدخل لدراسة الإسلام " (قازان 1885) – الى الرصانة والموضوعية العلمية في الأبحاث الإسلامية. وهو لم يعارض الباحثين الذين تناولوا برؤية علمية بعض الأسس الدوغمائية والميثولوجية للإسلام، إلا أنه كان يقف بعنف ضد التيار الذي يقف على الأرضية نفسها التي يرتكز عليها التيار الإسلامي المتعصب والدوغمائي واللاعلمي في قازان وغيرها من المدن الروسية (91).

 

وهنا يجب أن نشير الى نقطة هامة أيضاً، تتعلّق بنشاط الذي ساهم شخصياً وبشجاعة فائقة في التصدي للمحاولة التي بذلت من أجل جر حركة الاستشراق والاستعراب الروسية للتعلّق بهذا التيار الروسي المعادي للعلم، وقد كسب رازين ولفترة طويلة تأييد معظم المستشرقين الذين عاصروه ودخل بامتياز قائمة ألمع الأكاديميين المستشرقين الروس الذي أضفوا على مدرستهم الحلة العلمية والموضوعية الى حد كبير.

وهكذا، كما رأينا، فإن مدرسة الاستشراق الروسية خطت خطوات جدية الى الأمام. فلقد تم افتتاح عدد من المعاهد والأقسام لتعليم العربية ولدراسة الحضارة العربية الإسلامية، ولترجمة الأدبيات الفنية والفلسفبة والدينية والكلاسيكية والمعاصرة، استطاع من خلالها القارئ الروسي أن يتعرف على كتابات جديدة من التراث العربي التي أغنت المكتبات الروسية بكمية لا بأس بها من المخطوطات والتحف العربية ما زال الروس يفخرون بها حتى الآن.

وأخيراً، ومن خلال هذا الاستعراض التاريخي البانورامي يمكننا أن نستنتج ما يلي :

أولا ً : مما لا شك فيه أن مدرسة الاستشراق والاستعراب الروسية كوّنت شخصيتها المستقلة بها، وأنتجت أعمالاً هامة جداً لعبت دوراً بارزاً في تطور حركة الاستعراب الروسية والعالمية جعلتها تكشف – وبشكل علمي موثّق – عن جوانب مضيئة من تراثنا العربي، الذي أغنى بدوره الثقافة الروسية والسوفياتية معها. ولعل الفضل الأساسي في ذلك يعود الى مستشرقين كبار ،أمثال، فرين، سنكوفسكي , جرجس، نافرتسكي، رازين، وغيرهم ...

ثانياً : رافق الاتجاه الأول محاولات عدائية غير علمية تجاه التراث العربي – الإسلامي، كان الاتجاه الثاني متأثراً بشكل ملحوظ بأنصار " المركزية الأوروبية ". وكان لأعمال ونشاط هؤلاء المستشرقين والعلماء الآخرين تأثير سلبي على الرأي العام الروسي مما خلق مجموعة من " الستريتيبات " المشوهة عن العرب، وكان وراء هذه المحاولات في روسيا : البلاط القيصري، واللاهوت الروسي المحافظ، والأنتليجنسيا اليهودية الروسية المتأثرة بالفكر الميثولوجي للحاخامات، وبالايديولوجيات الصهيونية الناشئة، التي بدأت منذ ذلك الوقت تغزو عقل بعض المستشرقين اليهود.

ثالثاً: إن الاهتمام الروسي الرسمي والعلمي بالآخر العربي يدخل بدوره في إطار السؤال التاريخي الذي كان وما يزال يطرحه الروسي على نفسه من أنا بالمقارنة مع المتمايز عني.

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)

6- راجع فيخنرم، ف. تجارة الحكومة الروسية مع بلدان الشرق – موسكو 1956، (ص10 – 41)

7- راجع كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " – موسكو لينيغراد 1950، ( ص 15 – 20) وكريمسكي أ. ي. : " تاريخ العرب والآداب العربية الدينية والدنيوية "؛ الجزء الثاني – موسكو 1912، (75 – 83).

8- كريمسكي أ. ي.، (المرجع نفسه )

9- راجع دانتسنغ ب.م.: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية " – موسكو 1973، (ص10- 41)

10- راجع، كراتشوفسكي : " حول ترايخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص20-21) ودانتسنغ،ب.م :من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " - دار نشر العلم، موسكو 1953، (ص 186 – 220).

 11- دانتسنغ،ب.م : من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " (مرجع سابق)

13- كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص35)

14- راجع، بريسلكوف م.د. : " خواطر حول التاريخ السياسي للكنيسة الروسية الكييفية، بين القرن العاشر والثاني عشر " – بطرسبوغ 1913، (ص 34– 27).

15- راجع كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

16- المرجع نفسه (ص 25)

17- المرجع نفسه (ص 27-28)

18- المرجع نفسه (ص 30)

19- المرجع نفسه (ص 31)

20- راجع، برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع – موسكو 1977، (ص28).

21- كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

22- برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع ،(مرجع سابق )(ص 29)

23- كراتشكوفسكي : " تاريخ الاستعراب الروسي" (مرجع سابق) (ص 38)

24- دانتسنغ،ب.م ." حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 395 – 412).

25- كراتشكوفسكي : (مرجع سابق) (ص 40)

26- حول هذا الموضوع، راجع : دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 134 – 186).

27- المرجع نفسه.

28- المرجع نفسه.

29- المرجع نفسه.

30- حول هذا الموضوع، راجع : كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي" (المرجع نفسه). ودراسة العلم السوفياتي، الخاسر ادجي س.أ: " الكلمات المعرّبة في اللغة الروسية " مجلة شعوب آسيا وأفريقيا، عدد 1973، (ص151 – 158).

31- كراتشكوفسكي : (المرجع نفسه) ،(ص 52).

32- برتولد .ف: المجلّد التارسع (مرجع سابق ) (ص 43).

33- المرجع نفسه، (49 -50)

34- المرجع نفسه، (ص50)

35- راجع كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 88 - 89)

36- راجع كراتشكوفسكي، المجلد الخامس (مرجع سابق ) (ص 68)

37- المرجع نفسه (ص 69)

38- المرجع نفسه (ص81)

39- المرجع نفسه (ص 82)

40- راجع دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين : - موسكو 1968، (ص 50 – 51)

41- كراتشكوفسكي .أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )، (ص68)

42- كراتشكوفسكي أ. : " شيخ طنطاوي البروفسور في جامعة بطرسبروغ "، من مجلده الخامس، (مرجع سابق ) (ص26)

43- لمزيد من التفاصيل عن الشيخ طنطاوي، راجع كراتشكوفسكي، (الرجع السابق) (ص 229- 299 )

44- المرجع نفسه.

45- المرجع نفسه.

(46) (مكرر) " الديكابرية " حركة سياسية جمعت ممثلين عن طبقة النبلاء الروس المتنورين، المتأثرين بالثورة الفرنسية، قاموا بانتفاضة سياسية ضد السلطات القيصرية في العام (1825)، لم تفلح محاولاتهم بالنجاح؛ فنفي بعضهم الى سيبيريا. كان تورغنيف وبوشكين وغلينكا من أشد المتحمسين لهذا الثورة، وهي تعتبر بمثابة المرحلة الأولى للثورة الروسية التي مرت بثلاث مراحل، والتي انتهت بالإطاحة بالنظام القيصري في العام (1917).

47- راجع، دانتسنغ: " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 102)

48-المرجع نفسه، (ص107)

49- المرجع نفسه.

50- المرجع نفسه ،(ص119).

52- راجع برتولد .ف: تاريخ دراسة الشرق في روسيا وأوروبا – المجلد التاسع، (ص398)

53- المرجع نفسه، (ص 401)

54- راجع، دانتسنغ: " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 123)

55- كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 121)

56- المرجع نفسه.

56- راجع برتولد. ف، المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 67).

58- المرجع نفسه، (ص69).

59- المرجع نفسه.

60- راجع، دانتسنغ: " حول دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)(ص 118)

62- كراتشكوفسكي : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق )(ص 130)

64- المرجع نفسه.

65- المرجع نفسه ،(ص 132)

66- المرجع نفسه.

67- برتولد : المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 70).

68- دانتسنغ: " حول دراسة الشرق الأوسط في روسيا " ،(مرجع سابق)،(ص 121)

المرجع نفسه، (ص 122)

69- برتولد: المجلد التاسع، (مرجع سابق) ،(ص 454).

70- حول هذا الموضوع، راجع كراتشكوفسكي، المجلد الخامس. (مرجع سابق ).

71- المرجع نفسه.

72- دانتسنغ،ب.م " حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا "(مرجع سابق ) (ص 147)

"73- حول كتابات البارون رازين ف.ب"، لكراتشكوفسكي – بيتربورغ 1918.

74- كراتشكوفسكي .أ : ملحق حول أعمال رازين ومواد عنه " – ليننغراد 1929.

75- المرجع نفسه.

76- كراتشكوفسكي .أ : المجلد الخامس (مرجع سابق)؛(ً445).

المرجع نفسه.

77- (مكرر) جمعت أكاديمية العلوم السوفياتية – قسم الدراسات الشرقية أهم أعماله في تسعة مجلدات، وكل مجلد يقع في حوالى (650 صفحة) باستثناء المجلد التاسع والأخير، الذي يقع بـ (966 صفحة). وتعتبر مؤلفاته بحق أهم وأنصف الكتابات الأوروبية حول الأسلام .

78- كراتشكوفسكي .أ : : المجلد الخامس، (مرجع سابق)، (ص 106)

79- راجع، دانتسنغ: الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية - موسكو 1973، (ص 343)

80- المرجع نفسه، (346).

81- راجع : بازيان،أ. – معهد لازارسكي للغات الشرقية؛ موسكو1959.

82- كراتشكوفسكي.أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي "، (مرجع سابق) ،(ص 166)

83- المرجع نفسه .

84- راجع : المقدمة التي كتبها المستشرق خاليدوف .أ، عن أعمال كريمسكي، في كتاب " تاريخ الأدب العربي المعصر " – موسكو 1970.

85- كراتشكوفسكي .أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي "، (مرجع سابق )(ص 172)

86- راجع، دانتسنغ: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية" ،(مرجع سابق)(ص 361)

87- المرجع نفسه ،(ص 364)

88- راجع : " الإسلام في تاريخ شعوب الشرق "، تأليف مجموعة من العلماء السوفيات – موسكو 1981؛ (ص 189 – 194).

89- كراتشكوفسكي .أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي "، (مرجع سابق )، (ص 177).

90- عن هذه المجلة، وعن الدراسات الإسلامية في قازان وعموم روسيا، كرّس برتولد عدة أعمال، جُمعت في المجلد السادس من مؤلفاته التسعة.

91- برتولد .ف، المجلد التاسع، (ص 893).