وقد أكد توقيع عقد الضبعة استقلالية القرار المصرى، وأن توجه مصر نحو روسيا ليس مجرد نزوة عابرة، وإنما تحالف وثيق يزداد قوة ومتانة فى مختلف المجالات. كما أكد عزم مصر على بناء شراكة استراتيجية وطيدة ممتدة مع روسيا. ومن الواضح أن العلاقات المصرية - الروسية تتجه نحو شراكة أعمق، وهو ما أشار إليه الرئيسين خلال مؤتمرهما الصحفي المشترك.
كما تم خلال الزيارة توقيع الاتفاق الخاص بالمدينة الصناعية المصرية الروسية، وهى مشروع عملاق أخر سيضيف كثيراً للشراكة بين البلدين على المستوى التقنى والاقتصادى، لاسيما فى مجال الصناعات المغذية لصناعات السيارات، والطائرات، والسلع الهندسية، والحاسبات الإلكترونية، وغيرها. 
ومن المقرر إنشاء المدينة بمنطقة شرق بورسعيد بمحور قناة السويس على مساحة 5 ملايين متر مربع، على مدى 13 عاما، باستثمارات تتجاوز 7 مليارات دولار، وتكاليف إنشاء تبلغ 190 مليون دولار. وستعزز المدينة من دور مصر كنافذة للأسواق الأفريقية والشرق أوسطية، وذلك لكون مصر تربطها اتفاقيات تجارية بشروط تفضيلية مع دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط.  
وقد عزز من التفاؤل بشأن مستقبل العلاقات المصرية - الروسية زيارة وزير الدفاع الروسي للقاهرة أواخر الشهر الماضى، وعقد الدورة الرابعة للجنة التعاون العسكرى التقنى بين البلدين، والاتفاق الذى تم التوصل إليه بشأن الاستخدام المتبادل للأجواء والمطارات لتوطيد الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، والتأكيد خلال الزيارة على دفع التعاون الاستراتيجى بين البلدين لمواجهة التهديدات المشتركة لأمنهما وأمن واستقرار المنطقة. 
ويتضمن ذلك التعاون الاستخباراتى، والأمنى، وتبادل المعلومات حول تحركات العناصر الإرهابية، ونزوح هذه العناصر باتجاه مصر وليبيا وغيرها من دول الجوار المصرى، وكذلك خطط وتحركات المنظمات الإرهابية، على النحو الذى يمكِّن أجهزة الأمن فى مصر من إجهاض مخططاتهم الدنيئة، وإحباط محاولاتهم للنيل من استقرار. 
فروسيا تمتلك قدرات استخباراتية ومعلوماتية متفوقة ومتقدمة جداً، وتقنيات حديثة، وتتطابق رؤيتها بشأن التنظيمات الإرهابية مع الرؤية المصرية، ولديها خبرة متميزة جداً فى مجال مكافحة الارهاب فى الداخل الروسى، وفى سوريا، ولا تزال تكافح الإرهاب بشتى الوسائل الأمنية والتنموية. وتعتبر روسيا القضاء على تنظيم "داعش" وغيره مسوريان التنظيمات الإرهابية فى المنطقة التحدى الرئيسى والأهم. 
وقد أعلنت روسيا صراحة عن عزمها الحيلولة دون عودة هؤلاء إلى روسيا وجوارها، والقضاء عليهم فى المناطق الحاضنة لهم، واستئصال الإرهاب من جذوره فى منطقة الشرق الأوسط، التى تمثل حزام روسيا الجنوبى الغربى لها، ومنها يأتى الدعم للإرهاب فى الداخل الروسى. 
كذلك تعد روسيا شريكاً جاداً لمصر فى المجال العسكرى، ويعد التعاون فى هذا المجال ضرورة لبناء القدرات المصرية، وضمان أمن مصر وشعبها. وموسكو هى الشريك الأمثل لمصر بحكم أن العقيدة العسكرية المصرية لا تزال شرقية ولم تتغير منذ تعاوننا التاريخى مع السوفيت خلال الخمسينيات والستينيات. 
وقد أكد الرئيس بوتين خلال الزيارة على الاتجاه نحو توسيع التعاون فى هذا المجال، وتبدى روسيا استعداداً لتزويد مصر بأحدث التكنولوجيات الحديثة والمنظومات الصاروخية والدفاعية المختلفة، إلى جانب إحياء الصناعات العسكرية المصرية، وبحث صفقات جديدة ستعزز حتماً من القدرات العسكرية المصرية، وتسهم بفاعلية فى تحديث الجيش المصرى وإمداده بمنظومات دفاعية متقدمة. هذا إلى جانب استمرار التعاون فى مجال التدريب المشترك. وكانت أولى مناورات روسية - مصرية مشتركة هى "جسر الصداقة 2015" قد أجريت في البحر المتوسط، خلال الفترة من 6 إلى 14 يونيو، تلتها المناورات الروسية - المصرية المشتركة لمكافحة الإرهاب "حماة الصداقة-2016" العام الماضى.
من ناحية أخرى، تعد روسيا سوقاً واسعاً ومهماً للسلع والمنتجات المصرية المختلفة، ولا يتسق الحجم الحالى للتبادل التجارى بين البلدين، 4 مليارات دولار، مع الفرص الحيوية المتاحة فى السوق الروسية لمدى واسع من المنتجات المصرية الزراعية والاستهلاكية بشكل عام، وتبرز من ثم فى هذ السياق أهمية العمل على زيادة حجم التبادل التجارى ومضاعفته، وهو ما أشار إليه صراحة الرئيس بوتين. ومن المعروف أن روسيا تزود مصر بالعديد من السلع الاستراتيجية والمعدات، كما أنها تمدنا بأكثر من 40% من احتياجاتنا من القمح بقيمة 1.1 مليار دولار لكونها أكبر مصدر للحبوب فى العالم. 
وتم الاتفاق بين البلدين على إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذى يضم روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وأرمينيا، وقيرغيزستان، الأمر الذى يفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، ويعزز الصادرات المصرية لروسيا. كما تم الاتفاق على مشاركة روسيا فى المشروع المصرى لإنشاء المركز اللوجيستى العالمى لتخزين وتداول الغلال والحبوب.
على صعيد آخر، أدى القرار الأمريكى الأخير بشأن القدس والانحياز الكامل لإسرائيل إلى فقدان الثقة فى واشنطن كوسيط لعملية التسوية السلمية، واتجاه نظر العرب لموسكو كوسيط نزيه وداعم لتسوية عادلة على أساس الشرعية والقرارات الأممية المختلفة. يدعم هذا التوجه كون موسكو كانت الراعى الثانى لعملية السلام فى مدريد عام 1991، ثم عضو الرباعية الدولية التى تشكلت من الأمم المتحدة لدفع عملية التسوية، ولديها كوادر وقامات دبلوماسية رفيعة المستوى، وعلى دراية كاملة بتطورات الصراع وأبعاده.
إن المصلحة الوطنية المصرية، والأمن القومى العربى يدفعان بقوة الشراكة المصرية - الروسية إلى مشارف القرن والمستقبل.
 
السياسة الدولية: ١٢-١٢-٢٠١٧