في 16 ديسمبر/ كانون الأول 1957، أي قبل 60 عاماً بالضبط ، أسس المستكشفون القطبيون السوفيات محطة للأبحاث أطلقوا عليها "“فوستوك”" وتعني الشرق، في منطقة تعتبر أبرد وأبعد نقطة في القطب المتجمد  الجنوبي، وتقع بعيداً عن القطب المغناطيسي الجنوبي للأرض على ارتفاع 3.4  كم عن مستوى سطح البحر.

 بواسطة هذه المحطة حاول الجيوفيزيائيون معرفة ما تحت الجليد، وكان من بينهم أندريه كابيتسا شقيق المقدم الشهير لبرنامج " واضح لا يصدق " سيرغي كابيتسا. واستناداً إلى البيانات التي تم الحصول عليها، أستنتج  كابيتسا أن في منطقة المحطة وتحت الجليد توجد طبقة من الماء.

عندما كان الطيارون السوفيات يمسحون مناطق القارة القطبية الجنوبية التي كان يصعب على الإنسان الوصول إليها من قبل، لاحظوا انخفاضات على سطح الجليد وأطلقوا عليها بحيرات، استخدموها للملاحة. ولاحقا، أتضح أنها إسقاطات البحيرات على سطح النهر الجليدي.

لفترة طويلة أعتقد العلماء أن تحت سمك الجليد، منطقة صغيرة من المياه المتناثرة ولكن بعد 40 عاماً من البحث الجيوفيزيائي الأول، وفي 1994 أعلن أندريه كابيتسا اكتشاف بحيرة عملاقة في القارة القطبية الجنوبية مماثلة في الحجم لبحيرة  لادوغا.

وبحلول ذلك الوقت، وفي محطة الشرق كانت بئر عمقها خمسة هكتارات قد حُفرت والمستكشفون  بطبيعة الحال، لا يعرفون أن تحت أقدامهم "بقعة بيضاء" هي الأخيرة على الكوكب وقرروا الحصول على الجليد من أعماق مختلفة لإعادة تشكيله، بناء على محتوياته الغازية والمعدنية الداخلة في مناخ العصور السابقة.

لهذا الغرض، صب المستكشفون في البئر خليطاً من الكيروسين مع مادة الفريون التي لم تتجمد ولها قدرة على كبح ضغط الصخور، وكان الفريون في ذلك الوقت معروفاً بخطورته على الغلاف الجوي ومحظوراً دوليا.

وعلى هذا الأساس، وخوفاً من تلوث البحيرة بالمواد الكيميائية والكائنات الحية الدقيقة من السطح، حظرت الجمعية العلمية الدولية روسيا من الحفر أعمق من ذلك وأوصت باستخدام وسائل وطرق منهجية أنظف وأُغلقت البئر ذات العمق البالغ خمسة هكتارات جيداً في فبراير 1998، عندما بقي حوالي 130 متراً من الجليد للوصول إلى البحيرة.

وللوصول إلى هذا الهدف، تطلبت عملية استكمال التكنولوجيا الجديدة الخاصة بوسائل الحفر ثمانية أعوام والتي لن تؤدي بأي حال من الأحوال إلى سقوطها في البحيرة وسيتم جمع العينات بدقة داخل البئر فقط.

 وخلال فترة وجيزة توصل العلماء الروس إلى المعرفة الكاملة حول بحيرة الشرق تقريباً وعن بعد: يحجبها عن السطح النهاري  3.7  كيلومترات من الجليد ويمتد الوعاء المائي 290  كم وينقسم إلى قسمين جنوبي وشمالي. القسم الجنوبي أقل حجماً لكنه عميق بنحو 800- 1000  متر، أما القسم الشمالي الأكبر فليس غزيراً  حيث يبلغ عمقه 300  متر.

رسم الجيوفيزيائيون شكلاً يشبه بتضاريسه البحيرة واستنتجوا أن تكوينها يعود إلى آخر انقسام  في قشرة الأرض.

 في شتاء 2006، استؤنفت أعمال الحفر ففقدت قذائف الحفر مرتين وعندما تعذر العثور عليها، تم تغيير زاوية الحفر في البئر لتجاوز المنطقة الصلبة تماماً حتى تم الوصول إلى سطح البحيرة يوم 5 فبراير/ كانون الثاني 2012 على عمق 3769.3  أمتار من الجليد.

وللمرة الثانية، فُتحت البركة في 15 يناير/كانون الثاني 2015 وتمت دراسة العينات المأخوذة من البحيرة بدقة وعناية بما في ذلك وجود الكائنات الحية.

وكان اهتمام العلماء واضحاً بذلك ففي مقالة حول نتائج أعمال هذا البحث كتب سيرغي بولات الباحث في معهد سانت بطرسبورغ للفيزياء النووية "الهدف الرئيسي من هذا التغلغل والوصول إلى البحيرة هو العثور على شكل غير عادي من الحياة الميكروبية التي لها خواص كثيرة أهمها إمكانية التواجد في البيئات القاسية في ضغط يصل إلى 400 باسكال ودرجة حرارة قريبة من درجة التجمد وبدون ضوء، وبدون الكربون العضوي الذائب في الماء، وفي حالة تخفيف قوي لايونات المواد الأساسية وعزلة عن الكائنات الحية السطحية  لفترات تصل 14 مليون سنة على الأقل، وربما وجود فائض من الأكسجين المذاب".

بعد تنقية العينات، تم التعرف على الحمض النووي لـ 49 من أنواع البكتيريا المختلفة ومعظمها، كما تبين، سطحية (غير مائية) ونوعان منها فقط أثارا اهتمام العلماء، الأول من حمض نووي يشبه البكتيريا المائية والآخر ينتمي إلى نوع غير معروف ويشبه الكائنات الحية الدقيقة المعروفة بنسبة أقل من 86٪.

لم يكتب علماء الأحياء استنتاجات من أبحاثهم حتى الآن. في الواقع، ما يزال غير واضح حتى ما إذا كانت البحيرة مأهولة، وسوف يحدث اختراق حقيقي عندما يتم استخراج عينات من المياه في الجزء السفلي، حيث أنها أكثر دفئاً ومليئة بالمواد المعدنية. يتطلب الأمر أيضاً أخذ عينات من الرواسب التحتية حيث يفترض وجود ينابيع ساخنة.

وشاهد العلماء بحيرة جليدية ومتجمدة في الجزء السفلي من النهر الجليدي، كما وجدت بلورات من المعادن تشبه تلك التي تتشكل في باطن الأرض، ولكن هذا الاختراق لن يحدث قبل أن يتم اختراع تكنولوجيا "الحفر النقي" التي تسمح بالوصول إلى المياه النقية غير الملوثة، وهذا هو سبب استمرار وصول المشاركين في بعثة القطب الجنوبي الروسية كل عام إلى محطة الشرق لإنجاز هذه المهمة الأكثر تعقيداً في الظروف الحقيقية.

ويعتقد العلماء أن بحيرة الشرق وجدت قبل تجمد القطب الجنوبي ما يعني أن أحفاد الكائنات الحية القديمة التي عاشت هناك قبل العزلة يمكن أن تبقى على قيد الحياة.

المكان مثير للاهتمام في نظر علم الكونيات، لأنه يشبه شكل خزان على الكواكب الأخرى حيثما يتواجد الجليد الذي يمكن أن توجد الحياة تحته.

كم عدد الأسرار التي تخفيها بحيرة “فوستوك” – الشرق؟ الزمن أمامنا، ولكن من الواضح بالفعل أن لهذا المكان الفريد أهمية علمية واجتماعية ضخمة للعالم كله. والعلماء الروس قد قطعوا مسافة كبيرة فوق الجليد للوصول إليها فيجب الحفاظ على هذه البحيرة نظيفة.

نوفستي : تاتيانا بيتشوجينا

https://ria.ru/science/20171218/1511136176.html

ترجمة