هذا ما حدث بالضبط مع العديد من المفاهيم، مثل العمال أو الطبقة العاملة، والإنتلجنسيا أو النخب. وإذا ما تحدثنا عن النخبة الثقافية، فسنجدها تنطلق من جوهرها المحافظ في العالم العربي. إذ تحافظ دائما على مسافة محددة، وبشكل ضمني، من التقدم العلمي - التقني. إلا أن وسائط الاتصال الحديثة هي إحدى ثمرات هذا التقدم الهائل في المجال العلمي – التقني. ومع تطور هذه الوسائط وانتشارها، تهدَّمت الحدود بين العديد من أشكال الإنتاج الثقافي والمعرفي من جهة، وانهار العالم السكوني المحافظ الذي تعيش فيه هذه النخبة. أي أن الواقع يتغير بشكل مذهل، بينما النخبة الثقافية لا تزال تعيش في واقع ترى أن إحدى مهامها الحفاظ عليه على اعتبار أنه مصدر إلهامها والبئر الذي لا ينضب، والمخزون الذي يمدها بالمادة التي تعمل عليها.

وسائط الاتصال الحديثة لم تكسر المفهوم التقليدي للنخبة الثقافية فقط، بل هدمت مفهوم النخبة الثقافية وبقية النخب الأخرى، لدرجة أننا نسمع أصواتا كثيرة من بين هذه النخب تطالب بوضع قيود ما على هذه الوسائط وعلى ما نتج عنها من منجزات تقنية وترفيهية وإبداعية، وهو ما يتعارض تماما مع وظيفة النخبة الثقافية تحديدا، وبدرجات أقل مع وظائف بقية النخب. وإذا نظرنا إلى الوجه الآخر من عملية الهدم هذه، قد نجد أن وسائط الاتصال الحديثة لم تؤثر في هذه النخبة الثقافية المحافظة التي تتأرجح بين قيودها الذاتية وبين القيود التي تُفْرَض عليها. وبمعنى أوضح، فالنخبة الثقافية نفسها لم تتأثر كثيرا بهذه الوسائط، لأنها نخبة متواضعة في فهمها للتقدم العلمي – التقني، وأقل النخب تفاعلا مع هذا التقدم. وهذا يمثل جزء من أزماتها الخاصة والذاتية والوجودية معا.

لكل تلك الأسباب السابقة، من الصعب الآن أن نحدد ملامح النخبة الثقافية. ومن الأصعب أن نبلور مفهوما واضحا لها. بالطبع يمكن أن نلجأ نظريا – وهذا ما يحدث عادة – إلى تعريفات كلاسيكية مثل مفهوم المثقف، والمثقف العضوي لدى جرامشي أو غيره. ولكن هذا لن يحل مشكلة انهيار المفهوم في ظل الانتشار المتسارع للتقدم العلمي – التقني من جهة، ونجاح وسائل الاتصال في هدم كل التصور القديمة لدى المثقف، وتدمير كل عالمه الكلاسيكي السكوني المحافظ. وفي نهاية المطاف، فبلورة مفهوم جديد لهذه النخبة يحتاج إلى وقت ليس بالقصير لصياغة عدة مفاهيم متنوعة لهذه النخبة انطلاقا من رؤية العالم والتعامل مع المنجز العلمي – التقني، والمشاركة فيه أيضا.