وحيث إن الشبكة العنكبوتية بطبيعتها – أو هكذا يقولون- لا تضع قيوداً على الفكر، فإن خيوط عناكبها متروكة لترتع في الفضاء الافتراضي كما شاءت، وذلك بغض النظر عما ينجم عن هذا التحرر المطلق من كوارث أو مصائب أو أهوال، جنباً إلى جنب مع محاسن التمكين المعرفي ودمقرطة المعلومات وغيرهما.

وإذا كانت هذه هي حال أثير العنبكوت، فإن أثير الشاشات الفضية، لا يمكن التعامل معه من المنطلق ذاته. فالقناة، أي قناة، لها أجندة وهدف. وهي في سبيل تحقيق أجندتها – الوطنية أو القومية أو حتى الخاصة بجماعات مصالح بعينها- تستخدم ما لديها من أدوات تلفزيونية. صحيح أن مبدأ «من لا يعجبه ما نعرض عليه بالريموت» معمول به. وصحيح أن عصر السماوات التلفزيونية المفتوحة لا يمكن إخضاعه لمقص الرقيب، أو غضب الرئيس، أو إهانة شعب، أو استعداء أمة. وصحيح كذلك أن تعريفات المهنية تتمتع بدرجة بالغة من الليونة، وأن ما يبدو كذباً لبعضهم هو عين الحقيقة لبعضهم الآخر.

وصحيح أن عالمنا العربي يشهد ظاهرة انفجار فضائي مروّع. وصحيح أن القاصي والداني يعلمان بوجود كم هائل من الفضائيات الطائفية التي تخصص كل وقتها لشتم طائفة لحساب أخرى. وكل من يملك شاشة تلفزيون يعرف أن هناك مئات إن لم يكن آلاف القنوات الموجهة من جماعة مصالح أو مجموعة سياسية بعينها أو تملكها شخصيات ما توجه غلها وحقدها وكراهيتها ضد شخصيات أخرى. والغالبية المطلقة أيضاً باتت على يقين بأن هذا الانفجار الفضائي ساهم في تحول المنطقة العربية إلى كرة قوامها النيران وهدفها الإشعال والغاية منها الخروج بشرق أوسط جديد قائم على الطائفية.

على رغم كل ذلك، فإن هناك قنوات كان يفترض أن تنأى بنفسها عن الانخراط في هذه المعمعة، وتلك العشوائية، لكن هناك من اندلف فيها بكل عزم. صحيح أن المنطقة أبعد ما تكون عن كونها على قلب رجل واحد، أو قادرة على تخطي خلافات بينية وفروق مصلحية من أجل اجتياز هذه المرحلة التاريخية الصعبة، لكنّ ضلوع قنوات – افترض فيها بعضهم المهنية والمعلوماتية وعدم الانزلاق إلى لعبة تفكيك الأمم وتفتيت الدول - صدم كثيرين.

ولأن العرب يعيشون أزهى عصور الانقسام، وأبزغ عهود الاستقطاب، وأنضر سنوات الفتنة الطائفية والكراهية الاجتماعية والبحث عن هوية مفقودة، فقد تعامل فريق مع انزلاق قناة عربية في محاولة بث الفتنة بين دولة عربية أخرى وجيشها الأقوى والأكبر بكل ما أوتي من رفض واستنكار حقيقيين وليسا ناجمين عن تطبيل لنظام أو مجاملة لحاكم. ويظل هناك فريق آخر يرى في المحاولة إما تشفياً وثأراً وانتقاماً أو حرية رأي تكفلها السنوات المنفلتة.

 

 

الحياة