وكانت تتمتع مقدمة البرنامج بالمهنية والعمق الكافيين، حيث لم تلتق فقط بـ يوسف السباعي، ولكن إلتقت أيضا ببعض من أقربائه وأصدقائه من بينهم شقيقه، وابن عمه، و الممثل المصري المعروف أحمد مظهر، والمطربة نجاة الصغيرة، وكذلك بعض الصحفيين الجدد لطرح بعض الأسئلة عليه، وكانت المقابلة حقا أنيقة وراقية على الرغم من بساطة أسلوب يوسف السباعي، وتناول يوسف السباعي خلال اللقاء العديد من القضايا المتعلقة بموهبته المبكرة في الكتابة، باعتباره مؤلفا هاما وعددا من رواياته التي تحولت لأفلام سينمائية ناجحة، وذكرياته عندما كان طالبا في الكلية العسكرية، وكم تعنى له السباحة على الرغم من أنه كان يكبر عن 60 عاما إلا أنها إحدى مكونات إسلوب حياته اليومى، كما ذكر أنه تأثر كثيرا بأفكار توفيق الحكيم وطه حسين، لأنه أمر طبيعي كونه كاتبا أن يعجب بالكتاب السابقين له، وليس بالمنافسين الآخرين، بما في ذلك نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، لأنهم متنافسين، ولكن من المهم أن يقرأ لهم في نفس الوقت، لأن كل واحد له أسلوبه الخاص في الكتابة.
 
وكان الشيء الجيد ما وجدته في هذا الجيل الذي كان يهتم كثيرا بـ دور مصر في الجنوب، لأن مصر في ذلك الوقت كانت زعيمة التحرر من الاستعمار الغربي وكيف كانت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية عمق استراتيجي مهم للغاية لها، وأن السباعى ليس مثل "الشخصيات العامة الحالية" الذين يهتمون فقط بـ الولايات المتحدة وأوروبا على الرغم من ذكرياتهما السيئة معنا، وانه لو كنا تابعنا التركيز على الجنوب كـ أكبر سوق في العالم، كنا سنصبح فى وضع مختلف وأقوى بما يكفي الآن، ولن نكن نترك بعض الثقافات البدوية القادمة من بعض الدول المجاورة للسيطرة علينا.
 
وعلى الرغم من أن مصر في ذلك الوقت كانت رائدة في الإنتاج الفكري بما لا يقل عن 10٪ من الحصة السوقية العالمية، ساعدت مصر في تطوير الأدب الأفرو-آسيوي والكتاب والمؤلفين الآفروآسيويين، وهذا ما قاله يوسف السباعي، وأضاف ايضا أننا كنا نتعاطى مع القضايا الهامة والتى تشتمل ولا تقتصر على حركة الترجمة، فضلا عن اكتمال تأليف الموسوعة المصرية مثل الموسوعة البريطانية، الأمر الذي من شأنه أن يضيف لنا على الساحة الفكرية العالمية، واضعين فى الإعتبار أن يوسف السباعي حصل على عدة القاب من الكتاب المحترمين "رائد الأمن الثقافي" من توفيق الحكيم، حيث قال الحكيم أنه قد أقنع الرئيس عبد الناصر بإنشاء المجلس الأعلى للثقافة وهيئات ثقافية أخرى في مصر، وحصل كذلك من منافسه نجيب محفوظ على لقب "جبرتي الثورة المصرية" للروايات والكتب التي ألفها إبتداء من ثورة 1952 حتى انتصار أكتوبر 1973 بما في ذلك "رد قلبي" و "العمر لحظة"، وتعد "السقا مات" واحدة من أفضل رواياته عندما قال السباعى أن هذه الرواية كانت واحدة من أفضل كتاباته والتي عبرت عن نفسه شخصيا والجو العام الذى كان يعيش به، وقال انه لم يحاول تزيين ماضيه لأنه ينتمي إليه، أو أنه هو سليل البشاوات كما يفعل الكثير من الناس الذين نراهم الآن، في موقف مماثل، لكننا لا نعرف حقا ما هي خلفياتهم.
 
وذكر الكثير من الكتاب أن السباعي لم يكن مجرد كاتب أو روائي أو مؤلف، بل انه شخصية-سياسية اجتماعية من العيار الثقيل، ولديه رؤية محددة وعميقة وأعرب عنها في رواياته والقصص والكتب التي ألفها، في حين أن السباعي لديه ما لا يقل عن 22 مجموعة قصصية، بالإضافة إلى 16 رواية أخرى، وليس هذا فقط إلا أنه كان رئيس تحرير على الأقل لعدد 7 من المجلات المحترمة في ذلك الوقت، في حين قال الكاتب الكبير والمفكر ومنافسه "يوسف إدريس" أنه خلال انتخابات نقابة الصحفيين كان السباعي يعانقنى دائما عندما نلتقى، على الرغم من أننا متنافسين على رئاسة النقابة على حد تعبيره، ولم يضع نفسه أبدا في أي صراع شخصي أو مهني مع الآخرين، في حين تم انتخاب السباعي عدة مرات ليكون رئيسا لجمعية الكتاب الأفروآسيوية.
 
 
وكان أهم لقب لدى السباعي هو "فارس الرومانسية" في حين انه قتل واستشهد في قبرص في الـ 18 من فبراير 1978 عندما كان يحضر أحد مؤتمرات جمعية الكتاب الأفروآسيوية من قبل بعض الإرهابيين على زعم أنه دعم اتفاقات السلام "إتفاقيات كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل، في النهاية نحن قد نتفق أو نختلف مع يوسف السباعي بشأن اتفاقيات السلام، ولكن هذه المسألة لا يمكن أن تأخذ من مسيرته وسيرته الذاتية الجيدة مقارنة بوزراء الثقافة الحاليين في مصر ودول عربية أخرى، وأتمنى أن يكون لدينا يوما ما وزراء سياسيين مثل "يوسف السباعي" الذي كان يمتلك كلا من الخلفية سياسية والسجل التقني الهائل في حياته، فعلا كان زمنا ذهبيا.
 
 
أحمد مصطفى