انضم 276 ألف مشترك جديد في الفصل الرابع من العام الماضي، في ذروة الحملة الانتخابية الأميركية، إلى قائمة المشتركين في «نيويورك تايمز» التي تأمل أن يزداد الرقم في الربع الأول من العام الحالي مئتي ألف قارئ. أمر مشابه سجلته «وول ستريت جورنال» و «فاينانشال تايمز» و «مجموعة غانيت» التي تصدر «يو أس إيه توداي» وأكثر من مئة صحيفة محلية.ساهم ترامب من غير قصد، بهجوماته اليومية وبانتقاداته الجارحة للصحف ووسائل الإعلام، في تخفيف الأزمة المالية وانحسار أعداد القراء والشك في صدقية الصحافة، فهذه - في رطانة ترامب وتغريداته - تروج «أنباء كاذبة»، وكلها «فاشل»، بل ذهب إلى وصفها «بعدو الشعب الأميركي»، ما يدخل ضمن التحريض المباشر على حرية التعبير. لم تنه حملة ترامب متاعب الصحف التي يرجع قسم منها إلى تغييرات بنيوية في اهتمامات جمهور القراء وسوق الإعلانات والتبدلات المرافقة لثورة المعلوماتية واقتصاد المعرفة... إلخ، لكنها فتحت للصحف باباً مناسباً لمبارزة أقوى رجل في العالم.

 

تدهور الصدقية المهنية في وسائل الإعلام وحملة السياسيين الشعبويين، من ترامب ومن يشبهه على الصحافة، ردت عليه هذه برفع مستوى التدقيق والتحقق مما تنشره. حملتا «نيويورك تايمز» و «فاينانشال تايمز» الترويجيتان رفعتا شعار «الحقيقة» و «الوقائع»، وهما مصطلحان يتعرضان لحملة تشويه تهدد باعتماد الكذب والتزوير والتلفيق كأسس في التعامل العام.وبدلاً من أن تسير الصحف في مسار البحث اليائس عن زيادة أرقام التوزيع من خلال نشر أخبار الإثارة والتشويق الرخيصة (وهو النهج الذي اعتمدته أكثرية وسائل الإعلام اللبنانية، كحل لمشكلاتها)، اكتشفت الصحف الكبرى أن الحقيقة تبيع، وأن الصدقية والمستوى المهني الرفيعان يساهمان في استعادة القارئ المتبرم والنزق والمستعجل وفي كسب اهتمام المعلنين، وأن التصور السابق القاضي بمطاردة القارئ أو المشاهد بالأخبار التافهة، على اعتبار أن هذا هو النوع المطلوب من السلع الرائجة، اثبت قصر نظر كارثي، خصوصاً في الأوقات التي تتعرض فيها المجتمعات لتحديات خطيرة، من نوع تهديد القيم التي ارتكزت عليها طوال عقود، بل قرون، أي من صنف التهديد الذي يمثل ترامب قمته.وإذا كان صحيحاً أن أزمة الصحافة المكتوبة، خصوصاً في صيغتها الورقية، أعمق من أن تعالجها ظاهرة واحدة مثل رئاسة ترامب، فإن الصحيح أكثر هو أن القارئ الذي حَكَمَ عليه بعض «منظري» الصحافة بالغباء والسطحية والميل إلى الإثارة، لا يزال يقاوم إنزال هذا الحكم به ويبدي اهتماماً بما يمس مصلحته ومستقبله وحريته، وهو ما تقدمه له الصحافة الجادة.يتعين الانتباه هنا إلى حقيقة ارتباط الصحافة العضوي بآليات وحركية المجتمعات التي أنتجت وسائل الإعلام في المقام الأول، أي اعتبار هذه الوسائل والصحافة من بين حاجاته وأدواته لمراقبة السلطة ومحاسبتها وليس فقط لحمل خطابها (على ما يقول «المابعد حداثيون»). وضع مسألة الصحافة في هذا السياق، يعطي انطباعاً بأن التشخيص المذكور لا يصح تماماً في البلدان العربية حيث تختلف أسباب الأزمة وظواهرها وطرق علاجها أيضاً.

حسام عيتاني 
الحياة: ١٩-٢-٢٠١٧