لن أتحدّث عن الروائي بوجدرة، فهو شئنا أم أبينا، يمثل مرجعية ثقافية جزائرية وعالمية، ولن تتأثر تلك المكانة بما يُقال عن إلحاده؛ فإلحاده من عدم إلحاده هي مسألة تعنيه هو والله.إلاّ أنّ القضية هي فرصة لفتح النقاش حول دور الإعلام في المجتمع، وآثاره على بنياته النفسية والثقافية والأخلاقية..إلخ.

وقفة مع بوجدرة

صحيح أنّ الإعلام هو مؤسسة لنقل الأخبار وبثها، وهو كذلك جهاز لصناعة الترفيه، إلاّ أنّه، في جوهره، هو استراتيجية ورؤية تهدف إلى صناعة الرأي العام، والتأثير على الهندسة الاجتماعية، إما ايجابا أو سلبا. من هنا، تأتي أهيمته وخطورته في الآن نفسه.

إنّ الإعلام، بكل هياكله، هو نتاج التحوّل الذي شهدته المجتمعات الغربية نحو النمط الديموقراطي، فلا إعلام دون حرية. فالإعلام، من حيث المبدأ، هو المساحة المتاحة للإنسان ليعبّر عن آرائه ومواقفه وأفكاره بحرية.و لو أنّ المسألة لم يُفصل فيها؛ أي في طبيعة لك الحرية. فهل هناك سقف ما للحرية في الإعلام؟ ألا تبدو الحرية المطلقة بمثابة انتفاء للحرية نفسها؟

قد يفسّر البعض بأنّ الانتهاكات التي تمارسها بعض القنوات الخاصة إزاء القيم والأشخاص وإزاء الحقيقة نفسها هي حق يكفله مبدأ الحرية. من خلال هذا التصوّر ندرك بسهولة وجود تشويش ما اعتور المفهوم؛ إذ تفقد الحرية سقفها الأخلاقي ما لم تكن مقرونة بالمسؤولية.كما لا نقصد بالمسؤولية معيارا يؤطر حركة الإعلام، بقدر ما هي نوع من أخلقة الحرية الإعلامية.

الحرب على الإنسان

منذ أكثر من نصف قرن، كتب فلاسفة مدرسة فرانكفورت عن خطورة التقنية؛ وقد رأوا أنّ انفتاح المجتمعات على الثورة التقنية سيهدد الوجود الحقيقي للإنسان، أي يهدد كل الأبعاد التي فيه. وقد وجدوا اسما لذلك التهديد، و هو ” العقلانية الأداتية”.

ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو مؤسسا مدرسة فرانكفورت 1964

لقد ترك لنا هؤلاء الفلاسفة نصوصا أساسية حلّلت مخاطر التقنية ( الإعلام ) على الوعي الإنساني، و مدى مساهمتها في خلق هوة سحيقة بين الوعي والثقافة، وبين الإنسان والمجتمع.

وفي عصر سيادة التقنية تحولت الثقافة إلى نوع من النتاج الموجه للاستهلاك العمومي، دونما الاهتمام بالدور التقليدي للثقافة الذي هو نشر الوعي، وتحديدا تفعيل البعد النقدي والمعارض في الإنسان.

لقد ربط فلاسفة هذه المدرسة بين التقنية والهيمنة؛ فقد تطور مفهوم الهيمنة بتطوّر وسائل الإعلام والترفيه الحديثين، فقد مكنت هذه التقنية وسائل الإعلام من أن تطال المشاعر والأحاسيس والأذواق، بل وأن تتغلغل عميقا في لا وعي الأفراد.

إنّ هذا النوع من الهيمنة يوصف بالشامل، لأنه يهدف إلى القضاء على كل الأبعاد في الإنسان: المخيلة، النقد، الحرية، الاستقلالية…إلخ ومن خلال تعطيل ملكاته النقدية والابداعية، يغدو الإنسان مجرد كائن أحادي البعد، بتعبير ماركيوز.

لقد أضحت وظيفة الإعلام، هو ترويض الإنسان، وجعله مجرد جهاز سلبي لاستقبال الثقافة، أي يغدو فاقدا للقدرة على التفكير وعلى النظر النقدي في المظاهر الاجتماعية والسياسية التي تحيط به.

 يجب النظر إلى قدرة الإعلام على إعادة صياغة الواقع، وإعادة فبركة التاريخ، بما يخدم المنظومة السائدة. لهذا كان يمثل سلطة نافذة من بين السلطات التي هي في يد الأنظمة الحاكمة.

ليس الإعلام، إذن، مجرد مؤسسات لنشر الخبر أو للتسلية الاجتماعية، بل هو مشروع اجتماعي وتاريخي، غرضه تحقيق السيطرة، وإذا عدنا مرة أخرى إلى ما كتبه فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فإنّ التقنية صارت هي من يحدد مسار التطور التاريخي للمجتمعات الحديثة والمعاصرة.

 أليس هذا ما تلعبه بعض الفضائيات اليوم؟ إنها تساهم في تفكيك البنيات الاجتماعية، وفي إرباك الرؤية العامة للتاريخ، وفي خلق حالة سديمية تلف الهوية، وتلف تاريخها، والأخطر من ذلك، أصبحت عاملا خطيرا في تبرير سياسات النظام السائد، بتخوين كلّ من يعارضه.

جماهير أم مجرد قطعان ضالة؟

في عصر سيادة الإعلام، اُطيح بثقافة النخب، واُعلي من شأن الثقافة الجماهيرية، وهي الثقافة التي هي انبثاق لما تقدمه وسائل الإعلام من بدائل ثقافية، تستهدف الجماهير الغفيرة، المتعطشة إلى الترفيه. وما يميز هذه الثقافة هو سطحيتها، واستهدافها للإثارة، ومخاطبة الغرائز، وتجييش العواطف، وتهييج مياه الانفعالات.

 إذ تغدو هذه الثقافة المظهر الجلي للسيطرة الشاملة على المجتمع. فتحييد الجماهير عن الوعي، هي طريقة للسيطرة عليها، حيث، وتحت وهم ديموقراطية الإعلام، يغدو الجمهور مجرد متلق بليد لما يقدم له، كما لو أنه لا صوت له، ولا رأي له، طالما أن هناك من يتكلم نيابة عنه، ويفكر بدلا عنه.

إنّ الثقافة الجماهيرية هي ثقافة بلا أفق نقدي أو معارض، إنها أداة للتأثير الأيديولوجي والنفسي من أجل التحكم في ما سماهم عميد الصحافيين الامريكيين في بداية القرن العشرين ” والتر ليبمان (Walter lippman  1889-1974)” بـ ” القطعان الحائرة والضالة ” (Bewildered herd  ).

Walter Lippman

لسيغموند فرويد(1856-1939 ) كتاب مهم حول ” علم نفس الجماهير “، وفي تحليله لنفسية الجماهير قدّم مقاربة مثيرة لمفهوم الجمهور؛ فمن سمات الجماهير انحطاط النشاط الفكري، العاطفية، العجز عن الاعتدال وضبط النفس. وما يتحكم فيها هي ما سماه فرويد بـ ” غريزة القطيع “، إذ رأى أب التحليل النفسي أنه توجد علاقة وطيدة بين الجمهور والعشيرة البدائية.

تكمن خطورة الإعلام في رسالتها التي تقول: دعونا نتكلم في مكانكم، دعونا نفكر بدلا عنكم. أضف إلى ذلك، أنّ خطاب الإعلام تحول إلى نوع من الخطاب الصنمي، والمقدس الذي لا يمكن التشكيك في صدقيته.

في كتابه ” السيطرة على الإعلام ” تحدث نعوم تشومسكي عن مظاهر الخداع الذي ينتجه الإعلام في الدول الديموقراطية، ومثّل ذلك بأوّل دعاية إعلامية ناجحة، والتي تزامنت مع فترة انتخاب الرئيس الأمريكي ” وودرو ويلسون عام 1916، (حكم 1913-1921) فقد قاد هذا الأخير حملة تحت شعر “سلم بلا انتصار”، وكان رهانه هو كيف يمكن تحويل شعب مسالم إلى آلة قتل حربية؟ وقد تمكن فعلا، ومن خلال الدعاية الإعلامية، ومن خلال توظيفه الاستراتيجي لخطاب النخب، من تفجير خزان العنف في الشعب الامريكي، وتعطشه للحرب. يخلص تشومسكي إلى خلاصة مهمة وهي أنّ دور الإعلام هو صناعة الإجماع العام، والذي يقصد به جعل الرأي العام [ الجماهير] يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس.

Naom Chomsky

التلفزيون وعصر الاستبداد الرمزي

يمارس الإعلام استبدادا رمزيا على الفرد والمجتمع، ويكون هذا الاستبداد لامرئيا في المجتمعات الديموقراطية، التي تكفل للفرد حرية التعبير، ويزداد وضوحا في المجتمعات التي ترزح تحت نير الأنظمة الشمولية، بحيث يغدو التلفزيون جهازا دعائيا قويا لتثبيت أركان النظام.

في رواية جورج أورويل(1903-1950) التي تحمل عنوان 1984 يقوم الأخ الأكبر Big Brother بفرض قانون يفرض على مواطني جمهوريته الوقوف أمام الشاشة لأجل دقيقتي الكراهية كل يوم، أي كراهية أعداء الجمهورية؛ فالتلفزيون لا غنى عنه لصناعة الأعداء، لكن وفي الوقت نفسه ضروري جدا لصناعة الطاغية. يقول شاكر شاهين ” تمارس الصورة السياسية استبدادا على الفرد والمجتمع، إذ لا حاجة لشرطي يُمارس القمع ما دامت الصورة حاضرة “[1]

George Orwell

فما تقوم به الصورة قد تعجز عنه جحافل من رجال الأمن، وكما قال تشومسكي فإنّ الدعاية في النظام الديموقراطي تُقابلها الهراوات في النظام الشمولي.

لقد أدرك أورويل، مبكرا، الدور الخطير الذي يلعبه التلفزيون في حياة الأنظمة الاستبدادية؛ فحتى الأنظمة الديموقراطية تمارس استبدادها الثقافي والقيمي من خلال ما تفرضه من بدائل ثقافية عبر البرامج الإعلامية والترفيهية الموجهة للمجتمعات البشرية، دون أن تكترث بخصوصياتها الثقافية، وما العولمة إلا تجلّ لهذه الهيمنة الناعمة التي تخفي مراميها الحقيقة خلف المادة الإعلامية الترفيهية.

اللاتواصل في عصر الثورة الاتصالية:

عطفا على ما أتى في التحليل أعلاه، إذ ثمة فرضية تقول بأنه كلما تطورت وسائل الإعلام أكثر كلما تقلصت إمكانيات التواصل بين البشر، ودخلت طورا من العسر التواصلي. هل يعني هذا أننا ننتمي إلى مجتمعات لا تواصلية؟

في هذه الحالة، فإنّ ما يُسمّى بالقرية الكونية هي مجرد تعبير عن التحولات الجذرية في وسائط الاتصال، في حين لا يستقيم المفهوم في أبعاده الاجتماعية والسياسية، فالعالم لم يتحوّل بعد إلى قرية كونية، خاصة بوجود هذا المعطى المتناقض مع الطبيعة الجوهرية للقرية وهي اتساع الهوة التواصلية بين سكان هذه القرية الافتراضية.

يطرح المفكر الفرنسي ” دومينيك وولتون ” ( Dominique Wolton 1947-)تعريفا جوهريا للديموقراطية، فعلى ضوء هذا الانفجار التقني غير المسبوق لوسائل الاتصال والإعلام، فإنّ الحياة بين البشر أصبحت صعبة، بل وغير ممكنة، لهذا، وأمام استحالة تقاسم الوجود على الأرض، تحول الوجود البشري إلى نوع من التفاوض والتعايش، ويوضّح وولتون فكرته في شكل استفهام: ” ما هي الديموقراطية بالفعل، إن لم تكن التفاوض والتعايش السلمي بين وجهات نظر غالبا ما تكون متصارعة؟”[2]

Dominique Wolton

ولابد أن نتأمل هذا الصراع داخل الحيز الرمزي للخطابات، التي تغدو مساحات للذود عن المصالح والمصالح المضادة، وبذلك لا تُطرح فكرة التقاسم ضمن أولويات القوى المتصارعة في المجتمع، إذ ثمة قانون محدد للعبة الصراع.

لقد أصبح الإعلام اليوم خصوصا مهندس الحياة الاجتماعية، وصاحب السلطة المعيارية القادرة على رسم الحدود السلوكية والاجتماعية والتأثير على الأذواق، بل وفرض أذواق جديدة.

لم تعد قوة المال ولا قوة السلاح كافيتين لبسط النفوذ المطلق للسلطة، فلا بد من جهاز الإعلام الذي لا غنى عنه لأي سلطة.

الصورة والعماء:

مع سيادة الصورة فقد الإنسان القدرة على النظر؛ فنحن ننتمي إلى عصر العماء العام، وهو عصر انفصال الإنسان عن العالم الخارجي والواقعي، بعد أن صار عبدا لغوايات الصورة. في جملة عميقة قال فيها ريجيس دوبري(Régis Debray 1940-  ) : ” إنّ أعيننا تهجر أكثر فأكثر بدن العالم “[3].

régis Debray

إنّ ما يبدو مثيرا ومُرعبا في الوقت نفسه هذه القدرة الرهيبة للصورة على صناعة مجتمع من العميان [ نتذكر رواية العمى لخوسيه ساراماغو]، يتحركون داخل المجال الذي تحدده الصورة، بحيث تساهم هذه الأخير في تعطيل أي مقدرة على النظر للعالم وللآخرين، وبتعبير دوبري مرة أخرى، فالبصري لا يرى أبدا. أليس هذا هو التهديد الحقيقي الذي يتهدد الإنسان المعاصر؟ الإنسان الذي يعتقد أنه بانتشار الصور صار العالم أمامه مرئيا، وتخلص العالم من كثافته الرمزية ومن غموضه؟

ما قاله دوبري عن عماء إنسان عصر الصورة، هو ما حذر منه فلاسفة مدرسة فرانكفورت مما سموه بالعقلانية الاداتية، أي العقل بوصفه أداة لتدجين الإنسان باستعمال التقنية، والإعلام اليوم يلعب هذا الدور بكثير من الإصرار على صناعة إنسان ذي بعد واحد. إنه يقود قطعان من العميان.

[1])- شاكر شاهين، الاستبداد الرمزي ( الدين و الدولة في التأويل السيميائي)، منشورات ضفاف، منشورات الإختلاف بيروت والجزائر، ط01، 2014، ص81.

[2])- دومينيك وولتون، ص31

[3])- رجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ص 244.

 

* أستاذ الأدب المقارن والنقد الأدبي جامعة بجاية