في الحقيقة، من الصعب أيضا أن نتحدث عن تعريف واضح ومحدد للمثقف في الثقافة العربية. فكل التعريفات والمفاهيم لكلمة مثقف مطاطة وهلامية، ومن الصعب الإمساك بها، أو بأي من جوانبها. ربما لأن الثقافة بطبيعتها مادة حية ومتحركة ومتطورة، وربما لأن المثقف بطبيعته مرن وقادر على الاسيعاب والتطور والإنتاج وإعادة الإنتاج. وربما أيضا، بسبب غياب النماذج والمرجعيات والأنساق، ما أسفر عن وجود خلل ما في الثقافة العربية جعلها تفشل في تحديد ماهية الثقافة وجوهرها ودورها، ومن ثم فشلت في وضع تحديدات وأطر قابلة للتحريك والتطور.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن التوقف عن محاولات إنتاج تعريفات ومفاهيم للمثقف، لأنه ببساطة ابن زمنه ومرحلته التاريخية والاجتماعية والمعرفية. لقد سعى إدوارد سعيد دوما إلى التمييز بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي. وذهب أيضا إلى أن المثقف الهاوي أفضل بكثير من المثقف المحترف، لأن الأول يظل راديكاليا في مواقفه وقادرا على الدوام على طرح القضايا والإشكاليات، وناقدا بحدة للواقع من حوله. كما ارتكز على أن دور المثقف هو دور يصل إلى مرتبة حامل "الرسالة".

لن نتعرض كثيرا للتعريفات التي أطلقها المفكرون على المثقف، لأنها في كل الأحوال كانت نتاج مراحلهم التاريخية ودرجة التطور العلمي – التقني، ومستوى التطور الثقافي والمعرفي. وفي نهاية المطاف اعتمدت غالبية التعريفات على تراث نظري – فلسفي، سواء عند إدوارد سعيد أو عند عالم الاجتماع الأمريكي سي. رايت ميلز، أو عند المفكر والروائي الفرنسي جوليان بندا، وكتابه المهم "خيانة المثقف" الذي صرخ من خلاله في وجه المثقفين وعلاقتهم بالسلطة. فالتعريفات كثيرة، من بينها "المثقف العضوي" و"المثقفف النقدي" و"المثقف التقليدي" و"المثقف البيروقراطي" و"المثقف النخبوي" و"المثقف المهني" و"المثقف المحترف" و"المثقف الانتقالي" الذي تحدثت عنه شيرين أبو النجا في كتاب بنفس العنوان...

في الواقع، المثقف يُحَمِّل نفسه حملا كبيرا عندما يفترض أنه يجب أن يقود أي انتفاضة أو احتجاج أو ثورة. بالضبط مثلما يقع البعض في فخ تشبيه المثقف بضمير أو بنبي الأمة أو حكيم الشعب أو درة تاج الوطن. فالمثقف مواطن عادي جدا مثل بقية المواطنين قد يتميز عن غيره بهذا الجانب أو ذاك، مثلما يتميز غيره عنه بأمور أخرى. لنحاول الابتعاد قدر الإمكان عن طرح التصورات النظرية أو ترديدها وتبريرها. ففي الأغلب، يحاول المثقف أن يطمس دوره إما بتضخيمه أو بجلد الذات. وأحيانا يلجأ إلى حيلة كلاسيكية ومفضوحة، ألا وهو الاستعلاء على المجتمع وتكفيره بما لا يفرقه في أي شئ عن كل جماعات التكفير والتحقير والعنصرية. وفي الحقيقة، لا أحد يطالب المثقف بقيادة ثورة ما. كل ما عليه هو أن يمارس دوره الحقيقي في معركة التنوير والتراكم المعرفي وتراكم الوعي، بينما الواقع يلعب دوره التاريخي. على المثقف أن يتقن دوره ليس كضمير الأمة، وإنما بضمير حي بالمعنى الفلسفي وبحرفية ومهنية، بعيدا عن التخفي والاختفاء والاحتماء بأساليب مراوغة.

"المثقف" لدينا يولي قدرا كبيرا من الاهتمام، إن لم يكن الاهتمام الكامل، بهويته الفكرية ومرجعيته الأيديولوجية على حساب رصد الواقع وبلورة رؤى واقعية وحقيقية وفق معطيات ذلك الواقع. وهو ما يؤدي في نهاية المطاف بهذا "المثقف" إلى إنكار الواقع أو أو محاولة تزييفه بما يتفق مع رؤاه العقائدية أو ما يتمناه. وبالتالي لا يمكن أن ننتظر أن يعيد هذا المثقف إنتاج أي شئ، لأن النتيجة ستكون أسوأ بكثير. ويتساوى هنا المثقف "التقليدي – البيروقراطي" بأدواته المستهلكة والمبتذلة والبليدة مع المثقف "النخبوي" بأوهامه النظرية وتهويماته الأيديولوجية. فنجد الأول مسيطرا في اتجاه تدمير الثقافة والنسق الثقافي – المعرفي، بينما الثاني يتمتع بعزلته وتنظيراته الوهمية.

 

لن نجافي لا الواقع ولا الحقيقة، إذا تحدثنا عن أن المثقف بشكل عام كان دوما يعمل لدى السلطة. واتخذ هذا العمل أشكالا مختلفة وفقا للمسافة التي تفصل بينهما هذا المثقف وتلك السلطة. وربما يكون مصطلح "الإنتلجنسيا المأجورة" هو أحد تجليات حقيقة عمل المثقف وغيره من العاملين في مجالات الإنتاج الذهني لدى السلطة. إننا لم نسمع عن ذلك المثقف الذي يعمل لدى "الدولة" بمفهومها الاجتماعي – الثقافي. ولم نصادف تعريفات تتعلق بهذا الموضوع. ربما تكون هناك تعريفات مرت عرضا على المثقف العامل لدى الدولة، ووصفته بالمثقف التقليدي. ولكنها دوما كانت تتحدث عن السلطة لا الدولة. وفي كل الأحوال، يمكن أن نترك موضوع "المثقف العامل لدى الدولة" ودوره الاجتماعي والمعرفي لنقاشات أخرى أوسع، لأن ذلك قد يفتح النقاش على مفاهيم الدولة نفسها وعلاقتها بالسلطة وعلاقة كل منهما، وكلاهما، بالمجتمع.

المثقف التقليدي – البيروقراطي يعمل لدى السلطة، مهما تغيرت تلك السلطة. بينما المثقف المهني – المحترف يعمل لدى الدولة. والاثنان يحصلان على مواردهما المالية من خزينة لا يعرف أحد هويتها: هل هي ملك للسلطة أم ملك للدولة. ومع ذلك فهناك اختلاف، ويجب أن يكون هناك اختلاف بينهما من حيث الأدوات والدور وطبيعة الأداء وهدفه. والنوع الثاني تحديدا قد يكون الأهم في المرحلة التاريخية التي نعيشها، نظرا لاختلاط الأوراق والمفاهيم والدلالات، وربما الأدوات والأهداف. هذا النوع قادر بحرفية على الحوار والاختلاف الذين يعدان من أهم مقومات التطور الثقافي – المعرفي، وأيضا من حيث توسيع مساحات التواصل والتفاعل. وربما سيكون هذا الجيل من المثقفين هو مقدمة لأجيال من المثقفين العضويين الأكثر تطورا حتى من المفهوم الذي وضعه أنطونيو جرامشي نفسه.

وإذا كانت السلطة، في عصر التقدم العلمي – التقني تسعى إلى تنميط الأفراد والمجتمعات، فالمثقف المهني – المحترف قادر على مواجهة هذا التنميط باستخدام نفس الأدوات، وربما استطاع التحايل عليها واستباقها بخطوة. فالقرن الأول من الألفية الثالثة يعيدنا مجددا إلى أنماط الاستبداد والاستعباد في العصور السابقة، إلى أنساق الديكتاتوريات المتوحشة، ولكن مع وجود التقنيات الحديثة التي تساعد تلك السلطات والحكومات على تنفيذ المهمة تحت غطاء الديمقراطيات من جهة، ومستلزمات مكافحة الإرهاب من جهة أخرى على سبيل المثال.. تحت غطاء حرية الكلمة والحريات المدنية والشخصية من جهة، وضرورات الحفاظ على الأمن القومي من جهة أخرى!

وبالتالي، من الصعب أن يفلت المثقف من أسر وإغراء السلطة في ظل عملية الفوضى السياسية والتشريعية، والتفنن في التجويع والتشريد، وتوحش وسائل الإعلام التي تقوم بتنفيذ الأعمال القذرة للسلطة وأجهزتها. ومع ذلك، فالمثقف "المهني – المحترف" قادر على القيام بدوره كوسيط معرفي في آن واحد مع إعادة إنتاج أشكال ثقافية ومعرفية.

إن "النخبة" الثقافية المصرية لم تنضج بعد كنخبة قادرة على الإسهام في بناء أنساق معرفية، والترويج لأنماط ثقافية - حياتية. فأحلامها متواضعة جدا تدور في إطار الحصول على جائزة أو إقامة مؤتمرات ثقافية متواضعة، أو البحث عن سيد جديد قادر على إدارة هيئة ثقافية أكثر تواضعا.

"النخبة" الثقافية المصرية لم تتمكن إلى الآن من استخدام علاقاتها الخارجية إقليميا ودوليا بشكل منظم وفعَّال لمواجهة ما يحد\ث في الداخل، ويقتصر الأمر على جلسات النقاش الحميمية وتوجيه الانتقادات العشوائية في المؤتمرات والاجتماعات. هناك فعاليات هامة يقوم بها بعض المهمومين بالأوضاع في مصر. وهناك جهود فردية خلاقة داخليا وخارجيا. ولكن كل ذلك لا يمكنه أن يكون على نفس قدر اللحظة التاريخية وما تحتاجه من جهود منظمة على أكثر من محور.

"النخبة" الثقافية لا يمكنها القيام بأي دور الآن سوى ما نراه وما تسمح به ظروف التشرذم والانقسام والأمراض النظرية وغياب القدرة الحقيقية على إنتاج وإدارة أنساق ثقافية ومعرفية. هذا توصيف للواقع وليس اتهامات موجهة إلى هذه النخبة أو تلك، أو إلى هذه المجموعة أو تلك.

في كتاب "المثقف الانتقالي"، لشيرين أبو النجا، تم طرح حالات "المثقف الانتقالي" والظروف التي عمل فيها في السابق، والظروف الجديدة التي تواجهه بالكثير من الحقائق عن ذاته وعن تاريخه ووعيه ودرجة الفعل لديه. وجمع الكتاب أكبر قدر ممكن من مشاكل وأزمات المثقفين، وناقشها على أرض الواقع بعيدا عن التصورات الذهنية والطرح الذهني الذى اعتاد عليه المثقف عموما، والنخبة المصرية على وجه الخصوص، في السنوات الأربعين الأخيرة. كما طرحت الباحثة تساؤلات مهمة حول علاقة المثقف بذاته وبالمجتمع وبالسلطة وبالمثقف الآخر، سواء كان متفقا معه أو مختلف. ولكن أهمية هذه التساؤلات تكمن في ارتباطها بالواقع العملي وليس بالافتراضات الذهنية. بمعنى تصوير رغبات الإنسان وطموحاته، وما ينبغي أن يكون، باعتبارها واقعا قائما بالفعل. هذه التساؤلات جاءت على شكل اشتباكات خطيرة وفضح كامل للمنظومة الذهنية للمثقف من جهة، وتعرية لمنظومة العلاقات الاجتماعية – الثقافية – الاقتصادية من جهة أخرى.

قد يطول الكلام ويمتد حول المثقف ودوره، وحول المثقف الجديد ودوره الجديد أيضا. ولكن الحديث يدور في كتاب "المثقف الانتقالي" عن ذلك المثقف الجديد الذي وُلِدَ في ظروف استثنائية رافضا المثقف القديم، وكل المنظومة التي ينتمي إليها هذا المثقف. وهذه بحد ذاتها رؤية واضحة ومهمة وإن كانت تنقصها الآليات اللازمة للفعل والمضي قدما إلى الأمام، حتى وإن كانت  الحركة على نسق "خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف". فالمثقف الجديد يواجه كل الموبقات الآن: القوي اليمينية الدينية المتطرفة، والنظام السياسي، والمنظومة الإدارية، والمنظومة الثقافية الأبوية التي تمارس أبويتها وتتوق لصنع أب أكبر لها هي نفسها.

على هذه الخلفية يبرز سؤالان مهمان للغاية:

الأول: هل نحن بحاجة فعلا، في ظل المرحلة الراهنة، إلى مثقف عضوي أم مثقف مهني – محترف؟

الثاني: إلى متى سنظل نسقط على الواقع أفكارنا النظرية وتهويماتنا الفكرية والعقائدية؟ ومتى سنكف عن الحديث عن استبدال العدسات – الأدوات - التي ننظر ونتعامل من خلالها مع المجتمع، لكي نبدأ الحديث بجدية عن ضرورة النظر في طبيعة هذه العدسات – الأدوات – نفسها؟