كيف نفسّر صمت بعض المثقفين إزاء ما يحدث في منطقتنا العربية؟ أهو موقف لضمان السلامة الشخصية؟ أم هو خوف معتق اكتسبه البعض من أزمنة القمع؟ هل يمكن أن نفسر صمت كثير من المثقفين إزاء الأحداث بأنه نرجسية اللامبالي بمصائر الآخرين وأقدارهم؟ أم تراهم يحدّقون في غمائم الدخان ويخشون أن يفلت الزمن من قبضتهم فيعتصمون بالصمت ويستغرقهم ذهول السادرين في الكهوف؟ ألا توقظ الوقائع الصادمة والدماء وتهجير الملايين إلى المجهول شهوة الحراك في المجتمع؟ متى تنعكس إشعاعات الإبداع الأدبي والفكري والفني على الدروب التي تضمخها دماء الضحايا؟ 

أهو الخوف ذاته من العقب الحديدية؟ أهو التحسب من الأصفاد بصيغها الأعنف؟ نراهم فوق التلال أو الهضاب، يسترخون على الشرفات الظليلة أو في الغرف الموصدة، أو في بعض المتاهات وأبراج العزلة، يلتزم كثرة منهم الخرس والاستغراق في التخفي أو اعتناق الحياد، وفي أفضل الحالات الكتابة عن تجريدات ذهنية وتهويمات خالصة لا دور لها في سياق تغيير الحياة وتجددها، فهم يغرقوننا بالمصطلحات المستعارة ويسوقون أفكارا مستهلكة، يستشهدون بمقولات بَطُلَ سِحْرُهَا مستلّة من متون نقاد ومؤدلجين انتهت فعاليتهم، يفعلون كل هذا والأرض تفور بالأحداث والضحايا، يكتفون بالفرجة عن بعد، يواصلون الاسترخاء في قناعاتهم المستتبة والدنيا نهب لحريق أو عرضة لمخاطر مروعة والحياة تنتظر منهم مواقف أو خلاصات تحفّز التقدم ونتائج تستقرى ما سيأتي.

يبدو أن معظم هؤلاء السادرين في التهويمات اللفظية من مثقفينا يؤثرون السلامة بالانسحاب من ميدان التأثّر والتأثير واتخاذ المواقف، يخشون الفعل والمواجهة، ويتشبثون برموز تاريخية وحيثيات مندثرة وأيديولوجيات تهاوت، يتكئون على أفكار نحرتها التجربة، آخرون يديرون ظهورهم لإمكانات التطور ومديات الجدل؛ فيشيحون بوجوههم عن شؤون الراهن من ثقافتنا وإشكالاتها المتزايدة، يتمسكون بيقينات مجهضة عن وجود حقيقة واحدة في أفق الوجود وينسون أننا نحيا في زمن اللايقين وتعدد وجوه الأمور تبعا لزاوية النظر، فهم لا تهزّهم فواجع الحاضر العربي ولا تحرك مخيّلاتهم متطلبات السعي نحو المستقبل، سلبيون حد الامّحاء وعاجزون حد التلاشي، هؤلاء هم الذين ينثرون بذار التراجع في حقول الحاضر، باعة التشاؤم والانكسار، سادة التيئيس وسدنة الخرافة والقبول بالقدر الذي أصابنا لأننا نستحقه وعلينا الدعاء في انتظار بزوغ المعجزات. 

المثقفون على اختلاف مستوياتهم وعبر العصور كلها، هم أكثر الناس هجاء لعصرهم ومديحا لعصور سبقت وأقدرهم على إعلان الشكوى من الدنيا وذمّ الأحداث وصانعيها والتصدي لكل مبادر شجاع وتهشيم أحلام الآخرين وتسفيه مشاريعهم وتجاربهم، وتتحكم بهؤلاء فكرة متسلطة واحدة تتعاظم بتعاظم الوهم لديهم؛ وهي أنهم المظلومون المبعدون عن كل المرابح والمكاسب، فلا يحوزون أنصبة من أسهم الحياة، ويعلنون في كل مناسبة أنهم المنسيون الذين تتجاهلهم المؤسسات؛ فلا تستثمر خبراتهم في ترميم الأوضاع أو إعادة بنائها، يغدقون اللوم على زمان لم يوفِهم حقا ولم يبذل لهم ما يستحقون من تقدير واعتبار.

يقلبون الموازين لصالح أوهامهم ويصطادون حادثة من هنا وضحية من هناك ليعلّقوا على عاتقها محنة البلاد وانهيار اقتصادها وثقافتها وتعليمها وأوضاعها المجتمعية وقيمها، مكتفين بالشكوى والتحسر وهم يقفون على حافات السلامة ويعتصمون بما يقيهم من الضرر، يهتفون بالمغامرين المبادرين: تريّثوا ولا تورّطونا معكم فيما يؤدي إلى الهلاك، أنصتوا إلينا واستمعوا إلى حديث الخبرة ودقة التقدير، ثم نجدهم يفتشون عن ضحايا لهم ويتمتعون بدور الجلاد القامع وهم الذين كانوا ضحايا لجلاّدي الثقافة ورقبائها المتزمتين.

لطفية الدليمي

العرب: ٩-٨-٢٠١٧