وقد التزمت مصر بهذا الموقف خلال فترة حكم المجلس، ولكن جاء حكم الإخوان ليطل علينا بتوجه جديد وغريب على السياسة الخارجية المصرية بأن وجه الرئيس محمد مرسي  دعوته الشهيرة للجهاد في سوريا وأعلن في مؤتمر كبير قطعه العلاقات مع النظام السوري برئاسة الرئيس بشار الأسد.

عادت الدفة إلى نصابها مع الرئيس المؤقت عدلي منصور، واستمرت في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهنا بدأت قراءة أخرى خاطئة لدور مصر، وتوجيه الاتهام لها بالتقاعس عن القيام به، وللتوضيح، إذا مصر تقاعست بالفعل عن القيام بدورها، إذن من أرسل قواته البحرية والجوية لليمن لنصرة الشرعية، ورفض برؤية ثاقبة المشاركة بقوات بحرية مستفيدا من خبرة سابقة وانضم إلى التحالف العربي ومن بعده التحالف الإسلامي مناصرا المملكة السعودية التي دعت لتشكيل هذا التحالف، وقد ثبت وجهة نظر مصر بعدم التدخل البري وهو ما انعكس على خسائر بين كل الأطراف الداخلة في حرب اليمن سواء من التحالف أو من الحوثيين وقوات على عبد الله صالح، وفشل كل طرف في فرض واقع جديد على الأرض لصالحه.

تمسكت مصر بموقفها الذي اعلنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة تجاه سوريا، بل وترجمه النظام الحالي عبر المحافل الدولية وخاصة بالأمم المتحدة برفض أي قرار من شأنه النيل من استقرار ووحدة أراضي سوريا، ونسق النظام مع كل من روسيا والصين في هذا الأمر باعتبار مصر عضواً غير دائم في الأمم المتحدة.

وقد ثبتت صحة وجهة النظر المصرية التي نجحت مصر في إيصالها إلى العديد من الدول العربية التي كان لها دور في دعم الجماعات الإرهابية والمعارضة السورية فيها، وقد كان لهذا ابلغ الأثر في أن يسيطر النظام السوري على تنظيم داعش وأن يقترب من السيطرة الكاملة على الأراضي السورية.

ليبيا تعد هي الأخرى ضمن الدائرة المباشرة للأمن القومي المصري. فقد تأثرت مصر كثيرا من جراء تهريب الإرهابيين والسلاح عبر الحدود الممتدة بينهما، ومن ثم كان لمصر دور متعدد المناحي، من بينها الدور السياسي الخاص بالتوفيق بين أطراف الخلاف في ليبيا على السلطة واستضافتهم المستمرة في القاهرة وكذلك المساعدة في التوصل إلى اتفاق الصخيرات تحت مظلة الأمم المتحدة ومحاولة ردم الصدع في الاتفاق الذي لم يحدد دور الفريق خليفة حفتر، وكذلك مساعدة الجيش الليبي للسيطرة على أراضي الدولة، فضلا عن توجيه القوات الجوية ضربات لمعاقل الارهابيين في ليبيا وخاصة بعد ثبوت تورطهم في العديد من الضربات الارهابية داخل مصر، وبالفعل نجحت مصر في تقليل المخاطر القادمة إليها من الغرب وفي الوقت نفسه في تحريك الصراع نحو الاتجاه السلمي بين الاطراف المختلفة في ليبيا إلى أن يستقر الأمر فيها.

الحقيقة أن الدور المصري يواجه مأزقا حقيقيا وهو انكاره من قبل الباحثين والمتخصصين سواء داخل مصر أو خارجها، وقد يكون السبب أن هناك رغبة لأن تكون مصر في الصورة بشكل أكبر وأن يسلط الضوء على تحركاتها في المنطقة وأن تتاح معلومات اكثر عن هذا الدور، وهذا صحيح، ولكن انكار هؤلاء للدور المصري أمر غير مقبول لأن مصر لن تتخلى عن التزامها بثوابتها في سياستها الخارجية دون التورط في حروب من شأنها النيل من استقرار وبقاء الدولة القومية حتى وإن جاء على حساب تشويه صورة دورها الإقليمي ومحاولة التقليل منه.

ولكن، ما جعلني فعلا انادي بدور أكبر لمصر في المنطقة هو التطورات التي حدثت في لبنان واعلان رئيس وزراء لبنان استقالته من المملكة العربية السعودية، ثم تصعيد الأخيرة ضد حزب الله وإيران، الأمر الذي دفع العديد من المفكرين والمحللين السياسيين في المملكة إلى توقع وقوع حرب في المنطقة وخاصة في لبنان بل والجزم بوقوعه، هنا كان لابد من وقفة جادة.

هذا المشهد، ما كانت لترتضيه مصر الآن، فهي لن تقبل تحت أي ظرف من الظروف بأن يعلن رئيس وزراء دولة استقالته من دولة أخرى في مؤتمر صحفي، الأمر الذي يؤذن بأن ثمة عدم وجود عقلانية في إدارة المشهد في المنطقة وأن هناك قصوراً في الحكمة والتروي والرؤية المستقبلية الثاقبة والقرار المدروس من قبل الدول التي تتصدر المشهد في الفترة الأخيرة، وبالتالي على القاهرة أن لا تكتفي بالمبادرة التي قدمتها لحل الخلاف والتي لم يعلن عن فحواها، بل أن تتصدر المشهد بشكل كامل، وبالتالي أن يقوم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارة عاجلة للبنان كمطلب ملح في هذا الوقت، وكذلك أن يلتقي بكافة أطراف الخلاف، ويسعى للحيلولة دون قيام حرب جديدة في المنطقة خاصة أن المنطقة تستعد لتنفس الصعداء بعد تحجيم دور داعش المدمر للدول.