تجاوزنا مرحلة الثقة في المرأة السعودية، حول قدرتها على تحمل مسؤولية القرار في مؤسسات كبرى، يعمل تحت إدارتها عدد كبير من الرجال المتخصصين والخبراء. نجحت في أن تكون مقنعة لأصحاب القرار، بمستواها الأكاديمي وخبرتها الإدارية. نحن نستهل عصراً ذهبياً في تمكين المرأة السعودية، وإحلالها مواقع تستحقها بجدارة وتأهيل أكاديمي رفيع.

لكن تجارب الماضي، بكل ما فيه من كفاح وحفر في الصخر وبذل لا حدود له، هو الذي صنع الحاضر الجميل، وسيصنع كذلك المستقبل الواعد. وليسمح لي القارئ الكريم أن أروي قصة ربما لم تحظَ بفرصة الظهور والانكشاف، عن المؤسسات السعودية التي كانت خلف تمكين المرأة، ولم يُرفع عنها الغطاء، وقد حان وقت ظهورها عرفاناً بالوطنيين الذين أخذوا بيدنا لتحقيق ما نصبو إليه، واعترافاً منا بجميل ما عملوه.

قبل إنشاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، كانت فرصة السفر لاستكمال الدراسة العليا ضئيلة، وغير متاحة للكثيرات، لأسباب اجتماعية. وكنت مع بعض من زميلاتي، حديثات التخرج، في حيرة من أمرنا؛ فمن ناحية نحن متخصصات في العلوم الطبيعية التي تستلزم تجهيزات معملية متطورة لإنجاز العمل البحثي، ومن ناحية أخرى لم تكن الجامعات التي تخرجنا فيها مهيأة في بنيتها التحتية لتجهيزات العمل البحثي العلمي كما يجب أن يكون. الآمال كانت كبيرة، والطموح يسع الأفق، إنما الواقع كان متواضعًا. اختار بعضنا الطريق المتاح، وهو استكمال الدراسات العليا في موضوعات بحثية ليست على درجة عالية من التقدم البحثي، مقارنة بالتوجه البحثي العالمي. أما بعضنا الآخر، المحظوظ، وأنا منهم، فقد قررنا التواصل مع أهم مركز بحثي في الشرق الأوسط، وهو مركز الأبحاث في مستشفى الملك فيصل التخصصي، في العاصمة الرياض. الحقيقة لم يكن لدينا أي انطباع أو تصور عن المركز سوى ما قرأناه وسمعناه بأنه شريك أساسي لمراكز بحثية عالمية، وأن مخرجاته البحثية نوعية، يلجأ إليها الباحثون في دول متقدمة للاقتباس منها، أو استلهامها كمراجع، ومنجزات كبرى قد تشغلهم عن قبول باحثات مبتدئات.

أذكر جيدًا اليوم الأول لدخولي إلى مركز الأبحاث، كان هو الأمل الوحيد والأخير. وقفت خارج مدخله الرئيسي في انتظار من يخرج منه حتى أستطيع الدخول، نظراً لأني لا أملك بطاقة إلكترونية للمرور. تجولت متطفلة على المختبرات، أقرأ مسميات تخصصاتها على الأبواب، لأرى ما يناسب حقلي العلمي. كانت الجولة أسهل ما يمكن أن أقوم به في ذلك اليوم، أما الأصعب فهو كيف يمكن أن أكون جزءاً من هذا العالم. وبحماس المبتدئين، كنت أحدث نفسي بأنه لو كان لي من الأمر شيء، فسأظل أعمل مع هذه الأجهزة والباحثين طوال الأربع والعشرين ساعة، حتى في إجازة نهاية الأسبوع، بلا تعب ولا ملل.

بالنهاية، كان لا بد من الخطوة الرئيسية، وهي لقاء المسؤول عن المركز، وعرض طلب الانضمام. توجهت لمكتبه، في الدور الأرضي، وأبلغت السكرتيرة بأني أود لقاء المدير التنفيذي لأمر مهم، وبعد حوار حول ماهية الموضوع، سمحت لي. كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بالدكتور سلطان السديري، المسؤول عن هذا التنظيم المحترف، عن هذه الساعة الدقيقة التي لا تقدم ولا تؤخر. لم يدم اللقاء طويلاً، لكن الجملة التي فزت فيها، وشعرت من خلالها بانتصار الفاتحين، أن أكد لي أن للمركز مسؤولية اجتماعية لا يتخلى عنها، وأن المرأة السعودية تحديدًا لها الأولوية في ذلك.

منذ ذلك الحين، وقد مر نحو عقد من الزمان، حتى اليوم، بعد أن قضيت مع بعض زميلاتي في مركز الأبحاث كل هذه المدة لتنفيذ رسالتي الماجستير والدكتوراه، ثم أكملت أبحاثي حتى حصلت على أعلى درجة أكاديمية، لا يزال المركز كما أعرفه، بأبوابه المشرعة، وبأنظمته التي لا تعرف البيروقراطية، ملاذاً للباحثات السعوديات.

يظن البعض أن بناء مختبر وتأثيثه بأثمن التجهيزات هو ما يوفر بيئة بحثية ناجحة؛ هذا غير صحيح. في مركز الأبحاث، حينما نحصل على نتيجة من تجربة ما، يجتمع رئيس الفريق البحثي مع المساعدين والفنيين، لتحليل النتائج وتفسيرها، وأحياناً نستشير فيها أصدقاءنا المتخصصين في الخارج. هناك معرفة تكتسب، هناك علم، هناك خبرة يتشربها الباحث خلال عمله مع النخبة.

البحث العلمي مثل الأخطبوط؛ من طبيعته أن يتحرك بأذرع متعددة، لذلك من غير الحكمة أن يكتفي الباحث بالجامعة التي يعمل فيها، أو يظن أن توفير معدات مخبرية ستحقق له الخبرة التي يريد. من خصائص الباحث الجاد أن يكون متطفلاً، جريئاً، لا يتواضع في أفكاره العلمية، ولا يكتفي من المعرفة.

مركز الأبحاث في مستشفى الملك فيصل التخصصي يتمتع بمزايا هائلة ومتعددة، لكن في نظري أن الخاصية الأهم ليست في إمكاناته العلمية الكبيرة، ولا كونه يضم نخبة من الباحثين، ولا مئات الأوراق العلمية التي ينشرها كل عام في مجلات مرموقة، ولا حتى براءات الاختراع التي يسجلها. القيمة الحقيقية هي في إدارته البحثية الناجحة، التي سمحت بتحقيق كل ذلك، دون أن تتخلى عن مسؤوليتها الاجتماعية. لم ينعزل عن المجتمع، لم ينظر للباحثين والباحثات المتعطشين للعمل البحثي وكأنهم دخلاء، أو عبء مالي وتنظيمي، بل على العكس، أنشأ إدارة للتدريب والتعليم، ليستقبل حتى طلبة المرحلة الثانوية، ليعزز فيهم الفضول إلى المعرفة.

الحديث عن ذلك يطول، لكني أستطيع أن أوجز أخيراً، أن دعم وتمكين المرأة السعودية اليوم لم يعد خياراً، بل هو واجب وطني على عاتق كل المؤسسات العامة والخاصة، من يقصر فيه فهو يقصر في حق كل الوطن.

امل عبد العزيز الهزانى 

 

 

الشرق الاوسط ٢٨-٢-٢٠١٧