يتنقّل الإنسان في حياته مِن مرحلة إلى أخرى، يكتسب فيها خبرة في الحياة والعمل والتعامل معَ الآخرين، وهذا تطوّر طبيعيّ ينطبق على المرأة والرجل في مجتمعات شتّى على حدٍّ سواء، إلّا أنّ الأمر في مجتمعنا مختلف، فالتطوّر الفكريّ والمعرفيّ باتَ محصورًا على الرجل والمرأة العاملة بحُكم متطلّبات سوق العمل والرغبة الفطريّة في تحسين الأحوال المعيشيّة والتنافس في مكان العمل، أمّا المرأة "ربّة البيت" فهي إنْ لم تمتلك حافزًا داخليًّا قويًّا فإنّها للأسف تدخل في حالة جمود أو تراجع فكريّ تعود نتائجه السلبيّة عليها وعلى عائلتها.

 

يُمجِّد المجتمع المرأة التي تجلس لتربية أبنائها ولكنّه لا يُعطيها أيّ ميِّزات، ولا يُساعدها على تنمية نفسها قِيدَ أُنْمُلَة، فتجد المرأةُ نفسها بعد عقود قد شُغلت بتربية أبنائها والاهتمام بشؤونهم، وقد تراجعتْ فكريًّا ومعرفيًّا، حتّى وإنْ حاولت اللحاق بركب الحياة السريع فإنّ افتقارها للخبرة وعدم ممارستها لعمل ما سيقف دائمًا حجر عثرة في طريقها.
 

ستجد المرأة نفسها تعيش في كتلة مِن الفراغ، وقد قلّ احتياج أبنائها لها، وانشغل كلٌّ منهم بعمله وبحياته، بل إنَّها ستلاحظ الهُوَّة العميقة بينها وبين زوجها الذي كان مشغولًا في تنمية نفسه وتطويرها بدافِع أنّه الفرد العامل في العائلة الذي تقع عليه مسؤوليّة إعالة باقي أفرادها، وهنا إنْ لم تمتلِكِ المرأة موهبة لممارستها كالقراءة أو الرسم، أو إنْ لم تنشغِلْ بعملٍ ما -وإنْ كان تطوّعيًّا- فإنّها لا شكّ ستشعر بالعدميّة والإهمال، وربّما يتطوّر الأمر إلى اكتئاب أو غيره مِن أمراض نفسيّة باتَتْ منتشرة في مجتمعنا وإنْ لم تتواجد إحصائيّات حقيقيّة لحجم انتشارها


. 

كم مِن طاقاتٍ أُهدرت وضاعت هباءً منثورًا، وكم مِن مواهبَ دُفنت في مهدها؛ لعدم وجود داعم لها، واستسلام صاحباتها قبل أنْ تُزهر موهبتُهنّ، وكم مِن أفكارٍ تطوّعيّة خلّاقة لم تجِد النور؛ لفقدان الحماسة أو لعرقلة مجتمع، وكم مِن الوقت أُهدر بدون هدف أو غاية، وكم مِن مالٍ أُنفق في شراء حاجيّات لا نفع منها ولا حاجة لها إلّا لملْء فراغ أو للبحث عن سعادة ضائعة.
 

إنْ كنتُ أضع اللوم على المجتمع ككلّ لغياب ثقافة القراءة والثقيف الذاتيّ والتطوّع، فإنّي لا أستطيع إعفاء المرأة نفسِها من اللوم، إنّ الغاية مِن الجلوس في المنزل لتربية الأبناء غايةٌ نبيلة ولكنّها ليستْ -بأيّ حالٍ مِن الأحوال- سببًا في أنْ تُوقِفَ المرأة حياتها، وتدخلَ في سبات معرفيّ، وتُلغِيَ حاجتها لتغذية عقلها فكريًّا ومعرفيًّا، خُصوصًا في هذا الزمن الذي أصبح الحصول فيه على المعلومة لا يُكلِّف أكثر مِن كَبسة زِرٍّ وإنْ كان يتطلّب رغبة حقيقيّة.
 

ما الفائدة التي عادت على المرأة العربيّة مِن الإنترنت؟ هل تعرف المرأة أنّ باستطاعتها اليوم أَخْذَ دورات تقوية في كلّ العلوم مِن أشهر جامعات العالَم مجّانًا "أو بمبالغ زهيدة" وبدون أنْ تخطوَ خطوة خارج منزلها؟ هل تعرف أنّها تستطيع تعلُّم لغات جديدة، وتطوير مهارات مختلفة "خارج دائرة المطبخ والمكياج"؟ هل تعرف أنّ هناك الكثير مِن الجروبات الفيسبوكّيّة أُنشئت لتشجيع المرأة على القراءة؟ حيث يتمّ اختيار كتاب كلّ فترة لتتمّ مناقشته في جلسة حواريّة راقية.. هل حاولت المرأة الانضمام إلى هذه المجموعات التي ما يزال عدد منتسباتها قليلًا جدًّا مقارنةً بمجموعات كبيرة لا يُقدَّم فيها إلّا ما هو سطحيّ وسخيف؟ هل استفادت المرأة العربيّة مِن هذه الثورة المعرفيّة؟
 

إنْ كنتِ عزيزتي تشعرين بالفراغ، إنْ كنتِ قد فقدْتِ جزءًا مِن الثقة بنفسك، فالحلّ غاليتي ليس بالتسوُّق وهدْر المال، ولا بعمليّات التجميل فالرضا عن النفس ينبُع مِن الداخل، لا تبكي على السنين المهدورة، ابدئي الآن، فكثير من العُظماءُ بدأتْ حياتهم عندما قلَّتْ مسؤوليّاتهم، كلّ ما يلزمُكِ قرارٌ ينبُع مِن داخلِكِ، قرارٌ بالتغيير والتطوير مصحوبٌ بالمُثابرة والاجتهاد والخروج مِن دائرة الراحة، حيث العالَم الواسع بانتظارك، ما تزال في الحياة بقيّة، وما يزال لكِ فيها دورٌ هامٌّ، ابحَثِي عنه، وابدئي التغيير فورًا، اخطِي الخطوة الأولى التي مِن خلالها ستدخُلينَ عوالمَ لم تدخليها قطّ، اقرئي..

أمل الحارثي
مدونة الجزيرة: ٢٦-١٠-٢٠١٦