إذا كانت الدولة قد حدقت من قبل من أجل إدماج النساء في مشروعها الوطني وتحدق الآن من أجل دفعهن إلى سوق العمل واستثمار جسدهن بوصفهن عمالة أرخص وأقل عنادًا من الذكور فإن الإسلاميين يحدقون من أجل الحصول على هوية أصيلة غير ملوثة بمياه الحداثة ووضع حد هوياتي بين الغرب/الآخر/اللاأخلاقى وبين إعلاء شأن الداخل الثقافي المحاصر، بالإضافة إلى إعادة ترسيم الحدود بين الجماعات الثقافية والدينية المختلفة في الداخل. إن تحديق الإسلاميين يأتي في محاولة للرد على الآخر/المستعمر، أي بوصفه تجربة جرح. والنساء في هذا السياق يمثلن خط دفاعهم الأول والأساسي عن خصوصية أو هوية ثقافية. ويظهر الخطاب الأخلاقي الذي تحتله المرأة بوصفه نهاية التحديق واكتماله، هو نوع من الاستيلاء على هذا الجسد الذي تم ربطه مسبقًا بالهوية والدين في صورته النقية الماضوية. لقد وضعت التيارات السياسية الإسلامية يدها بالكامل على تراب ما هو أخلاقي وتم تصعيده إلى الإيديولوجي والسياسي، بل صار هو تمام الإيديولوجيا والسياسة. لقد وضعت التيارات الإسلامية نفسها حارسًا لبوابة القيم والأخلاق وأيضًا طرق النجاة والتقدم، وقدمت النساء على أنهن أساس هذا التقدم وتلك النجاة الموعودة، بوصفهن أمهات المسلمين، ولا رفعة للأمة بدون امرأة مسلمة تحفظ شرع الله/الذكر وتصون عفتها وتحافظ على ذكورها من الفتنة والغواية. وفى تطور واضح في خطاب هذه الجماعات لم يعد ينظر إلى الحجاب بوصفه اعتزالاً بل بوصفه طريق المرأة المسلمة إلى المجال العام وتدعيمًا لقدرتها التفاوضية في مجال يتحكم فيه الذكور، وأيضًا بوصفه شارتها الدينية وبرهان إيمانها، ولم يعد هؤلاء يطالبون النساء بالعودة إلى المنزل، رغم التأكيد على أنه مهمتها الأولى، ولكنهم يسعون إلى استثمارها ايديولوجيًا في معركتهم الدينية واقتصاديًا وسياسيًا ضد النظام القائم.

 

لعل ما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ودعوة النساء للخروج، بوصفهن الكتلة الصامتة، للتصويت للإسلام/لأجسادهن/ولملابسهن/ولآخرتهن لدليل على هذا الاستثمار الجيد للتحديق. في هذه الحالة، في تقديري لسنا أمام "أبوية مستحدثة" كما يذهب شرابي، بل أمام أبوية يمكن أن نطلق عليها "أبوية أصولية" تؤسس في المجال الخاص قيمًا أبوية تقليدية، وتسعى في المجال العام إلى تأسيس هوية تقوم على الربح والخسارة السياسيين، وتدمج ما هو حقوقي ومدني بما هو ديني وشعبوي.

سرد مضاد للتحديق

إنك ترى، ولكنك لا تستطيع أن ترى، إنك أعمى أمام حقيقة أن الأزهار، حتى دون أن تعرض، وقبل أن يوعد بها، تسرق منك باستمرار، وتخطف. (دريدا عن جان جينيه).

في المقهى بينما كان جياكوميتى يقرأ، أثار عربي بئيس، يكاد يكون أعمى، ضجة في المقهى لأنه شتم زبونًا فرنسيًا... وأخذ هذا الأخير يحدق في الأعمى بشراسة ويحرك فكيه كأنه يمضغ غيظه. الشخص العربي نحيل.

يزمجر الفرنسي متوجهًا إلى العربي الذي شتمه:

- لو لم تكن هذه العصا البيضاء...

أعجبت، في أعماقي، بكون عصا بيضاء تجعل هذا الأعمى أكثر قداسة من ملك، وأقوى من أكبر مبارز للثيران. (جان جينيه: الجرح السري، ترجمة محمد برادة).

إننا في صدد البحث عن هذه العصا البيضاء، عن سرد مضاد يقلب التحديق ويرده إلى ذاته، سرد من أجل الهامش والتابع والآخر، سرد من أجل خلخلة الذات الذكورية المتعالية، سرد صغير لذات تتوسل المعرفة والكشف. وحيلتها في ذلك هي التلصص والاختلاس لا التحديق والتجريد. فالمرأة تختلس النظرة glance أو تتلصص. هذه النظرة المختلسة أو المتلصصة التي تحوزها من شأنها أن تقف ضد التحديق، وتحدث شقًا صغيرًا في جدار الأبوية، هي العصا البيضاء التي نبحث عنها، هي التجاذب الأعمى المتبادل بين الذوات. هذا التجاذب نقيض للأبوية بفعل عنصري الإرادة والاختيار، هو النظر إلى خارج الذات، التطلع إلى الآخر لا بوصفه تجريدًا بل جسدًا معينًا وتاريخًا متجسدًا. هذا السرد الصغير/المضاد متواطىء مع ذاته ومع موقعه الهامشي، حيث خبرات الاضطهاد والاستبعاد والألم، وهو - بفعل هذه الخبرات - قادر على كشف الخطابات التي تمارس نفوذها، وتجعل النساء مادتها، وعليهن تتأسس شرعيتها. هذا الخطاب لا يمكن السيطرة عليه أو محاولة دمجه لأنه لا يختزل إلى صيغة أيديولوجية ولا يسعى إلى مركز أو عمق، ولا يتنطع بهوية مفارقة للسيرورة التاريخية، ولا يهدف إلى تحديق مضاد متمركز حول النوع يدور في فلك أبوية- مضادة، بل هو مسكون بقلب العلاقات وخلخلة كافة البنى المعرفية والاجتماعية القائمة، وكشف وهم الحكمة الأبوية والأمثولة التاريخية للتمركز.

إن الحركات النسوية أو النشاطات النسوية تقع في مواجهة تحديقين: تحديق الخارج عبر طرح تمثيل للنساء كافة على اعتبار أن النوع عابر للقارات والطبقات، وإن المرأة أخت للمرأة في أي مكان، هذا الطرح يذكرك بالمسلم أخ للمسلم ولو في باكستان؛ وتحديق الداخل مرة تحت رعاية الأمة والوطن، ومرة تحت نزق الهوية، فعبر خطاب وطني صاغت النساء البرجوازيات، هذه النسوية المنتخبة، خطابًا ممثلاً للريفيات والفقيرات، فالنساء البرجوازيات هن اللواتي يقمن بالبحث وإنتاج المعرفة حول وضعهن ووضع النساء الآخريات، ومن هنا عليهن أن يتلمسن طريقًا ينأى بهن عن التحديق ويكشف عن التناقضات التي تحيط بمواقع النساء داخل الهياكل الإنتاجية المختلفة وأيضًا عن وعيهن المحجب والمبطن للتوصل إلى فعل سياسي مغاير، إلى استكشاف نقاط المقاومة التي يقفن عليها، واستكشاف قدرتهن أو حيلهن الضعيفة في مواجهة الاستبداد والفقر المحدقين بهن. فمثلاً لا يمكن أن ننظر إلى النساء وكأنهن خضعن لمطالب التحديق برمتها وهذا ما يكشف عنه تحجبهن، ولكن في الوقت الذي يتحجبن فهن يتجملن؛ بمزيد من الإكسسوارات والمساحيق ونوعية القماش...الخ. وهناك بعض النساء يفسرن امتثالهن للتحديق ولجوؤهن إلى الحجاب بدافع الحصول على الأمن النابع من قبول المجتمع لهن، فالخوف يكمن في إحساسهن بالرفض من قبل هذا المجتمع. ويمكن النظر إلى هذا على أنه حيلة من حيل التوافق أو طريقة من طرق المهادنة.

ما هو المأسوي؟

المأسوي أن تستثمر السلطة وهذه الجماعات هذا التحديق حتى يصير موضوعًا للمتعة واختبارًا للسلطة والنفوذ، فترغب النساء في التحديق مثلما ترغب الجماهير في السلطة. وهنا نعود إلى "لسان العرب" عندما قال بأن الحديقة لا تسمى حديقة ما لم تكن مسورة أو يدور بها سور أو حائط. فهل المرأة لا تسمى امرأة بدون تحديق وبدون محدقين؟! ربما سلوك المنقبات يظهر ارتباط التحديق بالسلطة، فهن يسرن في الشوارع وكأنهن يتمتعن بسلطة أو بفضيلة يجب على الجميع احترامها وتقديرها، فعلى الرجال أن يوسعوا لهن طريقهن، ويتكلموا معهن عبر مسافة، وأن يقفوا في المواصلات لجلوسهن وكأن لسان حالهن: لقد منحناكم الفضيلة، وتحاشينا غوايتكم وفتنتكم، وحفظنا فروجنا فعليكم إذن أن تقدرونا حق تقدير!!

في النهاية إذا كان رولان بارت يرى أن كل كتابة سياسية هي استبداد من نوع آخر، فيمكن القول أيضا أن كل كتابة نسوية يقوم بها رجل هي أيضًا تحديق بطريقة ما. وأنا لست بمنأى، لكوني أحدق أحيانًا..!

 

المصدر : الحداثة وما بعد الحداثة: ٢-٧-٢٠١٧