لقد ظلت إحسان تلميذة المدرسة، التي لم تكن تعرف أبدا معنى التمرد إلا ما لم تفهمه من الكتب النظرية التي حاول علي طه دسها في رأسها، تثير الهواجس الاجتماعية والتساؤلات النفسية – لدى النقاد والقراء والمهتمين على حد سواء -  ليس فقط عندما بدأ الأب بالضغط عليها لتتزوج "البك الكبير" من أجل انتشال أسرتها من الفقر، بل وأيضا عندما بدأت تستعذب كلمات وملامح البك وتفكر جديا فيه، ثم مقارنتها إياه مع علي طه. لنكتشف أن المقارنة انتهت لصالح البك. والمثير أن مقارنة القواد محجوب عبد الدايم بين البك وعلى طه، انتهت لصالح عليِّ وليس لصالح البك. إن كل ذلك لا يمكن أن يلقي بشبهة الانحطاط الأخلاقي عند إحسان باعتبارها "امرأة"، بقدر ما يلقي بحقيقة الفساد الاجتماعي – الأخلاقي عند المجتمع. وهو ما نرى أصله في الفساد السياسي. فأين الفساد والانحطاط هنا: في اختيارات إحسان، أم في دفع الأسرة لها بالانطواء تحت جناحي رجل غني وقوي عبر الزواج من قواد له ظروفه الاجتماعية أيضا، أم في منظر الإخوة الجوعى والعراة؟!

أما حميدة، المتمردة التي تحب نفسها كثيرا على قدر وعيها ووعي زقاقها، فكانت أكثر وضوحا ووقاحة وجرأة واتساقا مع نفسها منذ البداية. كانت تدرك أنها وقعت في مصيدة قواد. وكان زقاق المدق يمثل طريقا في اتجاه واحد غير قابل للرجعة على الرغم من التواطؤ الذي يمثل أبرز سمات منظومة العلاقات في الزقاق.

لقد دفعوا إحسان للانسلاخ عن شريحتها الاجتماعية لتعيش ضمن منظومة علاقات قوادة، وقوادة سياسية متعددة الدرجات. وعندما اكتشفت أنها وقعت في المصيدة، تماهت مع دورها الجديد لتصبح واحدة ضمن مخلوقات طبقتها الجديدة، تمعن في التواطؤ والتبربر على الرغم من إمكانية الاختيارات، وإمكانية الحركة أو بالأحرى التراجع. بينما حميدة التي انسلخت عن شريحتها كانت تعرف منذ البداية طريقها الواحد والوحيد للخروج من القاع وظلت تراوح بين الاستسلام التام أو نصف التسليم.

لقد حسمت حميدة أمرها وخرجت في اتجاه واحد. وحتى عندما التقت عباس الحلو مصادفة، لم تضعف أو تستكين أو تفكر في العودة. إنه الواقع، والشخصية الواقعية التي تتعامل ببرجماتية تامة مع واقع هي مجبرة للحياة فيه، سواء كان "زقاق المدق" أو "الكباريه". بينما ظلت إحسان مترددة رغم قناع القوة الذي كانت ترتديه. وفي نهاية المطاف لم تكن أمامها أي فرص للعودة، أو هكذا تصورت هي بعد أن قطعت خطوات مهمة في الحياة، أو ما تتصوره أنه الحياة.

وعلى الرغم من التفاصيل التي قد تعكس بعض الفوارق الطبقية والنفسية والوجودية بين إحسان وحميدة، إلا أن النموذجين وجهان لكينونة بائسة في واقع اجتماعي ربما يكون هو المذنب الأول والوحيد في دفعهما إلى منطقة شائكة من حيث النظرة الأخلاقية السائدة في نفس ذلك المجتمع المتواطئ الذي يتواطأ أفراده مع بعضهم البعض حينا، وضد بعضهم البعض حينا آخر، وضد نفس القواعد والأطر الأخلاقية التي يحاسبون بعضهم البعض بها حينا ثالث...

من كثرة التشابه المنطقي، في السرد، بين إحسان وحميدة، يمكن أن نلمح مقاطع كاملة متشابه من حيث طريقة التفكير. ما يعطي انطباعا بأننا أمام نموذج واحد لامرأة تتأرجح بين إحسان وحميدة، تعكس كل النتائج الممكنة لمنظومة علاقات اجتماعية لم تتغير طوال القرن الأخير، أي منذ خلق نجيب محفوظ نموذجي إحسان وحميدة... وبالتالي، ما الفرق بين والد إحسان، وبين والدة – خالة – حميدة؟! لا فرق تقريبا. غير أن شريحة القاع أكثر وضوحا وجرأة ووقاحة، لأنها ببساطة لا تملك أي شئ يمكن أن تخاف عليه. هنا تظهر قوة حميدة النفسية وصلابة منطقها وجرأتها على المضي قدما إلى الأمام دون أي تردد أمام المقدسات والمعايير الأخلاقية.

ولكن ماذا لو تبادلت كل من إحسان وحميدة مواقعهما الاجتماعية في تلك الطبقة المنكوبة؟ ماذا لو كانت حميدة هي التي كانت تدرس في المدرسة وتمتلك نفس قوتها ومنطقها في زقاق المدق؟ ربما اختلفت المصائر تماما!

هناك بعض الأفكار حول أن الزقاق كان يحمي حميدة. كان يمثل درعا اجتماعيا وجغرافيا لها ولجسدها الذي كانت تعتبره رأسمالها وسلعتها في آن واحد. إذن، ما الذي كان يحمي إحسان ابنة المدارس التي بدأت تفكر ليس بالضبط في جسدها، وإنما في ما يتعلق بهذا الجسد واحتياجاته الخارجية، عندما وضعت قدمها على أول طريق؟ تساؤلات وافتراضات وتباديل وتوافيق يمكن أن تتوالد وتتكاثر حول هذين النموذجين. ومع ذلك، لا يمكن أن تكره أيا منهما. يمكنك فقط أن تغضب أو تحنق أو تتعاطف أخلاقيا. إن الغضب والحنق يكشفان جانبا آخر من المجتمع المتواطئ باسم المقدس. ذلك المجتمع الذي لا يرى في المرأة سوى كائن خرافي قد يعجبه ويروق له في أوقات محددة، وقد يصبح شيطانا وإبليسا وعفريتا في أحيان أخرى. أما التعاطف فهو يعكس مدى التواطؤ الاجتماعي بمعناه الأخلاقي. بينما المسألة مختلفة تماما، لأن إحسان وحميدة وجهان لكينونة واحدة تعيش في منظومة علاقات اجتماعية منحطة، اتفق الجميع ضمنيا على تحييدها، بل تجاهلها تماما، أو في أحسن الأحوال، تسطيحها في حال الحديث عنها، لتندرج كل الأسباب والحيثيات والمبررات تحت البند الأخلاقي. هنا تحديدا نكتشف أن التواطؤ الحقيقي ليس تواطؤ إحسان أو حميدة مع مصيريهما، ولا تواطؤ الأولى مع محجوب، ولا الثانية مع فرج، ولا حتى تواطؤ الأب عند إحسان أو الخالة – الأم عند حميدة... إنه تواطؤ من نوع آخر يشارك فيه الجميع بلا استثناء تحت مظلة الحفاظ على البيت الكبير الذي يضمنا، رغم كل الفساد السياسي، والدعارة السياسية قبل الأخلاقية! (يتبع)