إذا اعترفنا بأن الدول العربية والإسلامية تحرص علي عدم وصول "المتطرفين" و"المتشددين" إلى السلطة، فمن الصعب أن نتصور أن الدول الأوروبية قد تسمح بوصولهم إلى السلطة هناك. فمنظومة القيم الأوروبية تتعارض تماما مع "الظلامية" بكل أنواعها ومشاربها وتوجهاتها. وقد دفعت أوروبا ثمن الوصول إلى تلك القيم وبلورتها وزرعها في مجتمعاتها، ما يجعلها حريصة كل الحرص على عدم انهيارها أو تراجعها.

لا شك أن كل مجتمع في أي دولة يتضمن العديد من التناقضات والاختلافات والصراعات. أي ببساطة، حالة من التنوع التي يديرها بعض الدول وفق قيم إنسانية مشتركة، ويفشل البعض الآخر. لكن الغالب على أوروبا أنها تسير في تيار ديمقراطي عام، وإن اختلفت أشكال الديمقراطيات من دولة إلى أخرى، وفق منظومة محددة من القيم والتقاليد، والأخلاق بمعناها الفلسفي العميق والشامل.

قد يختلف البعض مع الديمقراطيات الأوروبية، وقد يرى البعض أنها قاصرة أو منقوصة. ولكن هذه هي الصيغة التي وصلت إليها، حتى الآن، الدول الأوروبية من حيث التنوع، ومن حيث إدارة هذا التنوع. والمسألة هنا ليست تفضيل هذه المنظومة على تلك، أو إطلاق التعميمات "التضليلية" لتوجيه إدانات إلى هذا الطرف أو ذاك. فكل مجتمع فيه متطرفوه ومتشددوه.

لقد برهنت "هولندا" على أنها تسير وفق منظومة قيم تتماشى مع الخط العام للديمقراطية، بصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع سياسات الأحزاب التي تفوز أو تخسر. كل ما هنالك أن حملة الـ"إسلاموفوبيا" انتشرت بشكل صارخ ومرعب، أثارت الخوف والفزع ليس فقط في نفوس معتنقي الديانة الإسلامية في أوروبا، بل وأيضا في نفوس المسلمين بشكل عام. وإلى وقتنا هذا تتسع هذه الحملة، لأسباب سياسية وخلافات مصالح، لتصوير الأوضاع في أوروبا على أنها وصلت إلى حد الانفجار والانهيار، وأن "اليمين المتطرف" يكاد يصل إلى السلطة في أوروبا. ولكن، بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات الهولندية، ترى التقديرات العقلانية أن اليمين المتطرف ومجموعات النازيين الجدد وأصحاب التوجهات القومية المتشددة لن يصلوا إلى الحكم لا في فرنسا ولا في ألمانيا ولا في أي دولة أوروبية.

المسألة هنا لا تتعلق بتدخل المؤسسات السياسية في الانتخابات، وإنما تتعلق بمنظومة القيم والمكاسب لدى الشعوب والمجتمعات الأوروبية. كما أن التقديرات العقلانية ترى أيضا أن العديد من الساسة المسلمين يستخدمون مصطلح "الإسلاموفوبيا" من أجل تحقيق مصالح معينة أو تصفية حسابات تتعلق بملفات أخري. بل وتذهب الأمور إلى قيام بعض وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية بتصعيد هذه الحالة إعلاميا، وإثارة الرعب، وإطلاق التوصيفات التعميمية لأهداف معينة. علما بأن الكثيرين، إن لم يكن الجميع، يعرفون جيدا أن لا أحزاب أو تنظيمات أو جماعات متطرفة ومتشددة دينيا أو قوميا يمكنها أن تصل إلى السلطة في أي دولة أوروبية. فأوروبا هي التي سددت فاتورة التخلص من "الظلامية" والتشدد والتطرف آلاف الضحايا وأنهار الدماء لتصل إلى ما هي فيه الآن. ولدينا مثال في "الاتحاد السوفيتي" السابق الذي ضرب آخر معاقل الظلامية والتطرف و"الإجرام" في أوروبا، ففقد أكثر من 25 مليون شخص في مواجهة النازية التي مثَّلت إحدى أعلى قمم التطرف القومي والعرقي واحتقار الآخر. وبالتالي، من الصعب أن نطلق الأحكام التعميمية والشمولية ونوجه اتهامات "مجانية" للمجتمعات الأوروبية. وفي المقابل، لا يمكن لعاقل أن يناصر أي حركات متطرفة في أوروبا أو في غيرها.

المخاوف تتزايد قليلا عندما يقوم بعض الساسة في العالم الإسلامي باستخدام "الإسلاموفوبيا" أو تكريس المصطلح من أجل مكاسب سياسية داخلية أو تصفية خلافات خارجية. وتتزايد أكثر عندما تبدأ وسائل الإعلام بتكبير الظواهر، وطرح قراءات واستنتاجات غير دقيقة يجري تكريسها في اتجاهات خاطئة تماما. وفي نهاية المطاف، يمر بعض الوقت، ونرى أن نفس الساسة، ونفس وسائل الإعلام، يطرحون رؤى مناقضة ومعاكسة تماما لما كانوا يطرحونه منذ عدة أيام أو أسابيع. ونرى أن المياه تسير في مجاريها، وكأن شيئا لم يكن.