الناظر لهذا المشهد يظن أن الحرب قائمة بين هولندا وتركيا وعلى أشدها، لكن المتنافسين يعرفون أن ذلك تكتيك، وأن هدفهم تحقيق مكاسب آنية، وبعد ذلك تعود الأمور إلى مجاريها! لكن ما لم ينتبه له هؤلاء السياسيون هو تداعيات هذا التنافس على التعايش وعلى مفهوم المواطنة، وعلى مصالح الناس. فالمواطنة هي الانتماء إلى وطن، وقيم، ونظام، وعليه فإن هولندا تتوقع من مواطنيها الوقوف معها، تماماً كما يقف مواطنون أتراك مع حكومتهم. ما حصل أن كثيراً من مواطني هولندا وقفوا مع إردوغان وضد حكومتهم، وبهذا أثبتوا لليمين المتطرف أن ما يُروّجونه عن ولائهم ليس عبثاً! ولذلك صعّد رئيس وزراء هولندا الليبرالي مارك روتي اللهجة، وقال إن من لا يعجبه العيش معنا (قاصداً هؤلاء المسلمين) فليرحل! بهذا التقى الليبرالي مع اليميني المتطرف!

المخيف في هذا التنافس أنه خرج من دائرة التنافس بين هولندا وتركيا، وأصبح مواجهة بين الإسلام وبين الاتحاد الأوروبي؛ فأوروبا مهما حاولت المراوغة تبقى رهينة الازدواجية في الهوية: هل هي أوروبية مسيحية أم أوروبية ليبرالية

لسنين خلت، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية تعززت الليبرالية الأوروبية القائمة على أسس التعايش مع الآخر، والاحتفال بثقافة المغاير، والالتقاء على أسس إنسانية، لكنها منذ التسعينات ومع تعمق العولمة، وأزمات الرأسمالية، والهجرات الواسعة، والانبعاث الروسي الأرثوذوكسي القومي، والانكفاء الأميركي، تراخت الهوية الليبرالية الأوروبية وقويت مقابلها الهوية الأوروبية المسيحية

ومما زاد من قوة الهوية الدينية الأوروبية هو استخدام ليبراليين، ولأهداف انتخابية، شعارات اليمين المتطرف، ليس في أوروبا فقط بل في أميركا. ويبدو أن اليمين المتطرف بدأ يشعر بالتحول التاريخي لصالحه، ولهذا فإن مفكريه ومنظّريه يرون الآن الفرصة سانحة لتوحيد أوروبا عبر الأحزاب اليمينية المتطرفة، ومعها يستعيدون الهوية الأوروبية المسيحية، وتطهير القارة من الهجرة العرقية التي تسربت في غفلة تاريخية وبخيانة من الليبرالية

وتزداد قناعة اليمين المتطرف بتحقيق هدفه بعد بروز نجم ستيف بانون، المستشار الأول للرئيس الأميركي للشؤون الاستراتيجية، الذي يتفق مع رؤية اليمين المتطرف. ولا عجب أن نسمع بانون يقول إن هدفه تدمير النظام الليبرالي القائم وإعادة بنائه من جديد!

يدرك إردوغان هذا الواقع، لكنه لحسابات ما، يفرط في حقن جرعات التشنج، وإيقاظ النعرة القومية الدينية الأوروبية، وتحميل الليبرالية ما لا قدرة عليه، والتلاعب بمفهوم المواطنة. فإردوغان يتهم الليبرالية الغربية، وليس اليمين المتطرف، بأنها مسؤولة عن مذبحة سبرينتسا، وأنها الكارهة للإسلام؛ بهذا يخطئ في الاتهام، ويساوي كذلك بين الليبرالي والمتطرف الأوروبي، تماماً كما يساوي متطرفو الغرب بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف! كما أن دعوة إردوغان للهولنديين من أصل تركي بألا يصوتوا لهذا أو ذاك، دليل على أنه لا يرى مكاناً للمواطنة الهولندية! بهذا الواقع المتأزم في توصيف الحقائق، وقراءة التاريخ، وفهم الحاضر، يتحول مسلمو أوروبا إلى ورقة بيد إردوغان، وإلى فزاعة بيد اليمين الأوروبي!

رغم هذا التحشيد (الطائفي) فإن اليمين المتطرف لم يحقق في هولندا الاختراق المتوقع، وأثبتت الليبرالية أنها لم تمت، وأظهر الشعب الهولندي أنه ليس نازياً، ولا كارهاً للإسلام؛ وثبت أيضاً أن كلام إردوغان جانبه الصواب! لكن لا بد من الاعتبار مما جرى؛ لأن طمر الرأس في الرمال لا يحل مشكلة؛ ومن تلك الدروس المعتبرة أنه لا بد من الامتناع عن استخدام سلاح الهوية الثقافية؛ لأن ذلك يجعل كل طرف متأهباً للانقضاض على الآخر؛ هذا السلاح الثقافي، كما يقول غرامتشي، هو الذي يوحد إرادة جمعية لتحقيق هدف سياسي. ويبدو أن إردوغان واليمين المتطرف لا يمانعان من استخدامه، لا بل انضمت إليهما مجبرة، تحت ضغط السلاح الثقافي، أحزاب اليمين الوسط في أوروبا، ليصبح اليمين المتطرف هو المتسيد، بعدما سرق هذا اليمين، بانتهازيته، شعارات اليسار المتطرف ويسار الوسط مثل معاداة العولمة، ومناهضة النخب الحاكمة، والدفاع عن الطبقة الفقيرة. للأسف لم يجد اليسار غضاضة في ذلك، بل انطلق وكأن الأمر لا يعنيه، مما عزز سردية اليمين المتطرف، وجعله مقبولاً أكثر لدى شرائح كبرى في المجتمع الأوروبي.

رغم اتهامات إردوغان لأوروبا، ورغم وحشية اليمين المتطرف، ورغم الجو العام السائد ضد الإسلام في العالم، فإن الحقيقة أن أوروبا لم تزل أفضل مما يصورونها، وأن رفضها لليمين المتطرف، وللجنوح نحو الكراهية، والإصرار على الليبرالية، وعلى العولمة المدجنة، يحتم علينا كمسلمين، وعلى إردوغان بالذات، الابتعاد عن طروحات تشبه اليمين المتطرف، وسحب الإسلام من التداول كسلاح ثقافي مضاد، والتركيز على بناء علاقة أفضل، تجلب الخير للجميع. لكن إذا ما أصر إردوغان، ومعه تيار اليمين المتطرف ومن يحابيه في أوروبا، على ركوب موجة المواجهة الثقافية، وتصوير الحرب كأنها حرب بين الإسلام وأوروبا الدينية، فإن حالهم يشبه حال من يتنبأ بأن أمراً ما سيقع، ثم ينطلق ليعمل كل ما بوسعه لتحقيقه ليثبت صحة ما يقول!

ليت إردوغان، ومعه مسلمون يعون ذلك؟!

احمد محمود عجاج 

 الشرق الأوسط١٨-٣-٢٠١٧