نحو ألفين من الأتراك الذين يعيشون في روتردام تجمعوا مساء يوم 11 مارس/آذار بالقرب من القنصلية التركية وبدأوا يرمون بكل ما تطاله أيديهم على الشرطة. ولم يكن أقل دراماتيكية رد فعل الرئيس رجب طيب أردوغان الذي اتهم الحكومة الهولندية بأنها لا تفقه شيئا لا بالسياسة ولا بالدبلوماسية. فهم، كما قال، "اعتراهم الخوف بمقدار جبنهم.. وكل قراراتهم هي بقايا النازية والفاشية".

لكي تقوم القيامة بين تركيا المسلمة الطامحة منذ زمن بعيد لدخول الاتحاد الأوروبي كنِدٍّ بعد أن دخل العمال الأتراك أوروبا كمحتاجين لرزق يسدون به رمق عيالهم ليسهموا في إعادة بنائها بعد خراب الحرب العالمية الثانية، ثمة – كما في كل خناقة – ذنب من هذا وذنب من ذاك.

فمن ناحية، يتنامى في أوروبا اليوم ليس فقط الوعي القومي والحرص على الهوية الوطنية، ولكن أيضا تعصب قومي يميني خطير سبق أن عانت منه في العهد النازي ويخشى الكل انتعاشه مجددا إذ ينظر إلى المهاجرين من الدول العربية، ومن تركيا وشمال إفريقيا كغرباء وكعنصر غريب أدنى عرقياً ويؤثر سلباً في استقرار المجتمع الأوروبي وعيشه الرخيّ. ومن ناحية أخرى، يجري في تركيا، بمجيء حكومة أردوغان والقوى السياسية الموالية لها، تفكيك تدريجي لما كان يعرف بالدولة العلمانية المتطلعة أبداً إلى أوروبا والمتخذة إياها مثلاً أعلى منذ أن نشأت في أيام مؤسس الدولة التركية الحديثة كمال أتاتورك. وفي الوقت نفسه يشعر المهاجرون الأتراك في أوروبا بأنهم ليسوا مواطنين في الاتحاد الأوروبي فحسب، بل أيضا مشاركون في المشروع الإسلامي الأصولي لأردوغان. وهذا على الرغم من أن العديد من هؤلاء يعيشون في الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بل عقود، وتكونت لهم هناك أسر ونشأ أطفال، وحصلوا على الجنسية. ومع ذلك، يحتفظ هؤلاء الناس باللغة التركية كلغة تواصل في ما بينهم، كما يحتفظون بالدين الإسلامي وتقاليده إلى جانب مجموعة من الميزات الأخرى التي يتم استخدامها من قبل القوى اليمينية في أوروبا من أجل المتاجرة سياسياً بموضوع العمال المهاجرين، وتأثيرهم في القيم الأوروبية والثقافة الأوروبية ومن أجل تعظيم "الخطر الإسلامي".

صراع هذين الاتجاهين المتعارضين يحفز ويسلط الضوء على التناقضات التي تفجرت في شكل نزاع هولندي تركي، بل قُلْ في شكل نزاع تركي أوروبي أوسع وأعمّ.

وإن تحول هذه التناقضات إلى تطرف متبادل لهو أمر لا مفر منه تقريبا. فتركيا أتاتورك العلمانية "تغرق" بكل بساطة سواء في التركيبة السكانية الخاصة بها، أو في الهجرة الآتية من الدول العربية المجاورة. فعدد سكان تركيا الذي كان قبل عشرين سنة خمسين مليوناً قد يصل في السنوات الـ15 المقبلة الى 100 مليون نسمة، سواء بفضل النمو السكاني الداخلي، أو بفضل المهاجرين واللاجئين الذين يفرون الآن إلى تركيا من سوريا والعراق واليمن وغيرها من المناطق الساخنة في العالم العربي. كل هذا الكم الهائل من الناس غير المستقرين والذين ليس أمامهم أي مستقبل واضح المعالم والقسمات يجذر الوضع في تركيا، ويميل به ناحيةَ نسخةٍ للإسلام أكثر أصولية بكثير ونحو تدمير الدولة العلمانية. أضف إلى ذلك الفكرة القومية التركية الشاملة، والعودة إلى الخطاب العثماني وتخيّل صورة "الباب العالي" التي كانت ممنوعة منعا باتا في عهد الكماليين. وإن أوروبا الجارة القريبة لتركيا والمرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً تصبح الآن كما في الماضي احد أهداف هذا التوسع التركي العالمي.

أساس نفوذ تركيا في أوروبا هو الشتات التركي. فثمة اليوم في هولندا الصغيرة حوالي 400 ألف مواطن هولندي من أصل تركي، وفي ألمانيا المجاورة تعداد الأتراك أكبر أيضا ويصل حتى حوالي 8 ملايين نسمة، أي تقريبا كل عاشر مواطن الماني. هذا القدر من المهاجرين الأتراك المستوطنين هناك موال كثيراً لتركيا ومناهض لاوروبا، ويعتنق في الوقت نفسه المنهج الإسلامي الأصولي والمتطرف. مثل هذا الوضع لا يسعد أوروبا البتة، بل يسبب قلقاً كبيراً للأوروبيين، لأنهم يعتقدون أن كل هذا الكم الهائل من مواطني ألمانيا (هولندا ودول أخرى) ذوي الأصل التركي، يمكن استخدامه كفتيل مخفي لـ"قنبلة حضارية" قد يفجرها أي زعيم تركي مستقبلاً بأوروبا الهادئة المستقرة إلى حد ما، التي اعتادت على تركيا صاغرة ومتحكمٍ بها أوروبياً.

كما ذكرنا سابقا، أساس الجدل الحالي وضعه كلا الجانبين. فأوروبا خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي تلاعبت بتركيا بمهارة فائقة، مستخدمة إياها كحليف قاصر. وكان الانتظار الذي لا نهاية له "في بهو البيت الأوروبي" دون أن يسمح لها بالدخول إليه، وكأن عليها أن تمر عبر نار المطهر قبل دخول الجنة الأوروبية، مثابة مهانة لم يرتح لها الأتراك بالتأكيد. والأتراك الذين عاشوا حتى الأمس غير البعيد مشاعر الأمة التي كونت إمبراطورية، أصيبوا بفخارهم واعتزازهم في الصميم.

فأوروبا عرضت بذلك على تركيا أن تكون مثابة الصبي الذي عليه أن يقول لمعلمه دائما وأبداً "أمرك سيدي!!"، أن تشكل الحصن الشرقي لأوروبا يحميها من غزو المهاجرين من العالم العربي، والاسفين ضد روسيا يغلق على الروس بوابة الوصول إلى البحار الجنوبية الدافئة – مع إفهام تركيا أمراً لا لبس فيه أبداً من قبل الاتحاد الأوروبي، ألا وهو: "لا، أنتم لستم أوروبيين". هذا النهج هو ما أدى إلى أن تختار تركيا الحالية مسار التطور الخاص بها، حتى وإن لم يكن الاختيار المثالي، ذاك الذي لم يعد يركز على أوروبا.

لذلك، ربما نشهد الآن انهيار فكرة "أوروبا الموحدة" - اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وستكون بداية هذا الانهيار انطلاقاً من الفتيل التركي الذي تم إشعاله وها هو يبدأ ليس فقط يبعث مجرد دخان كثيف، بل يحترق وصولا إلى تفجير القنبلة التي تهدد بنسف كل بنيان الاتحاد الأوروبي. وهنا قد تكون روسيا رابحاً استراتيجيا من هذه الفرقة التركية الأوروبية، لا سيما حين يتقدم الناتو بخطى حثيثة نحو أراضيها بعد أن نفذ إلى خاصرتها الجنوبية الغربية في أوكرانيا وبعد أن حاصرها من الشمال الغربي في جمهوريات البلطيق السوفياتية سابقاً.